شهد الأسبوع الممتد من 27 يوليو إلى 2 أغسطس 2026 تطورات إعلامية متباينة في المغرب والعالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة. ولم تعد التحولات الجارية في مجال الميديا مقتصرة على تراجع الصحافة الورقية أمام المنصات الرقمية، بل باتت تشمل قضايا أكثر تعقيداً، من بينها استقلال المؤسسات التنظيمية، وسلامة الصحفيين، وحقوق المؤلف في عصر الذكاء الاصطناعي، وتراجع العائدات الإعلانية، وتزايد نفوذ مالكي المؤسسات الإعلامية، فضلاً عن الصراع السياسي حول تراخيص البث والسيطرة على الأرشيفات السمعية البصرية.
المغرب: تنظيم المهنة وتحديات تكوين الجيل الجديد
اللجنة المؤقتة تبدأ التحضير لانتخابات المجلس الوطني للصحافة
برز في المغرب خلال الأسبوع الماضي تطور مؤسساتي يتعلق ببدء اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر الإعداد لانتخابات المجلس الوطني للصحافة، تنفيذاً للمقتضيات القانونية الجديدة. وشملت الخطوات المعلنة إعداد اللوائح الانتخابية الخاصة بالصحفيين المهنيين، وتحديد ممثلي ناشري الصحف، ووضع جدول زمني للعملية الانتخابية، مع التأكيد على ضرورة احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص بين المرشحين.
وتأتي هذه العملية بعد مرحلة انتقالية طويلة أثارت نقاشاً داخل الجسم الإعلامي المغربي حول استقلالية التنظيم الذاتي للمهنة، وحدود تدخل السلطات الحكومية، ومدى تمثيلية المؤسسات الصحفية الصغيرة والمستقلة. لذلك لا تتوقف أهمية الانتخابات المرتقبة عند اختيار أعضاء جدد، بل تتعلق بإعادة بناء الثقة بين الصحفيين والمؤسسة المكلفة بأخلاقيات المهنة ومنح بطاقة الصحافة والنظر في النزاعات المهنية.
ويمكن اعتبار نجاح العملية مرتبطاً بوضوح اللوائح الانتخابية، ونشر المعطيات المتعلقة بالمرشحين والناخبين، وتمكين مختلف الحساسيات المهنية من التنافس المتكافئ. فالمجلس الوطني للصحافة لن يستعيد شرعيته بمجرد تنظيم الانتخابات، وإنما بقدرته لاحقاً على حماية حرية الصحافة، ومعالجة الاختلالات المهنية، والتوفيق بين حقوق الصحفيين وحقوق الجمهور.
تخريج دفعة جديدة من المعهد العالي للإعلام والاتصال
احتضنت الرباط في 28 يوليو حفل تخرج فوج السنة الجامعية 2025-2026 من المعهد العالي للإعلام والاتصال، بحضور مسؤولين وممثلين عن مؤسسات الصحافة والتواصل. ويشكل المعهد أحد أبرز الفضاءات المغربية المتخصصة في تكوين الصحفيين ومهنيي الاتصال والإنتاج السمعي البصري.
ويأتي دخول دفعة جديدة إلى سوق الشغل الإعلامي في مرحلة لم يعد فيها امتلاك مهارات الكتابة والتحرير التقليديين كافياً. فالصحفي الجديد مطالب بإتقان تصوير الفيديو، والتحقق الرقمي من الأخبار والصور، وتحليل البيانات، وإدارة الحسابات الاجتماعية، وفهم آليات محركات البحث، والتعامل النقدي مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
ويطرح هذا التحول مسؤولية مزدوجة على مؤسسات التكوين والمؤسسات الإعلامية. فالأولى مطالبة بتحديث مناهجها باستمرار، والثانية مطالبة بتوفير فرص تدريب وتشغيل حقيقية، حتى لا يتحول خريجو الإعلام إلى مجرد منتجين لمحتوى سريع ومنخفض التكلفة، بعيداً عن التحقيق الصحفي والعمل الميداني والاستقصاء.
العالم العربي: تحديث الإعلام العمومي واستمرار المخاطر المحدقة بالصحفيين
مصر تراهن على تحديث مؤسسة ماسبيرو
أعلنت الجهات المصرية مواصلة خطط تحديث مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون المعروف باسم «ماسبيرو»، وهو أحد أقدم وأكبر رموز الإعلام العمومي العربي. وتهدف الخطط إلى تطوير البنية التقنية والحفاظ على التراث الإذاعي والتلفزيوني المتراكم داخل المؤسسة، مع العمل على تحسين قدرتها على مواكبة بيئة البث الرقمي الجديدة. (
لا يتعلق تحديث ماسبيرو بترميم المبنى أو تجديد الاستوديوهات فقط، بل بمعالجة سؤال أعمق يتصل بوظيفة الإعلام العمومي في عصر المنصات. فقد كانت الإذاعة والتلفزيون الرسميان لعقود المصدر الرئيسي للأخبار والدراما والموسيقى، قبل أن تنتقل شرائح واسعة من الجمهور إلى القنوات الخاصة ومنصات المشاهدة عند الطلب وشبكات التواصل.
ويملك ماسبيرو أرشيفاً ضخماً من البرامج والخطب والحفلات والمسلسلات والوثائقيات. وإذا جرت رقمنة هذا الأرشيف وتصنيفه وإتاحته وفق سياسة واضحة، فإنه قد يتحول إلى رصيد ثقافي واقتصادي كبير. أما إذا اقتصر التحديث على المعدات والمظهر الخارجي، فلن يكون كافياً لاستعادة ثقة الجمهور أو منافسة المحتوى الرقمي السريع.
تهديد صحفي يمني بسبب تغطيته للغارات الجوية
نشرت منظمات مهنية خلال الأسبوع الماضي تحذيراً بشأن تهديدات تعرض لها الصحفي اليمني محمود الحميدي، مراسل قناة «العربية»، عقب تغطيته غارات جوية استهدفت مناطق خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي. ووفق الاتحاد الدولي للصحفيين ونقابة الصحفيين اليمنيين، تلقى الصحفي اتصالاً تضمن تهديدات مباشرة طالت سلامته وسلامة أسرته، وطالبت المنظمتان بفتح تحقيق وحمايته.
وتكشف الواقعة استمرار تحول الصحفي في مناطق النزاع من ناقل للمعلومات إلى هدف مباشر لأطراف الصراع. فالتهديد لا يهدف فقط إلى إسكات فرد بعينه، بل إلى دفع بقية الصحفيين نحو الرقابة الذاتية والامتناع عن تغطية الملفات العسكرية أو الأمنية الحساسة.
وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تمتد التهديدات إلى أفراد الأسرة، لأنها تجعل العمل الصحفي عبئاً شخصياً وعائلياً. ولا يمكن الحديث عن حرية الإعلام في المنطقة العربية من دون توفير آليات حماية عاجلة للصحفيين، وتوثيق الاعتداءات، وضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المحاسبة.
قضية الصحفي كريستوف غليز تكتسب بعداً دولياً
عادت قضية الصحفي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون في الجزائر والمحكوم عليه بالسجن سبع سنوات، إلى الواجهة بعد إعلان نجم كرة القدم زين الدين زيدان تضامنه معه ومطالبته بالإفراج عنه. وكان غليز قد أوقف أثناء إنجازه عملاً صحفياً، في قضية أثارت انتقادات منظمات الدفاع عن حرية الصحافة.
ويمنح تدخل شخصية عالمية مثل زيدان القضية انتشاراً يتجاوز الدوائر الحقوقية والمهنية، ويضعها أمام جمهور رياضي واسع ربما لم يكن مطلعاً على تفاصيلها. غير أن حملات التضامن، مهما بلغت قوتها الرمزية، لا تعوض المسارات القانونية والدبلوماسية اللازمة لضمان محاكمة عادلة وحماية الصحفيين الأجانب والمحليين.
كما توضح القضية أن الصحافة الرياضية لم تعد بعيدة عن الملفات السياسية والأمنية. فقد يقود التحقيق في أندية أو جماهير أو روابط رياضية إلى مناطق شديدة الحساسية، خصوصاً عندما تتداخل الرياضة مع الهوية أو الحركات الاحتجاجية أو العلاقات الدولية.
