حين أقرأ أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يخصص نحو 247 مليون درهم لدعم الصحافة، لا أستطيع أن أتعامل مع الرقم باعتباره مجرد سطر بارد في ميزانية الدولة. بالنسبة إلي، هذا الرقم يفتح ملفًا أكبر بكثير من الدعم نفسه، لأنه يعيد طرح السؤال الذي نهرب منه منذ سنوات: هل نريد في المغرب صحافة قوية قادرة على الوقوف على قدميها، أم نريد قطاعًا يتعلم تدريجيًا كيف يتنفس عبر أنابيب المال العمومي؟
أنا مع دعم الصحافة حين يكون الدعم استثمارًا في الاستقلال والجودة والتحديث، لكنني أتحفظ كثيرًا عندما يتحول الدعم إلى عادة مالية دائمة، أو إلى نوع من التخدير الذي يؤجل الانهيار من سنة إلى أخرى من دون أن يغير شيئًا في بنية الأزمة. ذلك أن الصحافة التي تحتاج في كل مرة إلى جرعة جديدة لكي تستمر في الحياة لا تعاني فقط من نقص التمويل، بل من خلل أعمق في نموذجها الاقتصادي، وفي علاقتها بالجمهور، وفي قدرتها على إنتاج قيمة تجعل القارئ مستعدًا للدفع والمعلن مستعدًا للاستثمار.
247 مليون درهم ليست رقمًا صغيرًا. وحين تُضخ أموال عمومية بهذا الحجم في قطاع الإعلام، يصبح من المشروع أن نسأل، بصوت مرتفع ومن دون مجاملة: ماذا سنشتري بهذا المال؟ هل سنشتري صحافة أفضل؟ هل سنشتري تحقيقات أكثر جرأة؟ هل سنشتري تكوينًا مهنيًا جادًا؟ هل سنشتري استقرارًا اجتماعيًا للصحافيين؟ هل سنشتري انتقالًا رقميًا حقيقيًا؟ أم أننا سنشتري فقط عامًا إضافيًا من البقاء؟
هذا هو جوهر القضية بالنسبة إلي.
لقد جاءت جائحة كورونا بمرحلة استثنائية فرضت تدخلًا استثنائيًا. كان كثير من المؤسسات الإعلامية على حافة الاختناق، وكان إنقاذ مناصب الشغل ضرورة اجتماعية ومهنية. لذلك يمكن تفهم مساهمة الدولة في تحمل جزء من كلفة الأجور في تلك المرحلة. لكن الاستثناء لا يمكن أن يتحول إلى فلسفة حكم دائمة، ولا يمكن أن تبقى مؤسسة إعلامية في القرن الحادي والعشرين عاجزة عن دفع أجور موظفيها إلا بمساهمة خارجية ثم تطلب في الوقت نفسه أن ينظر إليها المجتمع بوصفها مؤسسة مستقلة كاملة الاستقلال.
المفارقة هنا قاسية. كيف يمكن للإعلام أن يراقب السلطة اقتصاديًا وسياسيًا وأخلاقيًا إذا كان جزء منه عاجزًا عن ضمان حياته المالية دون دعم عمومي؟ لا أقول إن الدعم ينتج بالضرورة التبعية، فهذا تبسيط غير عادل، لكنني أقول إن الاعتماد المالي المستمر يخلق دائمًا سؤالًا مشروعًا حول حدود الاستقلال، وحول قدرة المؤسسة على اتخاذ قراراتها التحريرية من دون أن تحسب ألف حساب لمن يمسك بمفتاح التمويل.
لهذا فإن التوجه نحو إنهاء الأداء المباشر أو شبه المباشر لأجور الصحافيين، والانتقال إلى دعم المقاولات وفق شروط محددة، قد يبدو منطقيًا من حيث المبدأ. المؤسسة يجب أن تتحمل مسؤوليتها. من يشغل الصحافي هو من يجب أن يدفع أجره. ومن يدير المقاولة هو من يجب أن يضمن استمراريتها. الدولة ليست إدارة للموارد البشرية داخل الجرائد والمواقع والقنوات.
لكن هنا أيضًا تبدأ المشكلة لا تنتهي.
إذا كان الدعم سينتقل فقط من يد إلى أخرى، من خانة الأجور إلى خانة المقاولة، من دون تغيير في شروط الاستحقاق والمراقبة والشفافية، فما الذي تغير فعلًا؟ قد يتغير الاسم ويبقى الجوهر كما هو. وقد ننتقل من دعم الأجر مباشرة إلى دعم مؤسسة تصرف المال في اتجاهات لا يعرفها أحد، بينما يبقى الصحافي نفسه ينتظر راتبه أو يعمل بعقد هش أو بأجر لا ينسجم مع حجم المسؤولية المهنية التي يتحملها.
بالنسبة إلي، أي نظام دعم جديد لا يضع الصحافي في قلبه هو نظام مقلوب الأولويات. لأن الصحافة ليست بنايات ولا شعارات ولا أسماء تجارية. الصحافة صحافيون. هم الذين يذهبون إلى الميدان، وهم الذين يبحثون في الوثائق، وهم الذين يسألون ويحرجون ويدققون ويكتبون ويتحملون أخطاءهم أمام الرأي العام.
حين ندعم مؤسسة ولا نضمن في المقابل احترامها لحقوق العاملين فيها، نكون قد دعمنا الغلاف وتركنا الجوهر يتآكل.
أريد أن أعرف، مثل أي قارئ وأي مهني، هل سيُربط الدعم العمومي باحترام الأجور في مواعيدها؟ هل سيُربط بعقود واضحة؟ هل سيُربط بالتصريح الكامل لدى مؤسسات الحماية الاجتماعية؟ هل سيُربط بعدم تشغيل الصحافيين في وضعيات هشة لسنوات؟ هل سيُربط بتكوينهم المستمر؟ وهل ستُعاقب المؤسسة التي تستفيد من المال العمومي ثم تسيء إلى حقوق العاملين فيها؟
إذا كان الجواب لا، فنحن أمام دعم مالي لا أمام سياسة عمومية.
وأنا أذهب أبعد من ذلك. يجب أن تكون كل درهم من هذه الملايين قابلة للتتبع. لا يكفي أن يقال إن مؤسسة معينة حصلت على دعم. يجب أن يعرف الرأي العام وفق أي معيار حصلت عليه، وما حجم الدعم، وما الالتزامات التي قدمتها، وما النتائج التي حققتها. لأن الدعم ليس هدية خاصة، بل مال عمومي.
الصحافة نفسها التي تطالب الدولة بالشفافية لا يحق لها أن تطلب استثناءً لنفسها حين يتعلق الأمر بأموال دافعي الضرائب.
هذه نقطة لا ينبغي التهرب منها.
أنا أؤمن أن الصحافة سلطة معنوية، لكن السلطة المعنوية تبدأ من القدرة على محاسبة الذات قبل محاسبة الآخرين. وحين تستفيد المؤسسة الإعلامية من أموال عمومية، يجب أن تكون مستعدة لأن تكشف بوضوح كيف أنفقتها، وأن تقبل المراقبة مثل أي مؤسسة تستفيد من الدعم.
أما تحويل الملف إلى منطقة رمادية مغلقة، فتلك وصفة مثالية لتدمير الثقة.
ثم هناك قضية أخرى لا تقل خطورة: من سيستفيد؟
لدينا مؤسسات كبيرة وراسخة، ولدينا صحافة جهوية ومحلية، ولدينا مواقع رقمية صغيرة، ولدينا تجارب ناشئة تحاول أن تجد لها مكانًا وسط سوق إعلانية صعبة. إذا صُممت المعايير بطريقة لا يستطيع الوفاء بها إلا الكبار، فإن الدعم العمومي سيصبح عمليًا وسيلة لإعادة إنتاج نفس الخريطة الإعلامية بدل فتح المجال أمام التنوع.
وهنا سيكون الخطر أكبر من مجرد سوء توزيع المال. سنكون أمام تركيز اقتصادي وإعلامي مدعوم بالمال العام.
أنا لا أريد دعما يقوي الأقوى فقط. أريد دعمًا يساعد الجيد على البقاء، حتى لو كان صغيرًا. أريد نظامًا يعترف بالجودة لا بالحجم وحده، وبالقيمة التحريرية لا بعدد الطوابق في المقر، وبالابتكار لا بتاريخ المؤسسة فقط.
الصحافة الجهوية على سبيل المثال يمكن أن تكون مدرسة حقيقية للديمقراطية المحلية، لأنها الأقرب إلى مشاكل الناس اليومية: النقل، الصحة، التعليم، الماء، السكن، المجالس المنتخبة، الفساد المحلي، الثقافة، الهجرة، البطالة. لكن هذه الصحافة غالبًا ما تكون الأضعف اقتصاديًا والأقل قدرة على الوصول إلى سوق الإعلان.
فإذا حصلت المؤسسات المركزية الكبرى على الجزء الأكبر من الدعم، بينما بقي الإعلام المحلي على الهامش، نكون قد ضيعنا فرصة حقيقية لإعادة بناء المجال العمومي من القاعدة.
ثم إن الحديث عن 247 مليون درهم يجب أن يقودنا إلى السؤال الأصعب: لماذا تحتاج الصحافة أصلًا إلى كل هذا الدعم؟
الجواب ليس بسيطًا. جزء من الأزمة مرتبط بالتحول الرقمي، وجزء آخر بانهيار مبيعات الصحف، وجزء ثالث بانتقال الإعلانات إلى المنصات العالمية، وجزء رابع بضعف ثقافة الاشتراك، وجزء خامس بمشاكل داخلية في التدبير.
لكن تحميل الأزمة كلها لغوغل وفيسبوك والمنصات الكبرى سيكون هروبًا مريحًا من المسؤولية.
بعض المؤسسات الإعلامية تأخرت كثيرًا في تحديث نفسها. وبعضها اعتقد أن الانتقال الرقمي يعني فقط فتح موقع إلكتروني وإعادة نشر الأخبار بسرعة أكبر. وبعضها لم يستثمر في البيانات ولا في الاشتراكات ولا في التطبيقات ولا في المحتوى المدفوع ولا في بناء مجتمع من القراء الأوفياء.
ولهذا لا ينبغي أن يتحول الدعم العمومي إلى مكافأة على التأخر.
إذا كان المال العام سيستخدم في 2027، فأنا أريده أن يدفع المؤسسات إلى المستقبل، لا أن يسمح لها بالعيش داخل الماضي سنة أخرى.
أريده لدعم التحول الرقمي الحقيقي، ولتطوير غرف الأخبار، ولتعزيز الأمن السيبراني، ولتكوين الصحافيين في أدوات الذكاء الاصطناعي، ولتقوية الصحافة الاستقصائية، ولتطوير نماذج الاشتراك، ولإنتاج البودكاست والفيديو، ولإنشاء مختبرات للبيانات والتحقق من الأخبار.
أما أن يذهب المال إلى مصاريف التسيير المعتادة ثم تعود المؤسسات في السنة التالية إلى الباب نفسه، فهذا ليس إصلاحًا بل إدارة للأزمة.
وهنا تبرز قضية الذكاء الاصطناعي التي لا يمكن فصلها عن مستقبل الإعلام. نحن ندخل مرحلة تستطيع فيها الخوارزميات إنتاج الأخبار البسيطة والترجمة والتلخيص وتحليل الوثائق بسرعة مذهلة. وهذا يعني أن القيمة الحقيقية للصحافي لن تكون مستقبلًا في إعادة كتابة ما هو متاح، بل في الوصول إلى ما لا تستطيع الآلة الوصول إليه: الميدان، المصادر، الوثائق الأصلية، التحقيق، السياق، المسؤولية، الحكم المهني.
فهل سيستخدم جزء من الدعم لتأهيل الصحافيين لهذا التحول، أم سنواصل تمويل النموذج القديم بينما العالم الإعلامي يتغير من حولنا؟
ذلك في رأيي سؤال يجب أن يسبق توزيع الأموال.
أنا لا أريد أن يتحول الدعم إلى مظلة تحمي المؤسسات من ضرورة التغيير.
كما لا أريد في المقابل أن يتحول إنهاء الأداء المباشر للأجور إلى باب خلفي لإضعاف حماية الصحافيين.
هناك خط رفيع بين إصلاح نظام الدعم والتخلي عن مسؤولية حماية المهنة. الدولة ليست مطالبة بأن تدفع الرواتب مكان المقاولة، لكنها مطالبة بأن تجعل احترام الحقوق الاجتماعية شرطًا صارمًا للحصول على المال العمومي.
من يريد الدعم، عليه أولًا أن يحترم الصحافي.
هذه قاعدة يجب أن تكون واضحة.
ومن يريد أموال المواطنين، يجب أن يقدم خدمة إعلامية تحترم المواطنين.
هذه القاعدة الثانية.
أما القاعدة الثالثة فهي أن استقلال التحرير يجب أن يبقى خطًا أحمر. لا ينبغي أن يشعر الصحافي أن عليه أن يدفع ثمن الدعم بصمته، ولا أن تشعر المؤسسة أن بقاءها المالي مشروط بخفض سقف النقد.
إن لم نفصل بقوة بين المال العمومي والقرار التحريري، فإن الدعم يمكن أن يتحول من أداة لحماية الصحافة إلى عبء على مصداقيتها.
ليس المطلوب أن تختفي الدولة من المشهد الإعلامي. في معظم الديمقراطيات توجد أشكال مختلفة من الدعم المباشر أو غير المباشر للإعلام. لكن الفرق يصنعه النظام الذي يحيط بهذا الدعم: الاستقلالية، الشفافية، المعايير، الرقابة، وتعدد المستفيدين.
لهذا فإن القضية بالنسبة إلي ليست مع الدعم أو ضده.
السؤال هو: أي دعم نريد؟
دعمًا يشتري الصمت أم دعمًا يحمي الحق في الكلام؟
دعمًا ينقذ مؤسسات عاجزة أم دعمًا يخلق مؤسسات قادرة؟
دعمًا يذهب إلى المكاتب أم إلى الصحافة؟
دعمًا يحافظ على الماضي أم يستثمر في المستقبل؟
247 مليون درهم يمكن أن تكون بداية إصلاح كبير، ويمكن أن تكون رقمًا آخر ينتهي داخل جداول الميزانية.
الفرق بين الاحتمالين ستصنعه الشفافية.
ستصنعه المعايير.
ستصنعه القدرة على ربط المال العمومي بالنتائج.
وستصنعه قبل كل شيء مكانة الصحافي داخل هذه المعادلة.
أنا لا أطالب بمعجزة. أطالب فقط بأن نتوقف عن التعامل مع الصحافة كقطاع ينبغي إبقاؤه حيًا بأي ثمن، وأن نبدأ في التعامل معها كقطاع ينبغي جعله قادرًا على الحياة.
هناك فرق كبير بين الأمرين.
الصحافة التي تبقى على قيد الحياة بفضل الدعم شيء، والصحافة التي تستخدم الدعم لتصبح أقوى وأكثر استقلالًا شيء آخر تمامًا.
وأعتقد أن عام 2027 سيكون اختبارًا حقيقيًا لهذا الفرق.
حينها لن يكون السؤال: كم أنفقت الدولة؟
سيكون السؤال الأكثر أهمية:
ماذا تغير في الصحافة المغربية بعد إنفاق 247 مليون درهم؟
إذا وجدنا مؤسسات أكثر استقلالًا، وصحافيين أكثر استقرارًا، ومحتوى أفضل، وتحقيقات أعمق، وانتقالًا رقميًا حقيقيًا، فسنقول إن المال أدى وظيفته.
أما إذا عدنا بعد عام إلى النقاش نفسه، وإلى الأزمة نفسها، وإلى المؤسسات نفسها وهي تطلب دعمًا جديدًا، فعلينا أن نعترف بأن المشكلة لم تكن يومًا في مقدار المال.
كانت في الطريقة التي نفكر بها في الصحافة نفسها.
الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق