الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أغسطس 12، 2026

الكسوف وشبح القيامة في المخيال الشعبي للمجتمع المغربي: عبده حقي

 


أستعيد، كلما أُعلن عن كسوف للشمس، ذلك الشعور القديم الذي لا علاقة له كثيرًا بعلم الفلك، بقدر ما يرتبط بطبقات عميقة من الذاكرة الشعبية المغربية. فقبل أن نتعلم في المدرسة أن الكسوف ظاهرة فلكية طبيعية، تحدث عندما يمر القمر بين الأرض والشمس، كانت المخيلة قد سبقت العلم إلى تشكيل صورتها الخاصة: الشمس تختفي، الضوء يضعف، النهار يفقد نظامه المعتاد، والناس يرفعون أبصارهم إلى السماء بشيء من الرهبة، وكأن الكون يرسل إنذارًا غامضًا بأن نظامه الأبدي قد أصابه خلل.

الجواب، في اعتقادي، يوجد أولًا في المكانة الرمزية للشمس. فالشمس في الحياة اليومية ليست جرمًا سماويًا بعيدًا، وإنما هي الضامن المرئي لنظام العالم: تشرق في الصباح، تنير الحقول والبيوت والأسواق، وتحدد مواقيت العمل والراحة والصلاة. لذلك فإن اختفاءها المفاجئ في قلب النهار يمثل، بالنسبة للوعي الشعبي، انقلابًا في النظام الطبيعي نفسه. وإذا كان يوم القيامة في المخيال الديني هو لحظة اختلال القوانين التي اعتادها الإنسان، فمن الطبيعي أن يستدعي الكسوف بعض صور تلك اللحظة الكبرى.

القرآن الكريم نفسه صاغ مشاهد كونية مهيبة ارتبطت في الوجدان المسلم بنهاية العالم: تكوير الشمس، وانكدار النجوم، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر. ومع تكرار سماع هذه الآيات في المساجد والكتاتيب والبيوت، أصبح الاضطراب الكوني جزءًا أساسيًا من الصورة الذهنية للقيامة. لذلك لم يكن غريبًا أن ينظر المغربي البسيط قديمًا إلى قرص الشمس وقد بدأ السواد يلتهمه، فيجد أمام عينيه صورة قريبة مما اختزنته ذاكرته الدينية.

لكن الذاكرة الشعبية لا تعيش بالنصوص وحدها. إنها تضيف إليها الحكاية والخرافة والمبالغة والرهبة. وفي مجتمعات لم تكن فيها وسائل الإعلام الفورية ولا تطبيقات الهواتف التي تحدد موعد الكسوف بالثانية، كان حدوث الظاهرة يأتي أحيانًا كصدمة حسية حقيقية. يهبط الضوء فجأة، تتغير ألوان الأشياء، وقد تسكن بعض الطيور أو تضطرب الحيوانات، فيشعر الإنسان أن شيئًا غير طبيعي يقع أمامه.

ومن هنا تولد الحكاية.

كان الكبار يحذرون الأطفال من النظر إلى الشمس، وهو تحذير صحيح من الناحية الطبية، لكن التعليل الشعبي لم يكن دائمًا علميًا. فقد تُربط النظرة بالعمى باعتباره نوعًا من العقاب، أو يقال إن الشمس «مريضة»، أو إن شيئًا ما قد «أكلها». وتتداخل في هذه اللحظة بقايا معتقدات قديمة مع التصورات الدينية الإسلامية، مثلما يحدث في كثير من عناصر التراث الشعبي المغربي.

وأرى أن اللافت في تجربة الكسوف داخل المجتمع المغربي هو أنها تكشف لنا عن العلاقة المركبة بين الدين والخوف والمعرفة. فالإنسان الذي يعرف اليوم تفسير الكسوف علميًا قد يشعر، رغم ذلك، بانقباض غامض عندما يتحول النهار أمام عينيه إلى ما يشبه الغسق. المعرفة تفسر الظاهرة، لكنها لا تلغي أثرها النفسي.

وهذا بالتحديد ما يجعل الكسوف حدثًا استثنائيًا.

نحن نعرف أن القمر لا يلتهم الشمس، ونعرف أن الشمس لن تنطفئ، ونعرف توقيت بداية الكسوف ونهايته قبل وقوعه بأشهر أو سنوات، ومع ذلك يبقى المشهد قادرًا على زعزعة إحساسنا باستقرار العالم. هناك فرق كبير بين أن أقرأ رسمًا توضيحيًا لمسارات الأرض والقمر والشمس، وبين أن أرى الضوء نفسه يتغير فوق المدينة التي أعيش فيها.

في تلك اللحظة يعود الإنسان، ولو لدقائق، إلى هشاشته الأولى.

وتبرز هنا صورة يوم القيامة بوصفها أكثر من مجرد معتقد ديني؛ إنها أيضًا استعارة كبرى عن انهيار المألوف. فالقيامة في الوعي الشعبي هي اليوم الذي لا يعود فيه الصباح صباحًا، ولا السماء سماءً كما عرفناها، ولا الجبال ثابتة، ولا الشمس تؤدي وظيفتها المعتادة. والكسوف يقدم نموذجًا مصغرًا، وآمنًا في النهاية، لهذا الانقلاب.

ولهذا أفهم جيدًا لماذا كانت الجدات والأمهات يكثرن من الدعاء عند حدوث الكسوف. لقد كن يواجهن المجهول باللغة الوحيدة التي تمنح الإنسان الطمأنينة أمام الكون: لغة الالتجاء إلى الله. وقد تبدو بعض تصوراتهن اليوم بعيدة عن العلم، لكن اختزالها في كلمة «خرافة» سيكون ظلمًا لذاكرة اجتماعية كاملة.

فالخوف نفسه يحمل معنى تاريخيًا.

لقد عاش الإنسان المغربي قرونًا طويلة داخل ثقافة شفهية تتناقل المعرفة من الجدة إلى الأم ومن الأب إلى الابن. وكانت الظواهر النادرة، مثل الزلازل والمذنبات والكسوف والخسوف، تدخل بسرعة إلى مستودع العلامات والنذر. فما يتكرر كل يوم يصبح عاديًا، أما ما يحدث مرة في سنوات طويلة فإنه يبحث تلقائيًا عن تفسير يتناسب مع غرابته.

ومع دخول المدرسة الحديثة والإذاعة والتلفزيون ثم الإنترنت، بدأت صورة الكسوف تتغير. صار المذيع يشرح مواقع الأجرام، وأصبح عالم الفلك ضيفًا على البرامج، وصارت المواقع تنشر الخرائط والتوقيتات ونسب الحجب. واليوم يكفي أن أفتح هاتفي لأعرف متى يبدأ الكسوف ومتى يبلغ ذروته.

لكن هل مات المخيال القديم؟

لا أعتقد ذلك.

إنه فقط تراجع إلى منطقة أعمق من الوعي. يظهر في التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الأدعية التي يتبادلها الناس، وفي العبارة المغربية الأثيرة: «الله يدير شي تاويل ديال الخير». وربما يكون أجمل ما في الأمر أن المغربي المعاصر يستطيع أن يحمل الهاتف في يد، ويعرف التفسير الفلكي الدقيق للظاهرة، ثم يرفع اليد الأخرى إلى السماء بالدعاء.

لا أرى في ذلك بالضرورة تناقضًا.

العلم يجيب عن سؤال: ما الذي يحدث؟

أما الذاكرة والدين فيجيبان عن سؤال آخر: ماذا يعني لنا ما يحدث؟

المشكلة تبدأ فقط عندما يتحول الخوف الشعبي إلى تضليل، أو عندما تنتشر إشاعات تزعم أن الكسوف دليل قطعي على قرب نهاية العالم في تاريخ محدد. هنا يجب أن نتدخل بالمعرفة، لأن الإيمان نفسه لا يحتاج إلى أخبار زائفة، ولأن الظواهر الطبيعية لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات لبث الهلع.

وأنا أراقب الكسوف اليوم، لا أريد أن أسخر من أجداد رأوا فيه صورة للقيامة، كما لا أريد أن أتخلى عن المعرفة العلمية التي تتيح لي فهمه. أريد فقط أن أرى في الظاهرة مرآة لذاكرتنا الجماعية.

لقد تغيرت أدواتنا، لكن رهبتنا من السماء لم تختف تمامًا.

وربما لهذا السبب يبقى الكسوف أكثر من مجرد اصطفاف بين ثلاثة أجرام سماوية. إنه لحظة قصيرة تنكشف فيها طبقات متراكمة من الثقافة والدين والخوف والطفولة. وحين ينسحب ظل القمر من وجه الشمس ويعود النهار إلى هيئته المألوفة، نشعر بشيء يشبه الارتياح القديم نفسه الذي كان يشعر به من سبقونا.

تعود الشمس، فتعود معها طمأنينة النظام.

ويبقى في داخلنا ذلك الصوت المغربي القديم، الذي عبر أجيالًا كثيرة ولم يتغير كثيرًا:

الحمد لله على لطفه.


0 التعليقات: