تكشف قراءة متقاطعة لأحدث التقارير والبيانات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبوابة بيانات الهجرة، وشبكة الهجرة المختلطة، ومنظمة Refugees International، وفرونتكس، والمجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين، ومعهد سياسات الهجرة، أن صورة الهجرة في صيف 2026 لا يمكن اختزالها في عدد القوارب التي تصل إلى الشواطئ الأوروبية أو في أرقام العابرين للحدود بصورة غير نظامية. فخلف التراجع الملحوظ في بعض مسارات الوصول، تستمر أزمات النزوح والحروب والفقر والمناخ في إنتاج ملايين الأشخاص الذين يتحركون داخل بلدانهم أو يعبرون الحدود بحثًا عن الأمان والعمل والحياة، بينما تتجه السياسات الدولية بصورة متزايدة نحو الردع والإعادة وإقامة الحواجز خارج الحدود الوطنية.
وتبدأ الصورة من رقم عالمي بالغ الدلالة. ففي نهاية سنة 2025 كان نحو 117.8 مليون شخص في العالم قد أُجبروا على مغادرة ديارهم بسبب النزاعات والاضطهاد والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان والاضطرابات الخطيرة. وتشمل هذه الحصيلة نحو 41.6 مليون لاجئ، وتسعة ملايين طالب لجوء، ونحو 68.7 مليون نازح داخل بلدانهم. صحيح أن الرقم الإجمالي تراجع مقارنة بنحو 123.2 مليون في نهاية 2024، لكن الانخفاض لا يعني انتهاء أزمة النزوح العالمي؛ إذ ما يزال أكثر من شخص واحد من كل سبعين إنسانًا على الأرض يعيش تجربة الاقتلاع من المكان.
والأكثر دلالة أن الجزء الأكبر من عبء اللجوء لا تتحمله الدول الغنية، خلافًا لما قد توحي به بعض الخطابات السياسية والإعلامية الأوروبية والأمريكية. فبيانات المفوضية تؤكد أن 65 في المئة من اللاجئين يعيشون في دول مجاورة لبلدانهم الأصلية، فيما تستضيف البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط نحو 68 في المئة من اللاجئين وغيرهم ممن يحتاجون إلى حماية دولية. ومن بين أكبر البلدان المضيفة كولومبيا وألمانيا وتركيا وأوغندا وإيران وتشاد وباكستان. كما يمثل الأطفال نحو 39 في المئة من اللاجئين، ما يعني أن الحديث عن الهجرة القسرية هو أيضًا حديث عن أجيال كاملة تتشكل طفولتها خارج البيت والمدرسة والمدينة الأصلية.
هذه الأرقام تجعلنا أمام مفارقة أساسية في سنة 2026: العالم يعرف حركة عودة واسعة من جهة، لكنه لا يزال ينتج النزوح من جهة أخرى. فقد عاد خلال سنة 2025 نحو 14.7 مليون شخص إلى مناطقهم أو بلدانهم الأصلية، بينهم قرابة 4.4 ملايين لاجئ و10.3 ملايين نازح داخلي، بزيادة تقارب 49 في المئة مقارنة بالسنة السابقة. وتركزت معظم هذه العودة في جمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان وسوريا وأفغانستان وأوكرانيا وميانمار. لكن رقم «العائدين» ينبغي ألا يُقرأ دائمًا باعتباره مؤشرًا آليًا على استعادة الأمن؛ فالعودة قد تتم إلى مناطق ما تزال بنيتها التحتية مدمرة أو خدماتها الصحية والتعليمية ضعيفة أو أوضاعها الأمنية شديدة الهشاشة.
وسوريا تقدم اليوم المثال الأكثر وضوحًا على هذه المعادلة المعقدة. فقد أدت التحولات التي عرفها البلد منذ نهاية 2024 إلى تسارع عودة اللاجئين والنازحين، وأظهرت بيانات للمفوضية أن عدد السوريين الذين عادوا منذ ديسمبر 2024 بلغ مستويات كبيرة، فيما استمرت التسهيلات المتعلقة بالعودة الطوعية من بلدان الجوار خلال صيف 2026. وفي 5 أغسطس جددت المفوضية في لبنان التأكيد أن التسهيلات الإدارية الخاصة بالسوريين الراغبين في العودة الطوعية ما تزال سارية. غير أن المفوضية لا تتعامل مع العودة بوصفها عملية ينبغي فرضها، بل تشدد على أن القرار يجب أن يكون طوعيًا ومستنيرًا وأن يتم في ظروف من السلامة والكرامة.
وهذا الحذر نفسه برز في أحدث تحركات منظمة Refugees International. ففي 7 أغسطس 2026 أعلنت عن مشروع بحثي يمتد عامين هدفه تطوير إطار لعودة السوريين والنازحين بصورة آمنة وطوعية وكريمة ومستدامة، بالتعاون مع فعاليات من المجتمع المدني السوري. وما يكشفه هذا المشروع هو أن القضية السورية بدأت تنتقل جزئيًا من سؤال «كيف نحمي اللاجئ خارج سوريا؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: «كيف نجعل العودة نفسها قابلة للاستمرار؟». ذلك أن إعادة الإنسان إلى الحدود الوطنية أسهل بكثير من إعادة بناء المنزل والمدرسة وفرصة العمل والثقة في المؤسسات.
وفي السودان تبدو المسألة أكثر مأساوية. فالبلد ظل في نهاية 2025 أكبر أزمة للنزوح الداخلي في العالم، مع نحو 9.1 ملايين نازح داخليًا. وتؤكد تقارير مفوضية اللاجئين أن السودان، إلى جانب سوريا واليمن وأفغانستان وكولومبيا، يوجد ضمن مجموعة صغيرة من البلدان التي تتركز فيها نسبة كبيرة من النازحين داخليًا. وهنا لا تنفصل الهجرة عن الحرب، ولا يتحرك الناس بحثًا عن تحسين اقتصادي فقط، بل في كثير من الأحيان هربًا من انهيار الأمن وفقدان الغذاء والخدمات الأساسية.
وتتردد أصداء الأزمة السودانية داخل فضاء شمال إفريقيا أيضًا. فليبيا ما تزال عقدة أساسية في شبكة الهجرة الإفريقية والمتوسطية. وأظهرت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أن عدد المهاجرين الموجودين في ليبيا خلال يناير وفبراير 2026 قُدّر بنحو 936 ألف مهاجر، وهو رقم يعكس استمرار دور ليبيا باعتبارها بلد مقصد وعبور في آن واحد. هؤلاء ليسوا كتلة متجانسة؛ بينهم عمال مهاجرون وأشخاص يبحثون عن الحماية ولاجئون وأفراد يحاولون الوصول إلى أوروبا.
ولهذا تستعمل شبكة الهجرة المختلطة مفهوم «الهجرة المختلطة» لفهم طرق لا يسير فيها نوع واحد من المهاجرين. ففي الطريق نفسه قد نجد لاجئًا فر من حرب، وعاملًا يبحث عن مورد اقتصادي، وضحية اتجار بالبشر، وشخصًا هاربًا من اضطهاد سياسي، وشابًا تحرك بسبب الفقر وانعدام الأفق. وقد تتغير دوافع الشخص نفسه أثناء الطريق؛ فالمهاجر الذي خرج بحثًا عن العمل قد يصبح لاحقًا ضحية للعنف أو الاستغلال بما يخلق لديه احتياجات للحماية لم تكن موجودة لحظة مغادرته. وتشير أبحاث المركز إلى أن شمال إفريقيا يظل فضاءً شديد التعقيد، وأن عبور الصحراء والاعتماد على شبكات التهريب يعرضان المهاجرين لمخاطر واسعة قبل أن يصلوا أصلًا إلى البحر المتوسط.
وهنا تظهر المفارقة الثانية في مشهد 2026: عدد العابرين قد ينخفض، لكن الطريق قد يصبح أكثر خطورة. ففي النصف الأول من السنة سجلت وكالة فرونتكس أكثر من 49 ألف حالة عبور غير نظامي للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، بانخفاض بلغ نحو 37 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. وتنسب الوكالة جزءًا من التراجع إلى التعاون مع دول الانطلاق والإجراءات الوقائية التي حدّت من عدد القوارب المتجهة نحو أوروبا.
لكن انخفاض الوصول لا يساوي بالضرورة انخفاض الخطر. فبيانات مشروع «المهاجرون المفقودون» التابع للمنظمة الدولية للهجرة وبيانات المفوضية تواصل تسجيل الوفيات والمفقودين في البحر المتوسط وعلى الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري. وقد سجلت المفوضية 586 وفاة أو حالة فقدان على طرق المتوسط وغرب إفريقيا الأطلسية حتى نهاية مايو 2026 وفق البيانات المتاحة لديها. ويجب التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها حدًا أدنى، لأن كثيرًا من القوارب تختفي من دون شهود أو تسجيل رسمي.
إن أخطر تحول في سياسة الهجرة خلال 2026 ربما لا يوجد في البحر نفسه، بل في المكاتب التي تُعاد فيها صياغة القوانين الأوروبية. فقد انتقل الاتحاد الأوروبي بوضوح إلى مرحلة تجعل الإعادة محورًا متقدمًا في إدارة الهجرة. ويشير معهد سياسات الهجرة إلى أن ما يسمى «إخراج الحدود إلى الخارج» أو Externalization تحول من سياسة هامشية إلى توجه رئيسي لدى عدد من الدول: أي محاولة إدارة المهاجر قبل أن يصل إلى حدود الدولة المقصودة، أو نقله إلى دولة ثالثة لمعالجة ملفه أو إعادته.
ومن أبرز مظاهر هذا التحول «مراكز الإعادة» المقترحة في دول ثالثة. فالتنظيم الأوروبي الجديد يفتح الباب أمام نقل أشخاص رُفضت طلبات لجوئهم إلى بلدان خارج الاتحاد الأوروبي، حتى في حالات لا تربط الشخص بها علاقة سابقة. ويرى المدافعون عن هذه السياسة أنها قد تساعد على تنفيذ قرارات الإبعاد التي ظلت لسنوات صعبة التطبيق، بينما يحذر منتقدوها من أن تتحول تلك المراكز إلى فضاءات قانونية رمادية يظل فيها المهاجر عالقًا بين دولة لا تريد استقباله ووطن لا يستطيع أو لا يرغب في العودة إليه.
وتذهب تحذيرات المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين أبعد من ذلك. فبحسب تحليله للتنظيم الأوروبي الخاص بالإعادة، يمكن أن تمتد فترات الاحتجاز إلى ثلاثين شهرًا، كما يوسع القانون إمكانات حظر الدخول ويعزز صلاحيات أجهزة الدولة في تنفيذ قرارات الإبعاد، إلى جانب توسيع دور فرونتكس في عمليات العودة وتبادل المعلومات. ويرى المجلس أن هذه التغييرات تنطوي على مخاطر جدية بالنسبة للحق في الحماية والضمانات القانونية.
غير أن أوروبا نفسها لا تسير في اتجاه واحد تمامًا. ففي الوقت الذي يتشدد فيه عدد من الحكومات في العودة وضبط الحدود، اتخذت إسبانيا مسارًا مختلفًا في ملف المهاجرين الموجودين أصلًا داخل أراضيها. وتشير بيانات معهد سياسات الهجرة إلى أن عملية التسوية القانونية الإسبانية لسنة 2026 جذبت ما يقارب 1.2 مليون طلب. كما ترصد PICUM برامج متعددة لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين في أوروبا، وتضع النموذج الإسباني الأخير ضمن أبرز عمليات التسوية واسعة النطاق.
هذا التناقض بين التسوية والتشدد يكشف الصراع الحقيقي داخل السياسة الأوروبية: الاقتصادات الأوروبية تحتاج إلى العمال والمهاجرين في قطاعات متعددة، كما تواجه القارة شيخوخة سكانية واضحة، لكن الرأي العام والأحزاب السياسية في دول كثيرة يدفعان نحو تشديد الحدود. ويشير معهد سياسات الهجرة إلى أن عدد المهاجرين الدوليين في العالم بلغ نحو 304 ملايين شخص سنة 2024، أي ما يقارب 3.7 في المئة من سكان العالم، بينما تستضيف أوروبا وحدها نحو 94 مليون مهاجر دولي. كما يؤكد تقرير الهجرة العالمي 2026 أن الهجرة ما تزال مصدرًا مهمًا للنمو والابتكار والتنمية والتبادل الثقافي، رغم تضخم الخطاب الذي يقدمها أساسًا بوصفها أزمة أمنية.
وإذا كانت أوروبا مشغولة بتصميم تشريعات الإعادة، فإن مناطق أخرى من العالم تكشف الوجه الأكثر هشاشة للهجرة القسرية. ففي يوليو 2026 حذرت Refugees International بعد غرق قاربين من الروهينغا من أن أكثر من 500 شخص ربما لقوا حتفهم في أيام قليلة أثناء رحلات بحرية خطرة. وأشارت المنظمة إلى أن تدهور الأوضاع داخل مخيمات اللاجئين في بنغلاديش، إلى جانب تخفيضات المساعدات، يضيّق الخيارات أمام الروهينغا ويدفع بعضهم إلى ركوب البحر رغم احتمالات الموت العالية.
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية يستمر النزوح في الارتباط مباشرة بفشل التسويات السياسية في وقف العنف. فقد أفاد تقرير لـRefugees International في 30 يوليو بأن نحو 3.8 ملايين شخص ما يزالون نازحين داخل شرق الكونغو وحده، أي غالبية النازحين داخليًا في البلاد، في ظل استمرار المواجهات ومحدودية وصول المساعدات وانتشار الأوبئة. ويظهر هذا المثال أن اتفاقات السلام لا تتحول تلقائيًا إلى عودة آمنة، وأن المهاجر أو النازح يحكم على السلام من خلال ما يجده في الطريق والقرية والمستشفى، لا من خلال البيان الدبلوماسي وحده.
ويزداد هذا كله صعوبة بسبب أزمة تمويل إنسانية متنامية. فالمنظمة الدولية للهجرة أعلنت في أحدث تقاريرها أنها تمكنت من تقديم المساعدة لنحو 17.8 مليون شخص في 170 دولة وإقليم خلال 2025، لكنها حذرت في الوقت ذاته من اتساع فجوة التمويل الإنساني، في وقت تتكاثر فيه النزاعات والكوارث المناخية وحركات النزوح.
وهنا ربما تكمن أخطر مفارقة في ملف الهجرة الحالي. فالدول تنفق مزيدًا على ضبط الحدود والمراقبة وأنظمة الإعادة والاحتجاز، في الوقت الذي تواجه فيه المؤسسات التي تقدم الغذاء والمأوى والرعاية الطبية والحماية القانونية نقصًا متزايدًا في الموارد. ولا يمكن فصل الظاهرتين: إذا تدهورت الحياة في مخيم أو منطقة نزاع نتيجة نقص الدعم، فإن احتمال أن يقرر الإنسان الرحيل مجددًا يصبح أكبر، وبالتالي قد تؤدي سياسة تقليص الإنفاق الإنساني إلى زيادة ضغوط الهجرة التي تريد السياسات الحدودية نفسها احتواءها.
إن المشهد العالمي في أغسطس 2026 لا يقول إن الهجرة تتراجع أو تتصاعد ببساطة؛ بل يقول إنها تتغير. الطرق تتحول، والدول تشدد المراقبة، وبعض المهاجرين يعودون، وآخرون ينزحون للمرة الثانية أو الثالثة، فيما تتسع المسافة بين منطق إدارة الحدود ومنطق حماية الإنسان.
وربما تكون الخلاصة الأهم التي تجمع بين بيانات المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية وبوابة بيانات الهجرة وشبكة الهجرة المختلطة وفرونتكس وPICUM وECRE ومعهد سياسات الهجرة وRefugees International هي أن الوصول إلى أوروبا ليس سوى الجزء المرئي من جبل جليد ضخم. ففي الخلف توجد الحروب في السودان والكونغو، وإعادة بناء سوريا، وأزمة الروهينغا، والتغيرات المناخية، والفقر، وأسواق العمل، والشيخوخة السكانية، وشبكات التهريب، وسياسات التأشيرات، وأزمة المساعدات الدولية.
والسؤال الذي سيطارد العالم خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط: كيف نمنع المهاجر من عبور الحدود؟ بل أيضًا: ماذا يحدث له قبل أن يصل إليها، ولماذا خرج أصلًا، وأين يمكنه أن يعيش بكرامة إذا أُغلق الطريق أمامه؟ فالجدار قد يغير مسار الهجرة، لكنه لا يلغي أسبابها، والقارب الذي لا يصل إلى الشاطئ لا يعني دائمًا أن صاحبه بقي آمنًا في المكان الذي انطلق منه.








0 التعليقات:
إرسال تعليق