أوروبا: العقوبات التنظيمية وحقوق الذكاء الاصطناعي وأزمة التمويل
غرامة جديدة ضد قناة «سي نيوز» الفرنسية
فرضت هيئة تنظيم الاتصال السمعي البصري والرقمي في فرنسا غرامة قدرها مئتا ألف يورو على قناة «سي نيوز»، بسبب تصريحات بثتها الهيئة واعتبرتها قابلة للتحريض على الكراهية. وجاء القرار ضمن سلسلة من المواجهات بين القناة والسلطة التنظيمية بشأن مسؤولية البرامج الحوارية المباشرة عن المضامين التي يقدمها الضيوف والمعلقون.
ويعيد القرار طرح النقاش الأوروبي حول الحدود الفاصلة بين حرية الرأي ومنع خطاب الكراهية. فالقنوات الإخبارية المباشرة تعتمد في جانب من نجاحها على النقاشات الحادة والمواقف المثيرة للجدل، لكنها تظل مسؤولة عن التدخل عندما تتحول الآراء إلى تعميمات عدائية أو تحريض ضد جماعات معينة.
كما تشير قيمة الغرامة إلى انتقال الهيئات التنظيمية من الاكتفاء بالتنبيه إلى استخدام العقوبات المالية. غير أن فعالية هذه العقوبات تتوقف على وضوح المعايير القانونية وتطبيقها على مختلف القنوات دون انتقائية سياسية أو أيديولوجية.
فرنسا تقرر طرد المديرة السابقة لقناة «روسيا اليوم»
قررت وزارة الداخلية الفرنسية طرد كسينيا فيدوروفا، الرئيسة السابقة لقناة «روسيا اليوم» في فرنسا، معتبرة أن نشاطها يمثل تهديداً للنظام العام والمصالح الأساسية للدولة. وتضع السلطات الفرنسية القناة السابقة ضمن أدوات النفوذ الإعلامي الروسي، بينما ينظر منتقدو القرار إليه من زاوية حرية التعبير والإجراءات القانونية المكفولة للأفراد.
وتعكس القضية اتساع الصراع الإعلامي المصاحب للحروب والأزمات الجيوسياسية. فلم تعد وسائل الإعلام الأجنبية تُعامل دائماً باعتبارها مؤسسات صحفية فقط، بل قد تنظر إليها الدول بوصفها أدوات للدعاية والتأثير والتضليل.
ومع ذلك، يظل من الضروري أن تكون قرارات المنع والطرد مبنية على أدلة محددة، وأن تخضع للمراجعة القضائية، لأن مواجهة الدعاية لا ينبغي أن تؤدي إلى منح السلطات التنفيذية صلاحية مطلقة في تصنيف الصحفيين أو المؤسسات المخالفة باعتبارها تهديداً أمنياً.
كأس العالم يرفع إعلانات «آي تي في» مؤقتاً
أعلنت شبكة «آي تي في» البريطانية أن تغطية مباريات كأس العالم أسهمت في رفع العائدات الإعلانية خلال النصف الأول من العام، بعدما جذبت المباريات أكثر من مئتي علامة تجارية، ووصلت بعض المواجهات إلى أكثر من ثمانية عشر مليون مشاهد. غير أن الشبكة توقعت انخفاض إيرادات الإعلانات بنحو خمسة في المئة خلال الربع الثالث، بعد انتهاء الزخم المرتبط بالبطولة.
وتؤكد هذه الأرقام أن الرياضة الحية ما تزال من آخر أنواع المحتوى القادرة على جمع ملايين المشاهدين في توقيت واحد، في وقت توزعت فيه مشاهدة الأفلام والمسلسلات بين عشرات المنصات. ولهذا تظل حقوق بث البطولات الكبرى ذات قيمة استثنائية بالنسبة إلى القنوات والمعلنين.
لكن الارتفاع المؤقت لا يحل الأزمة الهيكلية التي تواجه التلفزيون التقليدي. فقد تنقل الشركات جزءاً من ميزانياتها الإعلانية إلى فترة البطولة، ثم تخفض الإنفاق بعدها، في حين يستمر انتقال الجمهور الأصغر سناً إلى خدمات البث الرقمي ومقاطع الفيديو القصيرة.
القضاء الألماني يدين شركة «سونو» للذكاء الاصطناعي
قضت محكمة في ميونيخ بأن شركة «سونو»، المتخصصة في إنشاء الموسيقى بالذكاء الاصطناعي، انتهكت حقوق المؤلف، وألزمتها بالكشف عن الإيرادات المرتبطة بالمحتوى محل النزاع ودفع تعويضات ستحدد لاحقاً، مع بقاء حق الشركة في الاستئناف.
ويمثل الحكم تطوراً مهماً ليس فقط لصناعة الموسيقى، بل لجميع مجالات الميديا. فالنماذج التوليدية تعتمد على كميات هائلة من النصوص والصور والتسجيلات، بينما يطالب أصحاب الحقوق بمعرفة المواد التي استُخدمت في التدريب والحصول على ترخيص وتعويض عادل.
وقد يدفع الحكم شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبرام اتفاقيات ترخيص مع شركات الإنتاج والفنانين، وإلى تطوير تقنيات تثبت مصادر البيانات. كما أنه يطرح سؤالاً حول صفة المؤلف: هل تعود حقوق الأغنية إلى مستخدم المنصة، أم إلى مطوري النموذج، أم إلى الفنانين الذين تعلم النظام من أعمالهم؟
أمريكا: ضغوط سياسية واهتزاز المؤسسات وصعود الإعلام المستقل
شبكة «إيه بي سي» تتهم هيئة الاتصالات بالترهيب
اتهمت شبكة «إيه بي سي» هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية باستخدام مراجعة تراخيص ثماني محطات مملوكة لها وسيلة للضغط والترهيب بسبب تغطيتها الإخبارية. واعتبرت الشبكة أن التهديد المبكر بإلغاء التراخيص إجراء غير مسبوق، بينما قالت الهيئة إن المراجعة مرتبطة بالتنوع وخدمة المصلحة العامة. وأظهرت التعليقات المقدمة إلى الهيئة تأييداً واسعاً لتجديد التراخيص.
وتكمن خطورة القضية في أن تراخيص البث تمنح الدولة سلطة قانونية حقيقية على المحطات التلفزيونية. وعندما تتزامن مراجعة الترخيص مع خلاف سياسي حول التغطية، يصبح من الصعب الفصل بين الرقابة التنظيمية والضغط على الخط التحريري.
لذلك تمثل القضية اختباراً لمتانة الحماية الدستورية للصحافة الأمريكية. فمن حق الهيئات التأكد من احترام المحطات لالتزاماتها، لكن استخدام الترخيص لمعاقبة التغطية الناقدة قد يفتح الباب أمام رقابة غير مباشرة أشد تأثيراً من المنع الصريح.
استقالة رئيس قسم الرأي في «واشنطن بوست»
أعلن آدم أونيل، رئيس قسم الرأي في صحيفة «واشنطن بوست»، استقالته بعد نحو عام من توليه المهمة، على أن يغادر منصبه في نهاية أغسطس. وتأتي الاستقالة وسط تغييرات متواصلة داخل الصحيفة، شملت تسريحات واسعة واستقالة مسؤولين كبار، إلى جانب الجدل الذي أثاره توجه مالكها جيف بيزوس نحو حصر صفحات الرأي في الدفاع عن الأسواق الحرة والحريات الشخصية.
وتشير هذه التحولات إلى أن أزمة الصحافة الأمريكية ليست مالية فقط، بل تحريرية أيضاً. فالصحيفة تحاول تقليص خسائرها واستعادة الجمهور، لكنها تواجه مخاطر فقدان هويتها التاريخية إذا شعر القراء والصحفيون بأن الخط التحريري أصبح انعكاساً مباشراً لرؤية المالك.
كما تظهر القضية هشاشة العلاقة بين رأس المال والاستقلال المهني. فالمؤسسات الكبرى تحتاج إلى تمويل ضخم للاستمرار، لكن تدخل المالك في تحديد الاتجاه الفكري قد يدفع الصحفيين إلى المغادرة والمشتركين إلى إلغاء اشتراكاتهم، وهو ما يزيد الأزمة الاقتصادية بدلاً من حلها.
المنصات المستقلة تزاحم القنوات والصحف التقليدية
رصد تقرير لوكالة «أسوشيتد برس» انتقال أعداد متزايدة من الأمريكيين، ولا سيما الشباب والناشطين السياسيين، من متابعة قنوات مثل «إيه بي سي» و«سي بي إس» و«سي إن إن» إلى المدونات الصوتية ومقاطع «يوتيوب» وحسابات «إنستغرام» والمواقع الإخبارية المستقلة. وأشار التقرير إلى توسع بعض المنصات الجديدة في أعداد المتابعين والمشتركين المدفوعين وتأثيرها في النقاشات والانتخابات التمهيدية.
ويعني هذا التحول أن الصحفي أو مقدم البرنامج لم يعد مضطراً دائماً إلى العمل داخل مؤسسة تلفزيونية كبرى للوصول إلى جمهور واسع. فقد بات بإمكان شخصية إعلامية أن تبني جمهورها وتمويلها من خلال الاشتراكات والتبرعات والإعلانات المباشرة.
غير أن سقوط حواجز الدخول يحمل مخاطر موازية، أبرزها ضعف التحرير والتدقيق، وامتزاج الخبر بالرأي، وتحول الولاء من المؤسسة وقواعدها المهنية إلى شخصية المؤثر. وهكذا يمنح الإعلام المستقل الجمهور أصواتاً أكثر تنوعاً، لكنه يضاعف أيضاً مسؤولية التحقق من المصادر.
اندماج «باراماونت» و«وارنر» يثير مخاوف على الأرشيف الإعلامي
حذر منتجون وصناع أفلام وثائقية من أن الاندماج المقترح بين «باراماونت» و«وارنر» قد يضع أرشيفي «سي إن إن» و«سي بي إس نيوز» تحت ملكية واحدة. ويضم الأرشيفان ملايين المواد المصورة التي توثق عقوداً من الأحداث السياسية والاجتماعية والحروب والانتخابات والكوارث، ويعتمد عليها منتجو الأفلام والبرامج الوثائقية.
ويكشف هذا الاعتراض أن الاندماجات الإعلامية لا تتعلق بأسعار الاشتراكات والمنافسة التجارية وحدهما، بل بالسيطرة على الذاكرة البصرية للمجتمعات. فإذا احتكرت شركة واحدة الوصول إلى أرشيف واسع، فإنها تستطيع رفع رسوم الاستخدام أو تقييد منح التراخيص أو التأثير في نوعية القصص التي يمكن إنتاجها.
ومن ثم فإن حماية التعددية الإعلامية ينبغي أن تشمل ملكية الأرشيف وطرق إتاحته، لأن المواد المصورة لا تمثل مجرد أصول تجارية، بل جزءاً من التاريخ العام الذي يحتاج إليه الصحفيون والباحثون والمخرجون والجمهور.
خلاصة: من يملك الخبر والخوارزمية والأرشيف؟
تكشف أخبار الأسبوع الماضي أن المعركة الأساسية في الصحافة والميديا أصبحت تدور حول السيطرة: السيطرة على المؤسسة المنظمة في المغرب، وعلى الإعلام العمومي وأمن الصحفيين في العالم العربي، وعلى حقوق المحتوى والخوارزميات في أوروبا، وعلى التراخيص وغرف التحرير والأرشيفات في الولايات المتحدة.
كما يتضح أن الحدود القديمة بين الصحافة والتلفزيون والموسيقى والمنصات الرقمية تتلاشى تدريجياً. فقضية شركة موسيقى تعمل بالذكاء الاصطناعي تؤثر في مستقبل الصحافة والصورة، واندماج شركتين ترفيهيتين يمكن أن يتحكم في أرشيف الأخبار، ومؤثر يعمل من غرفة صغيرة قد ينافس شبكة تلفزيونية تتجاوز ميزانيتها مئات الملايين.
وسط هذه التحولات، تبقى الثقة رأس المال الحقيقي للميديا. فالتكنولوجيا قد تسرع إنتاج الخبر، ورأس المال قد يوسع الانتشار، والمنصات قد تجلب ملايين المشاهدات، لكن الصحافة تفقد معناها عندما تغيب عنها الاستقلالية والتحقق والمساءلة وحماية الصحفيين وحق الجمهور في معرفة من يملك المعلومة وكيف جرى إنتاجها.
إعداد: الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق