الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أغسطس 13، 2026

أفق الانتظار الخوارزمي: من جمالية التلقي إلى هندسة التوقع: عبده حقي


أدخل إلى النص اليوم محمّلًا بأكثر مما كانت تحمله ذاكرتي القرائية في صورتها التقليدية. لا أحضر إليه وحدي، ولا أحمل معي فقط ما قرأته من كتب وما راكمته من خبرات جمالية ولغوية وثقافية، بل أصطحب ــ من حيث أدري أو لا أدري ــ تاريخًا من عمليات البحث، والنقرات، والتوصيات، والاقتراحات الآلية، والملخصات الرقمية، ومقاطع الفيديو، والعناوين التي عبرت شاشتي، والكلمات التي أكملتها المنصة قبل أن أتم كتابتها. ولهذا أجد أن مفهوم «أفق الانتظار»، كما بلورته جمالية التلقي، وبخاصة عند هانس روبرت ياوس، يحتاج اليوم إلى أن يُستأنف نقديًا داخل البيئة الرقمية والخوارزمية [1].

ومن هذه النقطة أقترح مفهوم «أفق الانتظار الخوارزمي»، لا باعتباره مفهومًا مستقرًا ومكتملًا في الدراسات الأدبية، بل بوصفه فرضية نقدية أحاول من خلالها وصف التحول الذي أصاب علاقة القارئ بالنص في زمن المنصات والذكاء الاصطناعي.

إذا كان «أفق الانتظار» عند ياوس يحيل إلى شبكة المعايير والتقاليد والأجناس والخبرات السابقة التي يدخل بها القارئ في مواجهة العمل الأدبي [1]، فإن أفق الانتظار الخوارزمي، كما أفهمه، يشير إلى طبقة إضافية من التوقعات لم تعد تتشكل داخل الذاكرة الأدبية والاجتماعية وحدها، بل تشارك في بنائها منظومات حسابية قادرة على ترتيب النصوص، وتصنيفها، واقتراحها، وإخفائها، وتلخيصها، وربطها بغيرها.

إنني، بهذا المعنى، لا أنتقل فقط من قارئ ورقي إلى قارئ رقمي، بل من قارئ يصنع أفقه عبر الثقافة إلى قارئ تصنع الثقافة والخوارزمية معًا جزءًا من أفقه.

من أفق الانتظار إلى أفق مُهندَس للانتظار

شكّلت جمالية التلقي في القرن العشرين انقلابًا مهمًا على التصورات التي كانت تنظر إلى النص بوصفه بنية مكتفية بذاتها. فبدل الاقتصار على سؤال «ماذا يعني النص؟»، صار ممكنًا أن نسأل: كيف يستقبله القارئ؟ وبأي خبرة سابقة يأتي إليه؟ وكيف تتغير دلالته عبر التاريخ؟

ياوس جعل التاريخ الأدبي تاريخًا للتلقي بقدر ما هو تاريخ للأعمال [1]، بينما عمّق فولفغانغ إيزر المسألة من خلال التفكير في عملية القراءة بوصفها نشاطًا يقوم فيه القارئ بملء الفراغات واستكمال الإمكانات التي يتيحها النص [2]. كما بيّن أمبرتو إيكو، من جهة أخرى، أن النص يفترض آليات تعاون تأويلي، وأن القراءة ليست استهلاكًا سلبيًا لمعنى جاهز، بل عملية إنتاج دلالي يتفاعل فيها النص مع كفاءة قارئه [3].

لكن هذه التصورات نشأت، في أغلبها، قبل أن تتحول الخوارزميات إلى وسيط يومي واسع الانتشار بين النصوص وقرائها.

وهنا أطرح السؤال الذي يشكل منطلق هذا المقال:

ماذا يحدث لأفق الانتظار عندما تدخل الخوارزمية نفسها في عملية تشكيل ما ينتظره القارئ؟

حين تقترح عليّ منصة كتابًا لأن أشخاصًا ذوي سلوك رقمي قريب من سلوكي قد قرؤوه، فهي لا تعرض علي عنوانًا فحسب، بل تدفع احتمالًا قرائيًا إلى واجهة وعيي. وحين أبحث عن رواية فتظهر أمامي ملخصاتها ومراجعاتها وتصنيفاتها قبل أن أفتح صفحتها الأولى، فأنا لا أصل إليها بريئًا من التصورات السابقة.

الأهم من ذلك أن تلك التصورات لم تعد كلها من إنتاج النقاد أو الأصدقاء أو المؤسسات الثقافية التقليدية، بل أصبح جزء منها ناتجًا عن عمليات حسابية تشتغل في خلفية الشاشة.

ومن هنا يبدو لي أننا انتقلنا من أفق انتظار يتكون تاريخيًا وثقافيًا إلى أفق يمكن أن يكون، جزئيًا على الأقل، مُهندَسًا حسابيًا.

الخوارزمية ليست طريقًا محايدًا إلى النص

من الأخطاء الشائعة أن ننظر إلى الخوارزميات باعتبارها مجرد أدوات تقنية تساعدنا على الوصول السريع إلى المواد التي نبحث عنها. فالدراسات النقدية للمنصات بيّنت أن الخوارزميات لا تقوم فقط بترتيب المعلومات بطريقة تقنية محايدة، وإنما تشارك في تحديد ما يصبح مرئيًا وما يتراجع إلى الخلفية، وما يُعد ذا صلة وما يُستبعد من مجال الانتباه [4].

تارلتون غيليسبي، في دراساته حول الأهمية الاجتماعية للخوارزميات، نبّه إلى أن أنظمة التصنيف والترتيب أصبحت جزءًا من كيفية تنظيم المعرفة العمومية وتوجيه الانتباه [4]. كما حللت تاينا بوخر أشكال السلطة الخوارزمية التي تعمل عبر الرؤية والاختفاء والتوقع المستمر لسلوك المستخدم [5].

ومن هنا أستطيع القول إن الطريق الذي أصل عبره إلى النص أصبح جزءًا من النص بمعناه الثقافي الواسع.

فالكتاب الذي يظهر أولًا ليس مساويًا تمامًا للكتاب الذي لا أصل إليه إلا بعد عشر صفحات من النتائج.

والعنوان الذي توصي به المنصة يوميًا لا يملك الحظ نفسه الذي يملكه عنوان مدفون في قاعدة بياناتها.

إن ما أسميه أفق الانتظار الخوارزمي يبدأ قبل القراءة، في لحظة توزيع إمكانات الظهور.

عندما تُحمَّل التوقعات إلى القارئ

في جمالية التلقي الكلاسيكية يحمل القارئ توقعاته إلى النص.

أما في الثقافة الخوارزمية، فأرى أن شيئًا آخر يحدث في الاتجاه المعاكس: النظام نفسه يحمل بعض التوقعات إلى القارئ.

تتكرر أمامي عبارات بعينها عن عمل أدبي: «رواية عن المنفى»، «كتاب عن الذاكرة»، «قصة نسوية»، «أدب ما بعد الاستعمار»، «رواية وجودية». وقبل أن أفتح الكتاب أكون قد تسلّمت شبكة من الكلمات المفتاحية التي سترافقني أثناء القراءة.

لا أقول إن هذه الكلمات ستحدد تأويلي آليًا، لكنني لا أستطيع تجاهل قوتها التوجيهية.

وفي هذا المستوى يقترب مفهوم أفق الانتظار الخوارزمي من مفهوم «الثقافة الخوارزمية» الذي ناقشه تيد ستريبهاس، أي ذلك الوضع الذي أصبحت فيه العمليات الحسابية مشاركة في تصنيف الأشخاص والموضوعات والمنتجات الثقافية وتشكيل علاقاتنا بها [6].

الخوارزمية هنا لا تقرأ بدلًا مني، لكنها تهيئ الغرفة التي سأقرأ داخلها.

بين المفاجأة والتنبؤ

تقوم التجربة الأدبية، كما أتصورها، على قدر من عدم اليقين. أفتح الرواية لأنني لا أعرف تمامًا ما ستفعله بي. أدخل القصيدة لأن اللغة يمكن أن تأخذني إلى مكان لم أخطط له. أقرأ الكاتب المختلف لأنني أقبل مخاطرة الخروج من نفسي.

لكن المنطق الخوارزمي يقوم بدرجة كبيرة على التنبؤ.

يريد أن يعرف ما الذي سأضغط عليه، وما الذي سأكمل قراءته، وما الذي سأشاهده، وما النوع الذي سأفضله في المرة القادمة.

وهنا تنشأ مفارقة أراها أساسية:

الأدب يراهن على غير المتوقع، بينما الخوارزمية تراهن على المتوقع.

المفارقة لا تعني أن الاثنين متعارضان دائمًا، لكنها تكشف توترًا بنيويًا بينهما.

العمل الأدبي القوي يستطيع أن يخيب أفق انتظاري، أو يوسعه، أو يزعزعه [1]. أما نظام التوصية الفعال اقتصاديًا فيميل، غالبًا، إلى زيادة احتمال أن أجد أمامي ما يُتوقع أن يناسب اختياراتي السابقة.

وقد اشتهر إيلي باريزر بتعبير «فقاعة الترشيح» لوصف إمكانية انغلاق المستخدم داخل فضاء معلوماتي تنتقيه أنظمة التخصيص انطلاقًا من بياناته وسلوكه السابق [7]. ورغم أن الظاهرة أكثر تعقيدًا مما يسمح به الاستعمال الشعبي للمفهوم، فإن السؤال الذي يطرحه يظل جوهريًا بالنسبة إلى القراءة: ماذا يحدث للذائقة إذا ظلت تتلقى باستمرار ما يشبه تاريخها السابق؟

التجانس التوقعي

أسمي نتيجة محتملة لهذا الوضع «التجانس التوقعي».

أقرأ نوعًا معينًا من الروايات، فتقترح المنصة المزيد منه.

أبحث عن شاعر بعينه، فتقدم لي أسماء قريبة منه.

أتوقف طويلًا عند موضوع محدد، فيتكاثر ظهوره داخل تدفقي المعلوماتي.

هنا لا تأمرني الخوارزمية بشيء، ولا تمنعني من شيء بصورة مباشرة، لكنها تغير توزيع الاحتمالات.

وهذه النقطة أساسية بالنسبة إلي: السلطة الخوارزمية لا تحتاج دائمًا إلى المنع، فقد يكفيها أن تجعل شيئًا شديد الظهور وشيئًا آخر شديد الندرة.

وقد درست سافيا أوموجا نوبل كيف يمكن لمحركات البحث وأنظمة الترتيب أن تعيد إنتاج أشكال من التحيز والتراتبية داخل المعلومات التي تبدو للمستخدم محايدة [8]. وهذا يذكرني بأن الظهور ليس مجرد شأن تقني، وإنما قد يحمل آثارًا ثقافية واجتماعية وسياسية.

في المجال الأدبي تحديدًا، يمكن أن يؤدي هذا المنطق إلى سؤال مقلق:

هل أقرأ الكتاب لأنه الأفضل بالنسبة إلي، أم لأنه كان الأكثر قدرة على الوصول إلي؟

من حرية الاختيار إلى حرية التكوّن

لكن القضية بالنسبة إلي أعمق من حرية الاختيار.

إنها تتعلق بما أسميه حرية التكوّن.

فذائقتي لم تولد مكتملة. لقد تكونت عبر مصادفات ولقاءات وأخطاء وكتب لم أكن أبحث عنها أصلًا. وربما تكون بعض أهم القراءات في حياتي هي تلك التي لم تكن أي منظومة قادرة على استنتاجها من سلوكي السابق.

إذا تحولت الثقافة الرقمية إلى آلية تقول لي باستمرار: «بما أنك أحببت هذا، فستحب ذاك»، فإن الماضي يصبح معيارًا لتحديد المستقبل.

وتكمن المفارقة في أن الإنسان يتغير.

قد أحب غدًا ما كنت أرفضه اليوم.

وقد يغيرني كتاب لا يشبه شيئًا قرأته من قبل.

لهذا لا تكمن الحرية القرائية في اختيار عنصر من قائمة مقترحة فقط، بل في إمكان اكتشاف ما لم يكن مدرجًا أصلًا في نموذج التوقع.

أفق الانتظار بوصفه بيانات

يتخذ الأمر بعدًا آخر عندما أتذكر أن أفعالي الرقمية تتحول إلى بيانات.

ما أبحث عنه، وما أشتريه، وما أقرأه، والوقت الذي أقضيه أمام مادة معينة، كلها يمكن أن تدخل في عمليات التحليل والتوقع.

وهنا يلتقي أفق الانتظار الخوارزمي باقتصاد البيانات.

لقد ناقشت شوشانا زوبوف، في سياق أوسع من الأدب بطبيعة الحال، أشكال الاقتصاد التي تقوم على تحويل الخبرة الإنسانية إلى بيانات يمكن استخدامها في عمليات التنبؤ بالسلوك [9]. كما تناول نيك كولدري وأوليسيس ميخياس عمليات تحويل الحياة الاجتماعية ذاتها إلى مورد دائم للاستخراج البياني [10].

ومن هذا المنظور أستطيع أن أقول إن أفق انتظاري لم يعد مجرد بنية جمالية؛ لقد أصبح، في بعض البيئات الرقمية، قيمة معلوماتية قابلة للحساب.

لم تعد المنصة مهتمة فقط بما قرأته بالأمس، بل بما يمكن أن أقرأه غدًا.

إنها لا تجمع الماضي إلا لكي تحاول هندسة احتمالات المستقبل.

نبوءة خوارزمية تحقق ذاتها

وهنا أصل إلى واحدة من أكثر المسائل إثارة بالنسبة إلي.

لنفترض أن المنصة تتوقع أنني أحب الروايات التاريخية.

تقترح علي مزيدًا منها.

أجدها أمامي أكثر من غيرها.

أقرأ عددًا أكبر منها.

تجمع المنصة البيانات الجديدة وتستنتج أن توقعها الأول كان صحيحًا.

ثم تضاعف اقتراح الروايات التاريخية.

في هذه الحالة يصبح السؤال:

هل اكتشفت الخوارزمية ذائقتي أم ساهمت في تصنيعها؟

التمييز بين الأمرين شديد الصعوبة.

فالخوارزمية لا تأتي دائمًا بعد الرغبة، بل تستطيع أن تدخل في عملية تكوينها.

وهذا ما يجعل أفق الانتظار الخوارزمي مختلفًا عن مجرد «التوصية».

إنه حلقة تغذية راجعة: أنا أعلّم النظام من خلال اختياراتي، والنظام يعيد ترتيب بيئتي، ثم أتخذ اختيارات جديدة داخل البيئة التي ساهم هو في ترتيبها.

إننا هنا أمام علاقة دائرية بين القارئ والمنصة.

الذكاء الاصطناعي ودخول الآلة إلى التأويل

يزداد الأمر تعقيدًا مع الذكاء الاصطناعي التوليدي.

فالخوارزمية السابقة كانت تقترح لي ما أقرأ؛ أما الآلة الجديدة فتستطيع أن تقرأ معي.

أسألها عن رواية فتقدم ملخصًا.

أسألها عن قصيدة فتقترح تأويلًا.

أطلب منها مقارنة كاتبين فتقيم علاقات بينهما.

أطلب منها شرح رمز فتقدم عدة احتمالات.

هنا لم تعد الخوارزمية تقف عند باب المكتبة، بل دخلت معي إلى النص.

ومن هذه الزاوية يصبح مفهوم «الإدراك الموزع» أو التفكير الذي يتجاوز حدود الدماغ الفردي مهمًا لفهم التحول. وقد ناقشت ن. كاثرين هايلز العلاقة بين الإدراك البشري والأنظمة التقنية غير الواعية في كتابها Unthought، مشيرة إلى ضرورة التفكير في أشكال من الإدراك الموزع بين البشر والأنظمة التقنية [11].

وأنا أجد في ذلك مدخلًا مهمًا لفهم القارئ المعاصر.

فإذا سألت نموذجًا لغويًا قبل قراءة رواية عن أهم موضوعاتها، فقال لي إنها تتمحور حول «الذاكرة والمنفى والهوية»، ثم بدأت القراءة، فمن الصعب أن أنكر أن هذه الكلمات الثلاث سترافق عيني وهي تتحرك داخل النص.

قد أرفضها لاحقًا.

قد أكتشف أنها خاطئة.

قد أبني تفسيرًا مناقضًا لها.

لكنها دخلت في أفق انتظاري.

ولهذا أسمي هذه الحالة التلقي الهجين: القارئ ما يزال إنسانًا، لكن بعض الشروط السابقة على القراءة وبعض عملياتها المساعدة أصبحت موزعة بينه وبين منظومات حسابية.

من القارئ الضمني إلى القارئ الخوارزمي

لقد عرف النقد الأدبي مفاهيم كثيرة لوصف موقع القارئ: القارئ الضمني، والقارئ النموذجي، والقارئ التاريخي، والقارئ الفعلي [2][3].

وأعتقد أننا بحاجة الآن إلى التفكير في وضع جديد لا يلغي هذه المفاهيم، بل يضيف إليها مستوى آخر.

أسميه، بصورة إجرائية، القارئ الخوارزمي أو القارئ الهجين.

ليس المقصود قارئًا تحوّل إلى آلة، وإنما قارئًا أصبح جزء من بيئته التأويلية آليًا.

إنه يقرأ من شاشة ترتب له العالم.

يبحث بواسطة محرك يصنف النتائج.

يصل إلى الكتب من خلال منصات التوصية.

يستعين بنموذج لغوي في تفسير الغامض.

ويتحرك داخل ثقافة أصبحت فيها الوساطة الرقمية جزءًا من إنتاج المعنى.

وهذا يعيدني مباشرة إلى مفهوم أفق الانتظار.

فأفق القارئ المعاصر لم يعد موجودًا داخل رأسه وحده.

جزء منه أصبح موزعًا خارجه.

إعادة التفكير في «المسافة الجمالية»

كان من أهم عناصر تصور ياوس فكرة المسافة بين أفق توقع الجمهور والعمل الجديد [1]. وكلما خالف العمل بعض التوقعات السائدة أمكن أن ينتج تحولًا جماليًا في عملية التلقي.

لكن ماذا يحدث إذا أصبحت أنظمة التوصية نفسها قائمة بدرجة كبيرة على التشابه؟

«من أحب هذا أحب ذاك».

«كتب مشابهة».

«قد يعجبك أيضًا».

«استنادًا إلى تاريخ قراءتك».

هذه العبارات البسيطة تكشف فلسفة كاملة: الانتقال من المعلوم إلى ما يشبهه.

لكن الفن لا يعمل دائمًا بهذه الطريقة.

قد يكون العمل الأهم بالنسبة إلي هو العمل الذي لا يشبه شيئًا أحببته من قبل.

وقد تكون التجربة الجمالية الأكثر خصوبة هي التي تبدأ بخيبة التوقع.

ومن هنا أصل إلى مفارقة أخرى:

ما تعتبره الخوارزمية فشلًا في التنبؤ قد يكون، من منظور الأدب، نجاحًا جماليًا.

إذا توقعت المنصة أنني لن أحب كتابًا، ثم قرأته فتحولت رؤيتي إلى العالم، فإن خطأ الخوارزمية يصبح مكسبًا ثقافيًا.

خوارزمية للمصادفة

لهذا لا أتصور أن الحل يكمن في رفض الخوارزميات.

سيكون ذلك حنينًا إلى عالم لم يكن خاليًا أصلًا من وسطاء الاختيار. الناشر كان ينتقي، والناقد كان ينتقي، والمكتبة كانت تنتقي، والمؤسسة التعليمية كانت تنتقي.

المسألة هي نوع الانتقاء ودرجة شفافيته وتنوعه.

فكما يبين خوسيه فان دايك وتوماس بويل ومارتين دي وال، فإن مجتمع المنصات يقوم على بنى رقمية أصبحت تتداخل بصورة عميقة مع المؤسسات والممارسات الاجتماعية [12]. ولذلك لا يمكن التفكير في القراءة المعاصرة بعيدًا عن بنية المنصة نفسها.

وأنا أعتقد أننا نحتاج إلى ما يمكن تسميته «خوارزمية للمصادفة».

أي أنظمة لا تقدم لي فقط ما يتوافق مع سجلّي السابق، بل تدخل قدرًا من الاختلاف والتنوع وعدم التوقع.

نظام يقول لي:

هذا الكتاب لا يشبه ما تقرأ عادة، وربما لهذا السبب تحديدًا ينبغي أن تراه.

بهذه الطريقة يمكن أن نعيد إلى الثقافة الرقمية شيئًا من الصدفة التي صنعت تاريخ القراءة.

الوعي الخوارزمي بوصفه معرفة نقدية

في مقابل ذلك تصبح على القارئ مسؤولية جديدة.

لم يعد يكفيني أن أتعلم تحليل الخطاب أو الصورة أو البنية السردية، بل ينبغي أن أتعلم أيضًا تحليل شروط وصول الخطاب إليّ.

عندما يتكرر كتاب أمامي، أسأل: لماذا؟

عندما يتصدر خبر نتائج البحث، أسأل: بأي منطق؟

عندما يلخص لي الذكاء الاصطناعي رواية، أسأل: ماذا حذف؟

عندما يقترح علي تأويلًا، أسأل: ما التأويلات التي لم يذكرها؟

أطلق على هذه القدرة اسم الوعي الخوارزمي.

وهو لا يعني أن أصبح مبرمجًا، بل أن أدرك أن المنصة ليست نافذة شفافة على العالم.

فالخوارزمية تقوم بالاختيار والترتيب والتفضيل.

وقد بيّن كاس سانستين، في نقاشاته حول البيئات الإعلامية المخصصة، أن الإفراط في التخصيص يمكن أن يطرح أسئلة تتعلق بالتعرض للمختلف وبالمجال العام المشترك [13]. وما ينطبق على الأخبار والنقاش العمومي يمكن أن يمتد، مع تعديلات ضرورية، إلى الثقافة الأدبية نفسها.

سلطة الظهور في الحقل الأدبي

من هنا أعتقد أن النقد الأدبي يحتاج إلى توسيع أسئلته.

لم يعد السؤال:

ما قيمة النص؟

ولا:

كيف بناه الكاتب؟

ولا حتى:

كيف تلقاه القارئ؟

بل علينا أن نضيف:

كيف ظهر النص أصلًا أمام القارئ؟

هذا السؤال سيزداد أهمية.

فالوساطة الثقافية عرفت تاريخيًا الناقد والناشر والصحيفة والمكتبة والجامعة والجائزة الأدبية. أما اليوم فقد انضم إلى هؤلاء وسيط آخر: نظام الترتيب والتوصية.

وهنا تظهر سلطة جديدة أسميها سلطة الظهور الخوارزمي.

فقد لا يكون العمل الأكثر ظهورًا هو الأفضل، ولا الأكثر مبيعًا هو الأعمق، ولا الأكثر تداولًا هو الأكثر قدرة على البقاء تاريخيًا.

لكن الظهور يولد القراءة، والقراءة تولد البيانات، والبيانات قد تولد مزيدًا من الظهور.

وهكذا يمكن أن تنشأ حلقة تضخم ثقافي يصعب فصل القيمة فيها عن آليات المنصة.

كتاب يظهر لأنه مشهور، ويصبح أكثر شهرة لأنه يظهر.

أما الكتاب الذي لم تمنحه الخوارزمية لحظة الرؤية الأولى فقد يبقى خارج الدورة، مهما كانت قيمته المحتملة.

هل تصبح الخوارزمية ناقدًا خفيًا؟

أصل هنا إلى سؤال قد يبدو استفزازيًا:

هل أصبحت الخوارزمية نوعًا من الناقد الأدبي الخفي؟

لا أقول ذلك بالمعنى الكامل للنقد؛ فهي لا تمتلك بالضرورة مشروعًا جماليًا أو موقفًا فلسفيًا من الأدب.

لكنها تقوم ببعض الوظائف التي تؤثر في تشكيل القيمة: الاختيار، والترتيب، والربط، والتفضيل، والتوصية.

غير أن الفرق بين الناقد والخوارزمية مهم.

فالناقد يمكن مساءلته عن معاييره.

يمكنني قراءة مقاله ومعرفة منطقه وربما الاعتراض عليه.

أما كثير من عمليات الترتيب الخوارزمية فتظل بعيدة عن الرؤية المباشرة للمستخدم.

وهذا ما يجعل السلطة الخوارزمية مرتبطة أيضًا بما تسميه بوخر «سياسات الإحساس الخوارزمية»، أي الطريقة التي يدرك بها المستخدم حضور السلطة الحسابية حتى عندما لا يعرف تفاصيل عملها [5].

أشعر أنها موجودة.

أعرف أن شيئًا يختار لي.

لكنني لا أعرف دائمًا لماذا اختار هذا بدل ذاك.

الأدب بوصفه مقاومة للتنبؤ

ومع ذلك لا أريد إنهاء هذه القراءة بنبرة تشاؤمية.

فالأدب يمتلك خاصية تجعل إخضاعه الكامل للتوقع أمرًا بالغ الصعوبة.

يمكن للآلة أن تخبرني بأن أشخاصًا يشبهونني أحبوا رواية بعينها.

لكنها لا تستطيع أن تضمن أي جملة ستصيبني في العمق.

يمكنها أن تلخص القصيدة.

لكنها لا تستطيع اختزال اللحظة التي يتحول فيها سطر واحد إلى جزء من ذاكرتي.

يمكنها أن تصنف الكتاب ضمن نوع أدبي.

لكن العمل القوي كثيرًا ما يبدأ تحديدًا في اللحظة التي يفلت فيها من تصنيفه.

وهذا هو المجال الذي أرى فيه قوة القراءة الإنسانية.

الخوارزمية تبحث عن النمط.

أما الأدب فيستطيع أن يصنع الاستثناء.

الخوارزمية تتعلم من الماضي كي تتنبأ بالمستقبل.

أما الكتاب فقد يجعلني أقطع الصلة بين الماضي والمستقبل.

أفق الانتظار الخوارزمي باعتباره مفهومًا نقديًا مقترحًا

لهذه الأسباب أقترح استعمال «أفق الانتظار الخوارزمي» باعتباره مفهومًا إجرائيًا يقع عند تقاطع عدة حقول: جمالية التلقي [1][2]، والسيميائيات ونظريات القارئ [3]، ودراسات الخوارزميات [4][5][6]، ونقد التخصيص [7]، ودراسات التحيز الخوارزمي [8]، واقتصاد البيانات والمراقبة [9][10]، ونظريات الإدراك البشري ــ التقني [11]، ودراسات المنصات [12].

وأقصد به:

مجموعة التوقعات والتصورات والاستعدادات التأويلية التي يدخل بها القارئ إلى النص، والتي لم تعد تتشكل من خبرته الثقافية والجمالية السابقة وحدها، بل تشارك في إنتاجها أنظمة التوصية والبحث والترتيب والتخصيص والذكاء الاصطناعي.

وفق هذا التعريف، لا تحل الخوارزمية محل القارئ، ولا تحل البيانات محل الوعي.

بل يدخل طرف ثالث إلى العلاقة التقليدية:

النص ــ القارئ ــ الخوارزمية.

ومن تفاعل الأضلاع الثلاثة ينبثق شكل جديد من التلقي.

خاتمة: من ينتظر من؟

كان السؤال المركزي في جمالية التلقي:

ماذا ينتظر القارئ من النص؟

أما السؤال الذي يبدو لي أكثر إلحاحًا اليوم فهو:

من يصنع ما ينتظره القارئ قبل أن يصل إلى النص؟

هذا التحول الصغير في صياغة السؤال يكشف انقلابًا معرفيًا كبيرًا.

فأنا لم أعد أريد فقط أن أعرف كيف أقرأ النصوص، وإنما كيف أصبحت النصوص تصل إليّ.

ولا أريد فقط أن أفهم ذائقتي، بل أن أفهم من يشارك في تكوينها.

ولا أريد فقط أن أختار داخل القوائم التي تعرضها الشاشة، بل أن أحتفظ لنفسي بحق الخروج من القائمة.

إن أكبر خطر قد يواجه القراءة في المستقبل ليس أن تتوقف الخوارزمية عن فهمنا، بل أن تصبح بارعة جدًا في فهم نسخنا الماضية فتمنعنا، من حيث لا نشعر، من اكتشاف النسخ التي كان يمكن أن نصبحها.

لهذا فإن الدفاع عن القراءة في العصر الخوارزمي هو، بالنسبة إلي، دفاع عن المفاجأة.

عن الكتاب غير المتوقع.

عن الجملة التي لم يبحث عنها أحد.

عن المصادفة.

وعن حق القارئ في أن يخيّب توقعات الآلة عنه.

هناك، في تلك المسافة الدقيقة بين ما تعرفه الخوارزمية عني وما لم أعرفه أنا بعد عن نفسي، يبدأ ما أسميه:

أفق الانتظار الخوارزمي.


المراجع والمصادر

[1] Jauss, Hans Robert. Toward an Aesthetic of Reception. Translated by Timothy Bahti. University of Minnesota Press, 1982.

[2] Iser, Wolfgang. The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response. Johns Hopkins University Press, 1978.

[3] Eco, Umberto. The Role of the Reader: Explorations in the Semiotics of Texts. Indiana University Press, 1979.

[4] Gillespie, Tarleton. “The Relevance of Algorithms.” In Media Technologies: Essays on Communication, Materiality, and Society, edited by Tarleton Gillespie, Pablo J. Boczkowski, and Kirsten A. Foot. MIT Press, 2014.

[5] Bucher, Taina. If...Then: Algorithmic Power and Politics. Oxford University Press, 2018.

[6] Striphas, Ted. “Algorithmic Culture.” European Journal of Cultural Studies, Vol. 18, No. 4–5, 2015, pp. 395–412.

[7] Pariser, Eli. The Filter Bubble: What the Internet Is Hiding from You. Penguin Press, 2011.

[8] Noble, Safiya Umoja. Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce Racism. New York University Press, 2018.

[9] Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power. PublicAffairs, 2019.

[10] Couldry, Nick, and Ulises A. Mejias. The Costs of Connection: How Data Is Colonizing Human Life and Appropriating It for Capitalism. Stanford University Press, 2019.

[11] Hayles, N. Katherine. Unthought: The Power of the Cognitive Nonconscious. University of Chicago Press, 2017.

[12] van Dijck, José, Thomas Poell, and Martijn de Waal. The Platform Society: Public Values in a Connective World. Oxford University Press, 2018.

[13] Sunstein, Cass R. #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media. Princeton University Press, 2017.


0 التعليقات: