الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، سبتمبر 03، 2026

6.5 ملايين مغربي في مواجهة الاضطرابات النفسية : عبده حقي


ثمة أرقام لا ينبغي أن نمر عليها كما نمر على نشرات الإحصاء العادية، لأنها لا تصف مجرد حالات مرضية موزعة على جداول وزارة أو تقارير إدارية، بل تكشف عن قدر هائل من الألم الإنساني الذي يعيش في البيوت والمدارس والجامعات ومقرات العمل، ويتخفى أحيانا خلف الصمت والعزلة والعصبية والأرق والخوف والإدمان والانهيار الأسري وفقدان الرغبة في الحياة. ومن هذه الأرقام ما كشفته وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في الثالث من شتنبر 2026، حين أعلنت أن حوالي 6.5 ملايين مغربي ومغربية يعانون من اضطرابات في الصحة النفسية، من بينهم نحو مليوني طفل وشاب، بينما لا يحصل 85 في المائة من الأشخاص المعنيين على العلاجات التي يحتاجون إليها. 

هذا الرقم، في تقديري، ينبغي ألا يُقرأ باعتباره رقما صحيا فقط، وإنما باعتباره مؤشرا اجتماعيا عميقا على الكيفية التي يعيش بها جزء واسع من المجتمع المغربي ضغوط الحياة والتحولات الاقتصادية والأسرية والثقافية والتكنولوجية المتسارعة. كما ينبغي التنبيه منذ البداية إلى أن الحديث عن «اضطرابات الصحة النفسية» لا يعني أن كل هؤلاء الأشخاص يعانون مرضا عقليا شديدا أو فقدانا للقدرات العقلية، كما قد يتوهم البعض. فالصحة النفسية مجال واسع يمتد من اضطرابات القلق والاكتئاب ونوبات الهلع والوسواس واضطرابات النوم وبعض الاضطرابات المرتبطة بالصدمات، إلى حالات نفسية أشد تعقيدا تتطلب علاجا متخصصا ومتابعة طويلة.

ومن هنا تبدأ أولى معارك الصحة النفسية في المغرب: معركة اللغة نفسها.

عندما يتحول المريض إلى متهم

ما يزال المرض النفسي في جزء من المخيال الاجتماعي المغربي محاطا بكثير من الأحكام الجاهزة. فالإنسان قد يصرح بسهولة بأنه يعاني السكري أو ارتفاع ضغط الدم أو آلام المفاصل، لكنه قد يتردد طويلا قبل أن يقول إنه يزور طبيبا نفسيا أو يتناول علاجا ضد الاكتئاب أو القلق.

والسبب أن المجتمع لم يتخلص تماما بعد من الخلط بين الطبيب النفسي و«الجنون»، وبين العلاج النفسي وفقدان العقل، وبين طلب المساعدة والضعف الشخصي.

وهذا الخلط ليس مجرد مشكلة لغوية بريئة، بل قد يصبح عائقا حقيقيا أمام العلاج.

فالشخص الذي يشعر بأنه سيصبح موضع سخرية إذا طلب المساعدة قد يؤجل زيارة الطبيب. والطالب الذي يعاني نوبات قلق قد يخفيها خوفا من نظرة زملائه. والمرأة التي تعيش اكتئابا شديدا قد تسمع من محيطها أن عليها فقط أن تكون «أقوى». والرجل الذي يشعر بانهيار نفسي قد يُطلب منه أن يتصرف «كرجل» وألا يشكو.

وهكذا يتحول الألم النفسي من حالة تحتاج إلى رعاية إلى امتحان أخلاقي للشخص، وكأن المريض مسؤول عن مرضه.

الصحة النفسية، مثل الصحة الجسدية، ليست مسألة قوة إرادة فقط. الإنسان الذي يعاني اكتئابا حادا لا يستطيع دائما أن يأمر دماغه بالسعادة، مثلما لا يستطيع مريض السكري أن يأمر جسده وحده بتنظيم مستوى السكر في الدم.

الأخطر من رقم 6.5 ملايين هو رقم 85 في المائة

قد يكون عدد الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية صادما، لكن الرقم الذي أراه أكثر إثارة للقلق هو أن 85 في المائة من المعنيين لا يستفيدون من العلاج الذي يحتاجون إليه. 

هنا لم نعد أمام مشكلة مرض فقط، بل أمام ما يسمى في الصحة العمومية «فجوة العلاج»: أي المسافة بين وجود الحاجة الصحية وبين القدرة الفعلية على الوصول إلى الخدمة المناسبة.

لماذا لا يصل المريض إلى العلاج؟

ليس هناك جواب واحد.

قد تكون الوصمة الاجتماعية سببا، وقد تكون الكلفة سببا آخر، وقد تكون المسافة الجغرافية بين المواطن والمؤسسة المتخصصة، أو نقص الموارد البشرية، أو ضعف التشخيص المبكر، أو اعتقاد الأسرة أن المشكلة ستختفي من تلقاء نفسها. وفي بعض الحالات قد يلجأ المريض أو أسرته إلى تفسيرات غير طبية للاضطراب النفسي، فتضيع أشهر وربما سنوات قبل الوصول إلى الطبيب.

ومن الخطأ، لذلك، اختزال فجوة العلاج في القول إن «المرضى لا يريدون العلاج». فحين تكون الخدمة بعيدة أو مكلفة أو قليلة أو محاطة بالخجل الاجتماعي، يصبح عدم العلاج نتيجة منظومة كاملة وليس مجرد قرار فردي.

مليونا طفل وشاب.. الرقم الذي يجب أن يرعبنا أكثر

وسط الرقم الإجمالي، تبرز معطيات أشد حساسية: نحو مليوني طفل وشاب يوجدون ضمن الفئات التي تعاني اضطرابات في الصحة النفسية.

وهنا تتجاوز القضية المستشفى لتدخل المدرسة والبيت والجامعة والشارع والفضاء الرقمي.

الطفل لا يقول دائما: «أنا مصاب بالقلق».

قد يتحول قلقه إلى آلام في البطن قبل الذهاب إلى المدرسة، أو اضطراب في النوم، أو عدوانية، أو بكاء متكرر، أو تراجع دراسي، أو انعزال مفاجئ.

والمراهق لا يقول بالضرورة: «أنا أعاني اكتئابا».

قد ينقطع عن أصدقائه، أو يفقد اهتمامه بما كان يحبه، أو ينغمس بصورة مفرطة في العالم الرقمي، أو يصبح سريع الغضب، أو يهمل دراسته ومظهره وحياته الاجتماعية.

لهذا فإن الاستثمار الحقيقي في الصحة النفسية للأطفال والشباب لا يبدأ داخل المستشفى النفسي فقط، بل يبدأ بتدريب الأسرة والمدرس والمدرسة والطبيب العام على التقاط العلامات المبكرة دون تحويل كل سلوك عابر إلى تشخيص مرضي.

وفي مارس 2026 كانت وزارة الصحة والمرصد الوطني لحقوق الطفل قد وقعا اتفاقية تستهدف تعزيز آليات الوقاية والتكفل المبكر بالاضطرابات النفسية لدى الأطفال، وهو اتجاه يكتسب اليوم أهمية أكبر في ضوء حجم الأرقام المعلنة. 

مجتمع سريع التحول.. ونفس بشرية تحت الضغط

ليس من العلمية أن نفسر ملايين الحالات بسبب واحد، كما ليس من المقبول تحميل البطالة أو وسائل التواصل أو الأسرة أو المدرسة وحدها مسؤولية كل اضطراب نفسي. فالمرض النفسي ينتج عادة من تداخل معقد بين عوامل بيولوجية ونفسية وأسرية واجتماعية وبيئية.

لكن من المشروع أن نسأل عن البيئة النفسية التي يعيش فيها المغربي اليوم.

هناك ضغط اقتصادي لدى كثير من الأسر، وقلق من المستقبل لدى عدد من الشباب، وتنافس دراسي ومهني شديد، وتحولات في أنماط العلاقات الأسرية، وهجرة داخلية وخارجية، وشعور بالعزلة لدى بعض المسنين، فضلا عن الحياة الرقمية التي جعلت المقارنة بالآخرين مستمرة تقريبا.

لقد أصبح الإنسان يحمل العالم كله في هاتفه.

يرى نجاح الآخرين، وأسفارهم، وأجسادهم المثالية، ومنازلهم وسياراتهم وعلاقاتهم، بينما يرى تفاصيل تعثره الخاص كاملة من الداخل.

وهذا الاختلال بين «واجهة الآخرين» و«حقيقة الذات» قد يصبح، عند بعض الأشخاص، أرضية خصبة للشعور بالنقص والقلق وفقدان القيمة، خصوصا في سن المراهقة والشباب.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي ليست مرضا في ذاتها، ولا البطالة تؤدي آليا إلى الاكتئاب، ولا كل ضائقة مالية تنتج اضطرابا نفسيا. القضية تتعلق بتفاعل قابلية الفرد النفسية والبيولوجية مع الضغوط المحيطة به ووجود شبكات الحماية والدعم من عدمها.

الصحة النفسية ليست مستشفى فقط

لهذا أرى أن أهم تحول يجب أن يقع في السياسة الصحية المغربية هو الانتقال من تصور يعتبر الصحة النفسية ملفا خاصا بالمستشفيات النفسية إلى تصور يجعلها جزءا طبيعيا من الرعاية الصحية اليومية.

وهذا بالضبط أحد الاتجاهات التي يتبناها «مخطط الصحة النفسية 2030» الذي أطلقته الوزارة، إذ يقوم على الوقاية والرصد المبكر والعلاج والمواكبة المستمرة، مع تعزيز دور الرعاية الصحية الأولية والهياكل الوسيطة وتقريب الخدمات من المواطنين في مختلف الجهات. 

فالطبيب العام يجب أن يصبح قادرا على التعرف إلى بعض المؤشرات الأولية للقلق والاكتئاب والحالات التي تستدعي الإحالة إلى المختص.

والمدرسة تحتاج إلى منظومة إنصات لا تكتفي بمعاقبة الطفل الذي تغير سلوكه.

والجامعة تحتاج إلى خدمات دعم نفسي يسهل الوصول إليها دون شعور الطالب بأنه يدخل مؤسسة للمرضى العقليين.

ومكان العمل بدوره يحتاج إلى ثقافة تحترم التوازن النفسي ولا تحول الإرهاق المزمن إلى دليل على الإخلاص للمهنة.

أما الأسرة، فينبغي أن تتعلم أن الإصغاء ليس علاجا كاملا، لكنه قد يكون الباب الذي يسمح للمريض بالوصول إلى العلاج.

أرقام طموحة إلى أفق 2030

المخطط الحكومي الجديد يتضمن أهدافا كبيرة من حيث البنية التحتية والموارد البشرية. وتقول وزارة الصحة إنها تستهدف رفع عدد الأسرة المخصصة للصحة النفسية من 2466 إلى نحو 4728 سريرا، وزيادة عدد مستشفيات الأمراض النفسية من عشرة إلى سبعة عشر مستشفى، والهياكل الوسيطة من أربعة إلى أربعة وعشرين، بهدف توسيع العرض ليشمل مختلف جهات المملكة.

والأكثر لفتا للانتباه هو الجانب البشري؛ إذ يستهدف المخطط رفع عدد الأخصائيين النفسيين في القطاع العمومي من 32 إلى 786 أخصائيا، وزيادة القدرة السنوية على تكوين الأطباء المتخصصين في الطب النفسي من 36 إلى 124، والممرضين المتخصصين في الصحة النفسية من 490 إلى 750 سنويا، إلى جانب العمل على وضع إطار قانوني لمهنة الأخصائي النفسي.

وقد خصص لتنفيذ المخطط تمويل يناهز أربعة مليارات درهم، بعد إعداد المشروع بمشاركة 13 قطاعا حكوميا ودعم من منظمة الصحة العالمية، ويتضمن 86 إجراء وتدبيرا. 

هذه أرقام طموحة، لكنها ستكتسب قيمتها الحقيقية فقط إذا تحولت من أهداف ورقية إلى خدمات يشعر بها المواطن في المدينة الصغيرة والقرية والحي الشعبي، وليس فقط داخل المراكز الاستشفائية الكبرى.

العلاج النفسي ليس دواء فقط

من الأخطاء الشائعة أيضا اختزال الطب النفسي في الأقراص والأدوية.

بعض الاضطرابات تحتاج بالفعل إلى علاج دوائي، وبعضها يحتاج أساسا إلى العلاج النفسي، وبعض الحالات تستفيد من الجمع بين الاثنين، بينما تحتاج حالات أخرى إلى تدخل اجتماعي وتأهيل ومرافقة أسرية.

المريض ليس دماغا معزولا عن حياته.

لا يكفي أحيانا أن نصف له دواء ثم نعيده إلى بيئة عنيفة أو أسرة مفككة أو عزلة شديدة أو وضع اجتماعي بالغ الهشاشة ونتوقع أن تختفي المشكلة.

لهذا تتجه السياسات الحديثة في الصحة النفسية نحو مقاربة متعددة التخصصات، يلتقي فيها الطبيب بالأخصائي النفسي والممرض والمساعد الاجتماعي والأسرة، عندما تقتضي الحالة ذلك.

كما أن التأهيل وإعادة الإدماج الاجتماعي ليسا تفصيلا ثانويا، لأن الغاية ليست فقط تخفيف الأعراض، بل مساعدة الإنسان على استعادة دراسته وعمله وعلاقاته وكرامته واستقلاليته.

علينا أيضا أن نتوقف عن استعمال المرض النفسي كشتيمة

من أغرب مفارقات مجتمعنا أننا نطالب بتحسين الصحة النفسية، ثم نستعمل مفردات المرض النفسي يوميا للإهانة.

نصف المختلف معنا بالمجنون، ونستخدم الاكتئاب للسخرية، ونختزل المصاب باضطراب نفسي في مرضه، ثم نستغرب لماذا يخشى الناس الذهاب إلى الطبيب.

هذه اللغة تقتل العلاج قبل أن يبدأ.

الشخص المصاب بالفصام ليس «فصاما»؛ إنه إنسان مصاب بمرض.

والشخص الذي يعاني الاكتئاب ليس ضعيفا بالضرورة.

ومن يخضع للعلاج النفسي ليس أقل عقلا أو قيمة ممن يعالج القلب أو الكلى أو السكري.

إن تغيير نظرة المجتمع إلى المرض النفسي قد يكون أحيانا بمفعول بناء مستشفى، لأن أفضل مؤسسة علاجية في العالم لن تحقق هدفها إذا ظل المواطن يخشى أن يراه جاره وهو يدخل بابها.

الصحة النفسية قضية تنمية أيضا

عندما يعاني ملايين الأشخاص اضطرابات نفسية ولا يحصل معظمهم على العلاج الكافي، فإن الثمن لا يدفعه المرضى وحدهم.

تدفعه الأسرة.

وتدفعه المدرسة.

وتدفعه المقاولة.

ويدفعه الاقتصاد.

وتدفعه منظومة الحماية الاجتماعية.

فالاضطراب النفسي غير المعالج قد يؤدي إلى الانقطاع الدراسي، أو فقدان الإنتاجية، أو توتر العلاقات الأسرية، أو العجز عن العمل، أو تفاقم الأمراض الجسدية لدى بعض المرضى، فضلا عن الضغط المتواصل الذي تتحمله أسر الأشخاص المصابين بحالات نفسية شديدة.

لهذا فإن الإنفاق على الصحة النفسية ليس إنفاقا اجتماعيا زائدا، بل استثمار في رأس المال البشري وفي استقرار المجتمع نفسه.

من «المريض النفسي» إلى «الإنسان الذي يحتاج إلى المساعدة»

ربما تكون الخطوة الثقافية الأكثر أهمية هي أن نتوقف عن تقسيم المجتمع إلى «أصحاء» من جهة و«مرضى نفسيين» من جهة أخرى، وكأن بين العالمين جدارا من الإسمنت.

الصحة النفسية متصلة وليست قطيعة مطلقة.

كل إنسان يعرف الخوف والحزن والضغط والفشل والفقد والوحدة. لكن هذه المشاعر تصبح مشكلة صحية عندما تشتد أو تستمر أو تبدأ في تعطيل الدراسة والعمل والعلاقات والحياة اليومية، وعندها يصبح طلب المساعدة تصرفا صحيا طبيعيا لا اعترافا بالهزيمة.

وأمام رقم 6.5 ملايين مغربي يعانون اضطرابات في الصحة النفسية، لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف أصبح لدينا كل هؤلاء «المرضى»؟

السؤال الأجدى هو: كيف نبني مجتمعا يستطيع الإنسان فيه أن يقول «أنا أتألم نفسيا وأحتاج إلى مساعدة» من دون أن يخاف من السخرية أو الإقصاء أو الفقر أو المسافة أو غياب الطبيب؟

إن مخطط الصحة النفسية 2030 يفتح نافذة مهمة لإعادة بناء هذا المجال، وتوسيع البنيات والموارد البشرية خطوة لا غنى عنها، لكن نجاحه الحقيقي لن يقاس فقط بعدد الأسرة والمستشفيات والأطباء والممرضين.

سيُقاس أيضا بعدد الأطفال الذين يتم اكتشاف معاناتهم قبل أن تتحول إلى مأساة، وعدد الشباب الذين يجدون من يصغي إليهم قبل الانهيار، وعدد الأسر التي تعرف أين تتوجه، وعدد المواطنين الذين أصبح بإمكانهم طلب العلاج من دون خجل.

فالمجتمع السليم نفسيا ليس مجتمعا يخلو من الألم، فهذا مستحيل، وإنما هو مجتمع لا يترك الإنسان وحيدا عندما يصبح الألم أكبر من قدرته على الاحتمال.



0 التعليقات: