الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أغسطس 13، 2026

الجزائر بين خطاب الوساطة ومأزق المصداقية السياسية: عبده حقي

 


كلما طُرحت في المنطقة أخبار عن وساطات لتحرير رهائن، أو عن أدوار أمنية تلعبها دول شمال إفريقيا والساحل في مواجهة شبكات الخطف والجريمة المنظمة، أجدني أعود إلى سؤال جوهري: هل تكفي الوساطة الناجحة في ملف رهائن لكي تمنح دولةً ما شهادة حسن سلوك أمني وسياسي؟ أم أن المصداقية الحقيقية تُبنى على وضوح المواقف، واستقلال القضاء، واحترام سيادة الدول، والابتعاد عن استعمال الجماعات المسلحة والأجهزة السرية في تصفية الحسابات السياسية؟

أطرح هذا السؤال اليوم وأنا أتابع الطريقة التي يحاول بها النظام الجزائري تقديم نفسه طرفًا أساسيًا في مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب بمنطقة الساحل. فخلال السنوات الأخيرة، أصبحت الجزائر حريصة على إبراز أدوارها في الوساطات المتعلقة بالرهائن وفي الاتصالات مع دول الساحل، وتسويق خبرتها الأمنية باعتبارها رصيدًا إقليميًا يمكن أن يعيد إليها موقعًا دبلوماسيًا تراجع تحت تأثير أزمات عديدة.

أنا لا أنكر أن للجزائر خبرة طويلة في ملفات الإرهاب والساحل، ولا أنكر أن موقعها الجغرافي يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله. حدودها الطويلة مع مالي والنيجر وليبيا وموريتانيا تجعل أمن الساحل جزءًا مباشرًا من أمنها القومي. لكن المشكلة، في تقديري، تبدأ عندما تتحول هذه الخبرة الأمنية إلى أداة سياسية لتلميع الصورة الخارجية دون تقديم أجوبة مقنعة عن الاتهامات الخطيرة التي أصبحت تُثار في دول أوروبية بشأن عمليات استهداف معارضين جزائريين في الخارج.

هناك اليوم ادعاءات وقضايا معروضة أو متداولة أمام سلطات قضائية أوروبية تتعلق بمحاولات اختطاف أو اعتداء ضد معارضين للنظام الجزائري. وهذه ملفات يجب التعامل معها بحذر شديد، لأن الفصل فيها يعود إلى القضاء وليس إلى الإعلام أو الخصومة السياسية. لكن مجرد وجود تحقيقات وشكاوى من هذا النوع يفرض سؤالًا سياسيًا مشروعًا: كيف يمكن لدولة أن تسعى إلى تقديم نفسها شريكًا في مكافحة الجريمة العابرة للحدود، بينما تواجه في الوقت نفسه اتهامات باستخدام وسائل غير قانونية ضد خصومها خارج أراضيها؟

هنا تحديدًا تظهر أزمة المصداقية.

بالنسبة إليّ، لا يتعلق الأمر بإدانة مسبقة، ولا بإصدار أحكام مكان القضاء، وإنما بمبدأ بسيط: الدولة التي تريد لعب دور الوسيط يجب أن تكون صورتها السياسية والأمنية أقل التباسًا. الوساطة ليست مجرد اتصال بجماعة مسلحة ثم الإعلان عن إطلاق رهينة. إنها رأسمال من الثقة الدولية. وكلما ارتبط اسم دولة بشبهات أو اتهامات في عمليات سرية خارج حدودها، ضعفت قدرتها على الاستثمار السياسي في صورة الوسيط المحايد.

وأرى أن الجزائر تحاول منذ مدة استعادة أوراق فقدت جزءًا من قيمتها. منطقة الساحل تغيرت. النفوذ الفرنسي تراجع بصورة كبيرة، وظهرت قوى دولية جديدة، كما أعادت دول الساحل نفسها صياغة علاقاتها الأمنية والدبلوماسية. وفي هذا المشهد الجديد، تحتاج الجزائر إلى إثبات أنها ما زالت بوابة ضرورية لأي مقاربة تتعلق بالإرهاب والهجرة والجريمة المنظمة.

لهذا أقرأ اهتمامها بملفات الرهائن في سياق أوسع من البعد الإنساني وحده. تحرير أي رهينة يظل في حد ذاته أمرًا إيجابيًا، لكن السياسة لا تتوقف عند النتيجة الإنسانية؛ فهي تبحث أيضًا في كيفية صناعة الحدث، ومن شارك فيه، ومن استفاد من صورته، وما إذا كانت هناك ترتيبات غير معلنة رافقته.

ويتقاطع هذا الملف، في رأيي، مع قضية أخرى أكثر حساسية، هي وجود جبهة البوليساريو في منطقة تعاني أصلًا من انتشار السلاح وشبكات التهريب والجماعات المتطرفة.

لقد أثارت بعض الأوساط السياسية الأمريكية خلال السنوات الماضية أسئلة حول علاقات أفراد أو شبكات مرتبطة بمخيمات تندوف بأنشطة غير مشروعة في منطقة الساحل. وينبغي هنا التفريق بين الاتهامات السياسية وبين الوقائع المثبتة قضائيًا، لكن تجاهل هذه الأسئلة بالكامل ليس حلًا أيضًا. فالمخيمات موجودة في بيئة جغرافية شديدة الهشاشة، بالقرب من فضاء تتحرك فيه جماعات مسلحة وشبكات تهريب البشر والمخدرات والأسلحة.

ومن وجهة نظري، تقع المسؤولية السياسية الأولى على الدولة الجزائرية باعتبار أن المخيمات موجودة فوق أراضيها. وإذا كانت الجزائر تعلن أنها قوة إقليمية لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، فإن من حق المجتمع الدولي أن يطالبها بأقصى درجات الشفافية بشأن ما يجري داخل هذا المجال، وبضمان عدم تحوله إلى منطقة خارجة عن المراقبة المؤسساتية.

كما أن استمرار قيادة البوليساريو في اعتماد خطاب عسكري وتصعيدي لا يخدم صورتها الدولية. ففي الوقت الذي يتجه فيه النقاش الدولي حول الصحراء إلى البحث عن تسوية سياسية واقعية ودائمة، تبدو العودة المتكررة إلى لغة الحرب محاولة للهروب من التحولات التي طرأت على الملف.

أنا أرى أن الصراع حول الصحراء لم يعد اليوم هو الصراع نفسه الذي عرفناه قبل ثلاثة أو أربعة عقود. ميزان الدبلوماسية تغير، والاعتبارات الاقتصادية والأمنية في الساحل أصبحت أكثر أهمية، كما أن عددًا من الدول بات ينظر إلى النزاع من زاوية الاستقرار والتنمية والتعاون الإقليمي وليس من خلال شعارات الحرب الباردة القديمة.

وهذا التحول يضع الجزائر أمام مفارقة حقيقية.

فمن جهة تريد أن تُقدَّم بوصفها دولة استقرار ووساطة ومحاربة للإرهاب. ومن جهة ثانية تستمر في الاستثمار السياسي والمالي والدبلوماسي في نزاع إقليمي طال أكثر من نصف قرن، ويحول دون بناء فضاء مغاربي متكامل قادر على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة.

أما علاقتها بالولايات المتحدة، فلا أعتقد أن من الحكمة قراءتها من خلال تعيين سفير أو تأخر تعيينه وحده، لأن القرارات الدبلوماسية الأمريكية تخضع لعوامل مؤسساتية متعددة. لكن المؤكد أن واشنطن تنظر إلى شمال إفريقيا اليوم من زاوية أوسع تشمل أمن الساحل، ومحاربة الإرهاب، والطاقة، والهجرة، والتنافس الدولي، إضافة إلى ملف الصحراء.

وفي هذه المعادلة أرى أن المغرب استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يبني رصيده على نموذج مختلف: الشراكات الاقتصادية، والاستثمار الإفريقي، والتعاون الأمني، وربط قضية الصحراء بمشروع تنموي وسياسي قائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

أما الجزائر فما تزال مطالبة، في تقديري، بحسم تناقض واضح بين خطابها الدولي وممارساتها الإقليمية. فلا يمكن بناء صورة دولة الوساطة والثقة الدولية إذا بقيت ملفات المعارضين في الخارج تثير الشبهات، وإذا ظلت العلاقة بالبوليساريو محكومة بمنطق المواجهة المفتوحة مع المغرب، وإذا استمر ملف الصحراء في استنزاف جزء كبير من الطاقة الدبلوماسية الجزائرية.

أنا لا أعتقد أن مستقبل الجزائر يجب أن يكون في صناعة الأعداء، ولا أريد لها العزلة أو الضعف. الجزائر بلد كبير وشعبها يستحق مكانة أفضل من أن تتحول سياسته الخارجية إلى سلسلة من الخصومات المزمنة.

لكن المكانة الدولية لا تُصنع بعملية وساطة واحدة، ولا بصورة رهينة محررة، ولا بخطاب أمني قوي.

إنها تُصنع بالمصداقية.

والمصداقية تبدأ عندما تخضع الأجهزة للقانون، وتُحترم سيادة الدول، وتُكشف حقيقة الاتهامات الخطيرة بدل الاكتفاء بنفيها سياسيًا، ويصبح الأمن وسيلة لحماية المواطنين لا أداة في الصراع مع الخصوم.

عندها فقط يمكن لأي دولة أن تقول بثقة إنها تحارب الجريمة المنظمة، بدل أن تجد نفسها مضطرة في كل مرة إلى إثبات أنها ليست جزءًا من المشكلة التي تقول إنها تحاربها.

0 التعليقات: