الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 29، 2026

كتب عربية تولد بعيدًا عن الوطن: جديد أدباء المهجر في خريف 2026: إعداد عبده حقي


لا تبدو الكتابة العربية في المهجر اليوم مجرد امتداد لذلك الأدب الكلاسيكي الذي ارتبط في ذاكرتنا بأدباء المهجر الأوائل في نيويورك وأمريكا اللاتينية، ولا هي مجرد حنين إلى قرية بعيدة أو مدينة تركها الكاتب خلفه منذ سنوات، بل أصبحت فضاءً أدبيًا شديد التعقيد تتقاطع فيه الهوية مع الحرب، والمنفى مع الذاكرة، واللغة الأصلية مع لغات البلدان الجديدة، ويتحول فيه الكاتب العربي المقيم في باريس أو نيويورك أو لندن أو سيدني إلى شاهد مزدوج يعيش داخل ثقافتين ويتأمل وطنين في الوقت نفسه. وتؤكد الإصدارات التي ظهرت خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية أن أدب المهجر العربي يعيش مرحلة لافتة، خصوصًا في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وأستراليا، حيث لم تعد قضية الهجرة خلفية للأحداث بقدر ما أصبحت في كثير من هذه الكتب سؤالًا مركزيًا حول معنى الانتماء والبيت والذاكرة.

زينة عرفات: فلسطين كما تُعاش من المنفى

من أبرز إصدارات أكتوبر كتاب الكاتبة الفلسطينية الأمريكية زينة عرفات «Our Arab: On Longing, Belonging, and Hope»، وهو مجموعة مقالات صدرت في الولايات المتحدة في العشرين من أكتوبر. تنتمي عرفات إلى جيل من الكتاب الفلسطينيين الذين نشأوا بين الوطن المتخيل والوطن الموروث والوطن الذي تصنعه الجغرافيا الجديدة، وهي تكتب هنا عن فلسطين لا بوصفها مكانًا سياسيًا بعيدًا فحسب، وإنما باعتبارها ذاكرة عائلية ونمطًا من الشعور يرافق الإنسان حتى عندما تصبح العودة نفسها شديدة التعقيد.

يتحرك الكتاب بين نابلس وعمّان والولايات المتحدة، وبين ذكريات الأبوة والأمومة وأسئلة الهوية، في محاولة لفهم ما يعنيه أن يكون الإنسان ابنًا للشتات، ثم أن يصبح بدوره أبًا أو أمًا لجيل جديد يولد داخل الشتات نفسه. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا النوع من الكتابة هو: كيف تنتقل فلسطين من جيل إلى جيل عندما لا يستطيع الأبناء لمسها إلا عبر الحكايات والصور والزيارات المتقطعة؟

ليست عرفات بصدد كتابة تاريخ سياسي تقليدي، بل تكتب تاريخًا عاطفيًا للهجرة، حيث يصبح الحنين تجربة مركبة لا يمكن اختزالها في الرغبة في العودة. فالمنفى مع مرور الزمن يخلق وطنه الصغير، ويصبح الكاتب عالقًا بين الرغبة في الاندماج والخوف من أن يتحول الاندماج إلى نسيان.

إيلينا دودوم: حين يصبح إثبات الوطن جزءًا من السيرة الذاتية

ومن أحدث الكتب التي ظهرت فعليًا في الأيام الأخيرة مذكرات الكاتبة الفلسطينية الأمريكية إيلينا دودوم «They Told Me Back Home Would Be Beautiful» التي صدرت في السابع والعشرين من أكتوبر. الكتاب شديد الصلة بتجربة الجيل الفلسطيني الذي وُلد خارج فلسطين، وخصوصًا في الولايات المتحدة، حيث تتحول الهوية إلى شيء يجب الدفاع عنه وتفسيره في آن واحد.

نشأت دودوم في سان فرانسيسكو داخل عائلة فلسطينية مسيحية، وكان الأب يحتفظ بوثائق وخرائط ومجلات قديمة حول فلسطين كما لو أنه يحتفظ بأدلة على وجود وطن يخشى أن يمحوه الآخرون من الذاكرة. ومن هذه التفاصيل العائلية الصغيرة تنطلق الكاتبة لكتابة سيرة تتجاوز قصتها الشخصية لتلامس سؤالًا أكثر اتساعًا: ماذا يحدث للإنسان عندما يشعر أن عليه أن يثبت باستمرار أن وطنه كان موجودًا وأن ذاكرة عائلته ليست خيالًا؟

الكتاب يحمل الكثير من عناصر أدب المهجر المعاصر: الأب الذي يحرس الماضي، والابنة التي تحاول بناء حياتها في المجتمع الأمريكي، والمسافة بين الأجيال، ثم العودة المتأخرة إلى الأسئلة التي حاول الجيل الجديد في البداية الابتعاد عنها. والمثير في تجربة دودوم أن المنفى لا يظهر باعتباره مجرد جغرافيا خارجية، بل باعتباره صراعًا داخل الذات بين الرغبة في أن يكون المرء فردًا عاديًا في المجتمع الجديد وبين شعوره بأنه يحمل تاريخًا أكبر منه.

يحيى اللبابيدي: الكاتب العربي الأمريكي وامتحان الضمير

وفي السادس من أكتوبر صدر للشاعر والكاتب العربي الأمريكي يحيى اللبابيدي كتاب «If You Cannot Say GENOCIDE: Essays on Conscience and Witness»، وهو مجموعة من سبعة وأربعين مقالًا كُتبت بين 2023 و2026.

يختلف هذا الكتاب عن كتب السيرة والهجرة المباشرة، لكنه يلتقي معها عند سؤال المنفى ومسؤولية الكاتب. فاللبابيدي يكتب من موقع المثقف العربي الموجود داخل المجال الثقافي الأمريكي، حيث يجد نفسه أمام امتحان اللغة السياسية والإعلامية ومدى قدرتها على تسمية المأساة الإنسانية.

يستعيد الكتاب وظيفة قديمة للمثقف وهي الشهادة الأخلاقية. هنا لا تكون الكتابة مجرد فن أو بلاغة، بل تتحول إلى محاولة لحماية الضمير من الاعتياد على المأساة. وتمنح تجربة المنفى هذه الكتابة بعدًا إضافيًا؛ فالكاتب العربي المقيم في الغرب لا يتحدث من خارج الثقافة الغربية وإنما من داخلها، ويخاطب مجتمعًا أصبح جزءًا منه، وفي الوقت نفسه يحتفظ بحساسية ثقافية ووجدانية تجاه المنطقة التي جاء منها.

هذا الموقع الوسيط هو أحد أهم ملامح أدب المهجر الجديد. لم يعد الكاتب مهاجرًا ينظر من نافذة صغيرة إلى وطنه القديم، بل أصبح مشاركًا في النقاش السياسي والثقافي للبلد الذي يعيش فيه، ويستخدم لغته ومؤسساته ومساحاته العامة للدفاع عن رؤيته للعالم.

كيم غطاس: بيروت داخل كتاب عالمي عن الحرب والسياسة

ومن الكتب اللافتة التي صدرت في أكتوبر كتاب الصحافية والكاتبة اللبنانية كيم غطاس «The Best Kind of American»، الذي ظهر في الولايات المتحدة في الثالث عشر من أكتوبر وفي بريطانيا في الثاني والعشرين منه.

تتحرك غطاس بين بيروت والعالم، وتأتي تجربتها الكتابية من موقع مختلف عن الرواية والمذكرات، إذ تجمع بين التحقيق الصحفي والسرد التاريخي والتحليل السياسي. وينطلق كتابها الجديد من اغتيال مالكولم كير، رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، سنة 1984، ليعيد بناء مرحلة من أكثر مراحل التاريخ اللبناني والشرق أوسطي اضطرابًا.

تكمن أهمية الكتاب بالنسبة إلى أدب المهجر في الطريقة التي يعود بها الكاتب العربي المقيم بين أكثر من فضاء جغرافي إلى تاريخ مدينته الأصلية بعين اكتسبت خبرات دولية متعددة. فبيروت هنا ليست مجرد مدينة للحرب الأهلية، بل مختبرًا التقت داخله مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وسوريا وقوى لبنانية وفلسطينية مختلفة.

ومن خلال العودة إلى تلك السنوات، تحاول غطاس فهم كثير من جذور الصراعات التي ستتشكل لاحقًا في المنطقة. وهذا النوع من الكتابة يؤكد أن تجربة المهجر العربي لم تعد مرتبطة بالأدب الخيالي وحده، بل أصبحت تنتج أيضًا كتبًا تاريخية وسياسية موجهة إلى القارئ العالمي، ويكتبها أصحابها من موقع ثقافي مزدوج يجمع معرفة الشرق بأدوات الصحافة والبحث الغربية.

سبيل غصوب: بيروت بين الرواية واليوميات

أما في فرنسا، فيبرز الكاتب الفرنسي اللبناني سبيل غصوب، الذي عرفه القراء سابقًا من خلال أعمال تستعيد علاقة العائلة اللبنانية بفرنسا والحرب والمنفى. وقد عاد في خريف 2026 بكتابين يواصلان الاشتغال على بيروت والذاكرة اللبنانية.

الكتاب الأول هو روايته «Mon imam» التي صدرت خلال الموسم الأدبي الفرنسي، وفيها يستعيد شخصية الإمام موسى الصدر واختفاءه الغامض في ليبيا سنة 1978، لكنه لا يكتب سيرة تاريخية مباشرة بقدر ما يمزج التحقيق بالخيال والسيرة الذاتية والأسئلة التي يطرحها لبناني نشأ في فرنسا وهو يحاول فهم وطن والديه.

أما الكتاب الثاني، «Beyrouth ne meurt jamais»، فقد صدر في أكتوبر ويجمع عشرات اليوميات والكرونيات التي كتبها غصوب خلال أشهر الحرب في لبنان سنة 2026. في هذه النصوص لا يحتل السياسيون وحدهم الواجهة، بل يظهر الصياد والبائع والمتقاعد والطبيب والمصور والطفل والمرأة التي تحاول أن تستمر حياتها اليومية بينما تحلق الطائرات في السماء.

هذه التفاصيل الصغيرة هي تحديدًا ما يمنح أدب المهجر قوته. فغصوب الذي ولد في باريس لا يتحدث عن بيروت باعتبارها صورة عائلية قديمة فقط، بل يدخلها ويعيش توترها، ثم يعود إلى اللغة الفرنسية ليقدمها إلى قارئ آخر. إنه يحمل بيروت إلى باريس ويحمل باريس معه عندما ينظر إلى بيروت.

راندا عبد الفتاح: الرواية الفلسطينية الأسترالية في مواجهة المؤسسات

وفي أستراليا تواصل الكاتبة والأكاديمية الفلسطينية الأسترالية راندا عبد الفتاح حضورها بروايتها الجديدة «Discipline»، التي حظيت هذا الخريف بجولات تقديم ولقاءات ثقافية في بريطانيا وأيرلندا.

تستثمر عبد الفتاح تجربتها الطويلة في الكتابة عن الهوية العربية والإسلامية داخل المجتمع الغربي، لكن روايتها الجديدة تقترب أكثر من أسئلة حرية التعبير والمؤسسات الثقافية والجامعات والرقابة وموقع الفلسطيني داخل النقاشات العامة.

إن التجربة الأسترالية مهمة في مشهد أدب المهجر العربي لأنها تكشف أن الشتات العربي لم يعد محصورًا في باريس ولندن ونيويورك. لقد أصبحت سيدني وملبورن ومدن أخرى فضاءات إنتاج أدبي عربي الأصل لكنه مكتوب بالإنجليزية ويخاطب جمهورًا عالميًا.

وفي أعمال عبد الفتاح تتكرر المعضلة التي يواجهها كثير من كتاب الجيل الثاني والثالث من الهجرة: كيف يمكن أن يعيش الفرد مواطنًا كاملًا في بلده الجديد، وفي الوقت نفسه يواجه محاولات دفعه إلى الصمت عندما يتعلق الأمر بتاريخ عائلته أو قضايا المنطقة التي ينحدر منها؟

هالة عليان: الأمومة والمنفى بوصفهما سؤالًا واحدًا

ومن الأعمال التي عادت إلى الواجهة هذا الخريف أيضًا مذكرات الكاتبة والشاعرة الفلسطينية الأمريكية هالة عليان «I’ll Tell You When I’m Home» في إصدار ورقي بريطاني جديد خلال أكتوبر.

يدور الكتاب حول تجربة الأمومة، والإنجاب عبر أم بديلة، والانتظار والمسافة والبحث عن معنى البيت. وهذه العناصر ترتبط مباشرة بالسؤال القديم لأدب المهجر: أين يوجد الوطن بالضبط؟ هل هو المكان الذي وُلدنا فيه؟ أم المكان الذي جاء منه آباؤنا؟ أم المكان الذي نريد أن يولد فيه أطفالنا؟

تمنح عليان هذا السؤال بعدًا جسديًا وعائليًا، فتتحول فكرة الوطن من السياسة والجغرافيا إلى علاقة بالطفل والجسد واللغة والذاكرة. ولذلك فإن الكتاب يعكس تحولًا مهمًا في الأدب العربي المهاجر: لم تعد الهوية تُناقش فقط عبر الشعارات الكبرى، بل من خلال الحياة الخاصة جدًا، من الأسرة والزواج والأمومة إلى الشعور بالقلق والانتماء.

الأدب العربي في المهجر لم يعد هامشًا

عندما نضع هذه الكتب جنبًا إلى جنب، نكتشف أن هناك تغيرًا جوهريًا في صورة الكاتب العربي في الخارج. في السابق كان أدب المهجر يُقرأ غالبًا باعتباره أدب حنين أو اغتراب، أما اليوم فالأمر أكثر تعقيدًا. الكاتب الفلسطيني في نيويورك لا يكتب فقط عن فلسطين، والكاتب اللبناني في باريس لا يكتب فقط عن بيروت، والكاتبة الفلسطينية في أستراليا لا تكتب فقط عن جذورها، بل إنهم جميعًا يكتبون عن المجتمعات الغربية نفسها، عن جامعاتها وإعلامها ومؤسساتها وحرياتها وتناقضاتها.

لقد تحولت الهجرة إلى زاوية نظر، وليس فقط إلى موضوع. وهذا ربما أهم ما يميز الكتابات الجديدة.

اللغة نفسها تغيرت أيضًا. نسبة كبيرة من الأدب العربي المهاجر تصدر اليوم ابتداءً بالإنجليزية أو الفرنسية، وليس بالعربية، وهي ظاهرة تحمل الكثير من الأسئلة. فمن جهة تمنح هذه اللغات الكاتب العربي وصولًا مباشرًا إلى جمهور دولي واسع، ومن جهة أخرى تخلق مسافة بين الكاتب وبعض قرائه في العالم العربي الذين لا تصلهم هذه الأعمال إلا متأخرة عبر الترجمة.

ومع ذلك، فإن هذا الانتشار يمثل فرصة مهمة للثقافة العربية. فعندما يقرأ القارئ الأمريكي أو الفرنسي أو البريطاني قصة عائلة فلسطينية أو لبنانية بقلم كاتب ينتمي إلى تلك الذاكرة، لا يتلقى صورة الشرق الأوسط عبر مراسل سياسي أو تقرير إخباري فقط، وإنما يدخل إلى البيت والعائلة والمطبخ والمدرسة والطفولة والرسائل والذكريات.

فلسطين تتصدر أدب المهجر الجديد

من الصعب تجاهل أن فلسطين أصبحت المحور الأكثر حضورًا في هذه الإصدارات الحديثة. زينة عرفات تكتب عن الانتماء الفلسطيني في الشتات، وإيلينا دودوم تكتب عن ميراث الذاكرة الفلسطينية، ويحيى اللبابيدي يكتب عن الضمير والشهادة، وراندا عبد الفتاح تشتبك مع قضايا الحضور الفلسطيني داخل المؤسسات الثقافية الغربية، وهالة عليان تعود من طريق أكثر حميمية إلى سؤال البيت والفقد.

ولا يعود هذا الحضور إلى السياسة وحدها، بل إلى حقيقة أن التجربة الفلسطينية هي أصلًا تجربة عالمية في المنفى. لقد نشأت أجيال فلسطينية كاملة في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وأستراليا وأمريكا اللاتينية، ومع مرور العقود أصبح لهذه الأجيال أدبها الخاص الذي لا يكرر أدب الداخل الفلسطيني ولا ينفصل عنه.

إنه أدب يعيش في المسافة بين وطنين، ولهذا ربما يكون أكثر قدرة على طرح السؤال الذي سيظل يرافق أدب المهجر طويلًا: هل يمكن للإنسان أن ينتمي إلى مكان لم يعش فيه يومًا ولكنه يسكن ذاكرته؟

من «أدب المهجر» إلى «الأدب العابر للأوطان»

ربما لم يعد مصطلح «أدب المهجر» وحده كافيًا لوصف ما يحدث اليوم. فالكثير من هؤلاء الكتاب يتحركون باستمرار بين مدن متعددة، وبعضهم يعيش نصف حياته في بلد ونصفها في بلد آخر، وبعضهم يكتب بلغة غير العربية لكنه يعود باستمرار إلى التاريخ العربي، وبعضهم لم يعرف وطن الآباء إلا من خلال الزيارات والقصص.

نحن إذن أمام أدب عابر للأوطان، أدب تتغير داخله الحدود التقليدية بين الداخل والخارج.

وهذا تحديدًا ما تكشفه الإصدارات الأخيرة: الوطن لم يعد دائمًا نقطة البداية، والمنفى لم يعد دائمًا نقطة النهاية. بينهما مساحة واسعة تتحول إلى مادة أدبية، وهناك يولد جزء مهم من الكتابة العربية العالمية الجديدة.

إن الكتب الصادرة في خريف 2026 تؤكد أن الكاتب العربي المهاجر لم يعد ذلك الصوت البعيد الذي يرسل رسائل الحنين إلى وطنه القديم، وإنما أصبح فاعلًا داخل الثقافة العالمية نفسها، يكتب بلغاتها، ويناقش قضاياها، ويضع أمام قرائها تاريخًا عربيًا كثيرًا ما جرى اختصاره في السياسة والحروب.

ومن نيويورك إلى لندن وباريس وسيدني، يبدو أن أجمل ما تفعله هذه الكتابة هو أنها تعيد تعريف كلمة «الوطن». فالوطن في هذه الكتب قد يكون مدينة لا يستطيع الكاتب العودة إليها، أو حكاية أب، أو صندوق وثائق، أو لغة أم تتراجع أمام لغة جديدة، أو طفلًا يولد بعيدًا عن أرض أجداده، أو شارعًا في بيروت يواصل سكانه شراء الخبز تحت الطائرات.

هنا تحديدًا تتجدد قوة أدب المهجر العربي: إنه لا يسأل فقط لماذا غادرنا الوطن، بل ماذا بقي من الوطن فينا بعد أن غادرناه، وماذا نصنع نحن به عندما يتحول من مكان على الخريطة إلى ذاكرة تعيش وتكبر وتهاجر معنا من جيل إلى جيل.



0 التعليقات: