الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 05، 2026

أُسْبُوعُ المِيديا: الصَّحافَةُ بَيْنَ السُّلْطَةِ وَالخَوَارِزْمِيّاتِ وَإِعَادَةِ هَيْكَلَةِ السُّوق : عبده حقي


عَرَفَ الأُسْبُوعُ المُمْتَدُّ تَقْريبًا مِنْ 28 شتنبر/سبتمبر إلى 4 أكتوبر 2026 جُمْلَةً مِنَ التَّحَوُّلاتِ وَالأَحْداثِ اللاّفِتَةِ في عالَمِ الصَّحافَةِ وَالإِعْلامِ والمِيديا، مِنَ المَغْرِبِ إِلى العالَمِ العَرَبِيِّ، وَمِنْ أُورُوبّا إِلى الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ. وما يَلْفِتُ الانْتِباهَ أَنَّ أَغْلَبَ الأَخْبارِ لَمْ تَعُدْ تَدورُ حَوْلَ الجَرائِدِ وَالقَنَواتِ بِمَفْهومِها التَّقْليدِيِّ فَقَطْ، بَلْ حَوْلَ مَنْ يَمْلِكُ المِيديا، وَمَنْ يَضْمَنُ اسْتِقْلالَها، وَماذا يَفْعَلُ الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ بِحَرَكَةِ القُرّاءِ، وَإِلى أَيِّ حَدٍّ تَسْتَطيعُ السُّلْطَةُ السِّياسِيَّةُ أَنْ تَفْرِضَ شُروطَها عَلى الصَّحافَةِ.

المَغْرِبُ: مَجْلِسُ الصَّحافَةِ يَعُودُ إِلى وَاجِهَةِ النِّقاشِ

كانَ مِنْ أَبْرَزِ مَلَفّاتِ المِيديا في المَغْرِبِ خِلالَ الأُسْبُوعِ الماضِي تَطَوُّرُ الهَيْكَلَةِ الدّاخِلِيَّةِ لِـالمَجْلِسِ الوَطَنِيِّ لِلصَّحافَةِ. فَقَدْ أَوْرَدَتْ «هسبريس» يَوْمَ 2 أُكْتُوبَر خَبَرَ اسْتِكْمالِ هَيْكَلَةِ لِجانِ المَجْلِسِ، في وَقْتٍ كانَتْ فيهِ قَضايا التَّمْثيلِ وَالتَّدْبيرِ المِهْنِيِّ لِلصَّحافَةِ تَعودُ بِقُوَّةٍ إِلى النِّقاشِ العُمومِيِّ. 

وَتَزامَنَ ذٰلِكَ مَعَ تَطَوُّرٍ قَضائِيٍّ مُهِمٍّ، إِذْ أَشارَتْ «Médias24» يَوْمَ 30 شتنبر إِلى أَنَّ المَحْكَمَةَ الإِدارِيَّةَ بِالرِّباطِ أَلْغَتْ انْتِخابَ عَبْدِ الكَبيرِ أَخْشيشَن عُضْوًا في المَجْلِسِ عَنْ فِئَةِ الصَّحافِيِّينَ المِهْنِيِّينَ، مِمّا فَتَحَ الطَّريقَ أَمامَ أَمين الخياري، الَّذي حَلَّ بَعْدَهُ في التَّرْتيبِ، لِشَغْلِ المَقْعَدِ. 

هٰذا التَّطَوُّرُ لَيْسَ تِقَنِيًّا فَقَطْ؛ فَمَجْلِسُ الصَّحافَةِ يَقِفُ في مَكانٍ حَسّاسٍ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالمِهْنَةِ وَالمُقاوَلاتِ الإِعْلامِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ أَيَّ خِلافٍ حَوْلَ تَمْثيلِ الصَّحافِيِّينَ أَوْ طَريقَةِ تَشْكيلِ الهَيئاتِ يَتَحَوَّلُ سَريعًا إِلى نِقاشٍ أَكْبَرَ حَوْلَ اسْتِقْلالِيَّةِ التَّنْظيمِ الذّاتِيِّ وَمَدَى قُدْرَتِهِ عَلى الدِّفاعِ عَنِ الصَّحافَةِ، لا مُجَرَّدِ إِدارَتِها.

الإِعْلامُ الدَّوْلِيُّ يَضَعُ المَغْرِبَ في الوَاجِهَةِ

أَحْدُ المَظاهِرِ اللاّفِتَةِ خِلالَ الأُسْبُوعِ كانَ حُضورَ المَغْرِبِ بِقُوَّةٍ في التَّغْطِيَةِ الدَّوْلِيَّةِ، خُصُوصًا بَعْدَ التَّطَوُّراتِ السِّياسِيَّةِ الَّتي شَهِدَتْها البِلادُ في نِهايَةِ شتنبر. وَأَشارتْ «هسبريس» يَوْمَي 29 وَ30 شتنبر إِلى حَجْمِ مُتابَعَةِ وَسائِلِ الإِعْلامِ الدَّوْلِيَّةِ لِهٰذِهِ التَّطَوُّراتِ.

وَهٰنا يَظْهَرُ تَغَيُّرٌ آخَرُ في عَمَلِ المِيديا: فَالمَغْرِبُ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ مَوْضوعٍ مُحَلِّيٍّ تَتَداوَلُهُ الصُّحُفُ الدّاخِلِيَّةُ، بَلْ صارَتِ الأَخْبارُ المَغْرِبِيَّةُ تُقْرَأُ مِنْ زَوايا دُوَلِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، سِياسِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ وَحُقوقِيَّةٍ. وَهٰذا يَطْرَحُ عَلى الإِعْلامِ المَغْرِبِيِّ سُؤالًا حَسّاسًا: هَلْ يَكْتَفي بِتَلَقّي السَّرْدِيَّةِ الدُّوَلِيَّةِ عَنْ نَفْسِهِ، أَمْ يَنْتُجُ خِطابًا مِهْنِيًّا قادِرًا عَلى المُنافَسَةِ خارِجَ الحُدودِ؟

وتُشيرُ صُورَةٌ أَوْسَعُ لِلإِعْلامِ المَغْرِبِيِّ في 2026 إِلى أَنَّ المِنَصّاتِ وَالفيديو الرَّقْمِيَّ وَصُنّاعَ المُحْتَوى يَزْدادونَ تَأْثيرًا في اسْتِهْلاكِ الأَخْبارِ، في سِياقٍ لا تَزالُ فيهِ الثِّقَةُ في الأَخْبارِ مَحْدودَةً. 

العالَمُ العَرَبِيُّ: مِصْرُ وَاخْتِبارُ حُرِّيَّةِ الصَّحافَةِ

في العالَمِ العَرَبِيِّ، بَرَزَتْ مِصْرُ في واحِدَةٍ مِنْ أَشَدِّ قَضايا الأُسْبُوعِ إِثَارَةً لِلجَدَلِ. فَقَدْ أَفادَتْ «الغارديان» في 4 أُكْتُوبَر بِأَنَّ الصَّحافِيَّ المِصْرِيَّ محمد أشرف وُجِّهَتْ إِلَيْهِ تُهَمٌ تَتَعَلَّقُ بِالانْضِمامِ إِلى جَماعَةٍ إِرْهابِيَّةٍ وَنَشْرِ أَخْبارٍ كاذِبَةٍ، بَعْدَ تَوْقيفِ صَحافِيِّينَ يَعْمَلونَ في مَنَصَّةٍ تَحْقيقِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَسَطَ إِداناتٍ حُقوقِيَّةٍ وَمَطالِبَ مِنْ نِقابَةِ الصَّحافِيِّينَ بِالإِفْراجِ عَنْهُمْ. 

المَسْأَلَةُ هُنا أَعْمَقُ مِنْ مَلَفٍّ قَضائِيٍّ. فَالصَّحافَةُ الاسْتِقْصائِيَّةُ في العالَمِ العَرَبِيِّ تَعْمَلُ غالبًا في مِنْطَقَةٍ شَديدَةِ الخُطورَةِ؛ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ تَنْتَقِلَ المُحاسَبَةُ مِنَ الرَّدِّ عَلَى مَقالٍ إِلى التَّشْكيكِ في شَرْعِيَّةِ المَنَصَّةِ نَفْسِها، أَوِ اسْتِخْدامِ تُهَمٍ أَمْنِيَّةٍ واسِعَةٍ. وَهٰذا يُحَوِّلُ الصَّحافِيَّ مِنْ مُراقِبٍ لِلسُّلْطَةِ إِلى شَخْصٍ مَعْرَّضٍ بِاسْتِمْرارٍ لِأَنْ يُصْبِحَ هُوَ نَفْسُهُ مَوْضوعًا لِلْمُلاحَقَةِ.

المِيديا العَرَبِيَّةُ تُناقِشُ تَراجُعَ تَغْطِيَةِ غَزَّةَ وَسُلْطَةَ الخَوَارِزْمِيّاتِ

لَمْ يَقْتَصِرِ النِّقاشُ العَرَبِيُّ عَلى حُرِّيَّةِ الصَّحافَةِ. فَقَدْ شَهِدَ الأُسْبُوعُ مَوادَّ وَتَحْليلاتٍ مُكْثَّفَةً حَوْلَ تَراجُعِ حُضورِ بَعْضِ الأَخْبارِ في المَشْهَدِ الرَّقْمِيِّ، وَحَوْلَ الدَّوْرِ الَّذي تَلْعَبُهُ الخَوَارِزْمِيّاتُ في رَفْعِ قَضايا وَإِخْفاءِ أُخْرى. وَرَصَدَتْ صَفْحَةُ الإِعْلامِ في «الجزيرة نت» خِلالَ الفَتْرَةِ نَفْسِها نِقاشاتٍ حَوْلَ تَراجُعِ أَخْبارِ غَزَّةَ، وَحَوْلَ «المَواقِعِ الوَهْمِيَّةِ» الَّتي تَتَنَكَّرُ في شَكْلِ مَنابِرَ صَحَفِيَّةٍ لِلتَّأْثيرِ في النّاخِبينَ. 

وَهٰذا يَعْني أَنَّ المَعْرَكَةَ الإِعْلامِيَّةَ لَمْ تَعُدْ بَيْنَ جَريدَةٍ وَجَريدَةٍ، بَلْ بَيْنَ الصَّحافَةِ وَبِنْيَةِ التَّوْزيعِ الرَّقْمِيَّةِ نَفْسِها. فَالخَبَرُ الَّذي لا تَدْفَعُهُ الخَوَارِزْمِيَّةُ قَدْ يَخْتَفي، مَهْما كانَتْ قِيمَتُهُ المِهْنِيَّةُ.

أُورُوبّا: الـBBC بَيْنَ التَّقَشُّفِ وَمُسْتَقْبَلِ القَنَواتِ

في أُورُوبّا، خُصُوصًا في بريطانيا، عادَ مُسْتَقْبَلُ البَثِّ العُمومِيِّ إِلى الوَاجِهَةِ. فَقَدْ أَشارَتْ «الغارديان» في 2 أُكْتُوبَر إِلى تَزايُدِ مَخاوِفِ العَامِلينَ في BBC مِنْ إِمْكانِيَّةِ إِغْلاقِ قَناتَي BBC Three وَBBC Scotland أَوْ تَحْويلِهِما إِلى نَمَطٍ أَكْثَرَ رَقْمِيَّةً، في إِطارِ خُطَّةِ تَوْفيرٍ تُقَدَّرُ بِمِئاتِ المَلايينِ مِنَ الجُنَيْهاتِ. 

المُهِمُّ هُنا أَنَّ أَزْمَةَ البَثِّ العُمومِيِّ لَمْ تَعُدْ مُرْتَبِطَةً بِالجُمْهورِ فَقَطْ، بَلْ بِالكُلْفَةِ. فَهَلْ يُمْكِنُ لِمُؤَسَّسَةٍ تاريخِيَّةٍ كَـBBC أَنْ تَسْتَمِرَّ في تَمْويلِ شَبَكَةٍ واسِعَةٍ مِنَ القَنَواتِ في عَصْرِ نِتفليكس وَيوتيوب وَتيك توك؟ وَهَلِ الانْتِقالُ إِلى الرَّقْمِيِّ تَطَوُّرٌ طَبيعِيٌّ أَمْ تَقَلُّصٌ مُقَنَّعٌ لِخِدْمَةِ الإِعْلامِ العُمومِيِّ؟

وفي الأُسْبوعِ نَفْسِهِ، رَفَعَ رجل الأعمال ديفيد سوليفان دَعْوى بِقِيمَةِ 150 مِلْيونَ جُنَيْهٍ ضِدَّ BBC بِشَأْنِ حَلْقَةٍ مِنْ «بانوراما»، مِمّا أَعادَ إِلى الوَاجِهَةِ المَخاطِرَ القانونِيَّةَ الَّتي تُواجِهُ الصَّحافَةَ الاسْتِقْصائِيَّةَ. 

بَريطانيا أَيْضًا: قانُونُ الاشْتِراكاتِ وَمُسْتَقْبَلُ عَلاقَةِ الصُّحُفِ بِالقُرّاءِ

وفي 4 أُكْتُوبَر، بَرَزَ نِقاشٌ جَديدٌ حَوْلَ قانُونٍ بَريطانيٍّ يَفْرِضُ ضَوابِطَ أَكْثَرَ صَرامَةً عَلى نِظامِ الاشْتِراكاتِ، مِنْ بَيْنِها تَذْكيرُ المُشْتَرِكينَ بِالْمَدْفوعاتِ وَتَيْسيرُ الإِلْغاءِ عَبْرَ الإِنْتَرْنِت. وَيَمَسُّ هٰذا القانُونُ مُباشَرَةً اِسْتِراتِيجِيّاتِ الصُّحُفِ الَّتي تَعْتَمِدُ بِشَكْلٍ مُتَزايِدٍ عَلى الاشْتِراكاتِ الرَّقْمِيَّةِ. 

إِذا كانَتِ الإِعْلاناتُ قَدْ تَراجَعَتْ وَحَجْمُ الزِّياراتِ الآتِيَةِ مِنْ مُحَرِّكاتِ البَحْثِ مُهَدَّدًا بِسَبَبِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ، فَإِنَّ الاشْتِراكَ المُباشِرَ بَيْنَ القارِئِ وَالمُؤَسَّسَةِ أَصْبَحَ واحِدًا مِنْ آخِرِ مَصادِرِ الاسْتِقْرارِ المالِيِّ لِلصَّحافَةِ.

أُورُوبّا: الصَّحافَةُ المَحَلِّيَّةُ وَخَطَرُ المُقاطَعَةِ السِّياسِيَّةِ

في بريطانيا أَيْضًا، أَثَارَ مَجْلِسٌ مَحَلِّيٌّ تُديرُهُ Reform UK جَدَلًا بَعْدَ مُقاطَعَةِ صَحافِيٍّ مَحَلِّيٍّ إثْرَ خِلافٍ حَوْلَ تَغْطِيَةِ مُشْكِلَةِ الطُّرُقِ. وَرَأَى مُدافِعونَ عَنِ الصَّحافَةِ أَنَّ مِثْلَ هٰذِهِ المُمارَساتِ تَضْرِبُ وَظيفَةَ الصَّحافَةِ المَحَلِّيَّةِ في مُراقَبَةِ السُّلْطاتِ اليَوْمِيَّةِ. 

وَهٰذا يَذْكُرُنا بِأَنَّ حُرِّيَّةَ الصَّحافَةِ لا تُخْتَبَرُ فَقَطْ في الحُروبِ وَالعَواصِمِ؛ بَلْ أَيْضًا عِنْدَما يَسْأَلُ صَحافِيٌّ مَحَلِّيٌّ عَنْ حُفْرَةٍ في طَريقٍ أَوْ عَقْدٍ بَلَدِيٍّ أَوْ ميزانِيَّةٍ صَغيرَةٍ.

أَمْريكا: المَعْرَكَةُ بَيْنَ البَيْتِ الأَبْيَضِ وَالمِيديا تَدْخُلُ المَحاكِمَ

أَمّا في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ فَقَدْ بَقِيَ الصِّراعُ بَيْنَ إِدارَةِ الرَّئيسِ دونالد ترامب وَمُؤَسَّساتٍ إِعْلامِيَّةٍ كُبْرى في وَاجِهَةِ الأَخْبارِ. وَخِلالَ الأُسْبُوعِ الماضِي، طَلَبَتْ CNN وَMS NOW وَPolitico مِنْ مَحْكَمَةٍ فِدْرالِيَّةٍ مَنْعَ البَيْتِ الأَبْيَضِ مِنْ تَنْفيذِ قَرارِ حَظْرِ وُصولِ مُراسِليها إِلى المَقَرِّ الرِّئاسِيِّ إِلى حِينِ البَتِّ في الدَّعْوى. 

وكانَ القَرارُ الأَصْلِيُّ قَدْ أُعْلِنَ في 18 شتنبر، ثُمَّ طُبِّقَ عَلى الأَرْضِ، بَيْنَما رأى خُبَراءُ قانونِيّونَ أَنَّ مَنْعَ الصُّحُفِ بِسَبَبِ طَبيعَةِ تَغْطِيَتِها قَدْ يَتَعارَضُ مَعَ حِماياتِ التَّعْديلِ الأَوَّلِ لِلدُّسْتورِ الأَمْريكِيِّ. 

وَهٰذِهِ المَعْرَكَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِثَلاثِ مُؤَسَّساتٍ فَقَطْ. فَإِذا أَصْبَحَتِ السُّلْطَةُ قادِرَةً عَلى فَرْزِ الصَّحافِيِّينَ وَفْقَ ما تُحِبُّهُ مِنَ التَّغْطِيَةِ، فَإِنَّ الصَّحافَةَ تَتَحَوَّلُ تَدْريجِيًّا مِنْ رَقيبٍ إِلى ضَيْفٍ يَحْتاجُ إِلى مَوافَقَةِ مَنْ يُراقِبُهُ.

CNN وَCBS تَحْتَ مِظَلَّةٍ واحِدَةٍ: هَلْ يَصْمُدُ الاسْتِقْلالُ التَّحْريرِيُّ؟

مِنْ أَكْبَرِ أَخْبارِ المِيديا الأَمْريكِيَّةِ أَيْضًا ما أَفادَتْ بِهِ رويترز في 1 أُكْتُوبَر بِأَنَّ رَئيسَ Paramount، ديفيد إليسون، طَلَبَ مِنْ رَئيسِ CNN مارك تومسون الاسْتِمْرارَ في مَنْصِبِهِ بَعْدَ اسْتِحْواذٍ ضَخْمٍ جَمَعَ Warner Bros Discovery وَParamount، مِمّا وَضَعَ CNN وَCBS News تَحْتَ مِلْكِيَّةٍ واحِدَةٍ. وَأَشارتِ التَّقارِيرُ إِلى أَنَّ تومسون يَطْلُبُ ضَماناتٍ بِالاسْتِقْلالِ التَّحْريرِيِّ. 

هٰذا المَلَفُّ مِثالٌ واضِحٌ عَلى المُفارَقَةِ الكُبْرى في صِناعَةِ المِيديا: فَالمُؤَسَّساتُ تَحْتاجُ إِلى رُؤوسِ أَمْوالٍ هائِلَةٍ لِلبَقاءِ، لٰكِنَّ كُلَّ انْدِماجٍ ماليٍّ كَبيرٍ يَزيدُ في المُقابِلِ مِنْ خَطَرِ تَرَكُّزِ المِلْكِيَّةِ وَتَراجُعِ التَّنَوُّعِ.

كولومبيا وَتَعْليمُ الصَّحافَةِ: السِّياسَةُ تَصِلُ إِلى قاعَةِ الدَّرْسِ

وفي 2 أُكْتُوبَر، أَفادَتْ رويترز بِأَنَّ كُلِّيَّةَ الصَّحافَةِ في جامعة كولومبيا عَلَّقَتِ القَبولَ في أَحَدِ بَرامِجِ الماجستير لِعامٍ واحِدٍ مِنْ أَجْلِ إِعادَةِ تَصْميمِهِ، وَذَكَرَتْ أَنَّ تَراجُعَ طَلَباتِ الطُّلّابِ الدَّوْلِيِّينَ، المُرْتَبِطَ بِسِياساتِ التَّأْشيراتِ الأَمْريكِيَّةِ، كانَ مِنَ العَوامِلِ المُؤَثِّرَةِ في القَرارِ. 

وَهُنا نَرى كَيْفَ يَتَجاوَزُ تَأْثيرُ السِّياسَةِ غُرَفَ التَّحْريرِ إِلى مَدارِسِ الصَّحافَةِ نَفْسِها. فَعِنْدَما يَصْعُبُ عَلى الطّالِبِ الأَجْنَبِيِّ دُخولُ البَلَدِ، فَإِنَّ الخَسارَةَ لا تَقْتَصِرُ عَلى الجامِعَةِ، بَلْ تَمَسُّ تَنَوُّعَ الصَّحافَةِ وَالخِبْراتِ وَالثَّقافاتِ داخِلَ غُرَفِ الأَخْبارِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ.

الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ يَضْغَطُ عَلى نَموذَجِ الصَّحافَةِ الاقْتِصادِيِّ

بِجانِبِ هٰذِهِ الأَخْبارِ السِّياسِيَّةِ وَالمِهْنِيَّةِ، يَبْقى الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ هُوَ التَّحَوُّلَ الأَعْمَقَ الَّذي يَضْغَطُ عَلى عالَمِ المِيديا. فَالمُؤَسَّساتُ الإِعْلامِيَّةُ تَخْشى بِشَكْلٍ مُتَزايِدٍ مِنْ أَنْ تُقَدِّمَ مُحَرِّكاتُ البَحْثِ وَالمُساعِداتُ الذَّكِيَّةُ مُلَخَّصاتِ الأَخْبارِ لِلقارِئِ مِنْ دونِ أَنْ يَضْطَرَّ إِلى زِيارَةِ مَوْقِعِ الجَريدَةِ أَصْلًا، مِمّا يُهَدِّدُ عائِداتِ الإِعْلانِ وَالزِّياراتِ. وَهٰذا هُوَ ما وَصَفَهُ ناشِرونَ سابِقًا بِبِدايَةِ «نِهايَةِ عَصْرِ التَّرافيك». 

وفي الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ تَزامَنَ ذٰلِكَ خِلالَ الأُسْبُوعِ مَعَ مُواصَلَةِ الجَدَلِ حَوْلَ حُقوقِ النَّشْرِ وَاسْتِخْدامِ المَوادِّ الصَّحَفِيَّةِ في تَدْريبِ أَنْظِمَةِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ، وَدَعَواتِ ناشِرينَ إِلى تَعْزيزِ الحِمايَةِ القانونِيَّةِ لِلمُحْتَوى الصَّحَفِيِّ. 

خُلاصَة: الصَّحافَةُ لَمْ تَعُدْ تُقاتِلُ عَلى الخَبَرِ فَقَطْ

إِذا كانَ هُناكَ خَيْطٌ واحِدٌ يَرْبِطُ أَخْبارَ المِيديا في المَغْرِبِ وَالعالَمِ العَرَبِيِّ وَأُورُوبّا وَأَمْريكا خِلالَ الأُسْبُوعِ الماضِي، فَهُوَ أَنَّ الصَّحافَةَ لَمْ تَعُدْ تُقاتِلُ فَقَطْ مِنْ أَجْلِ السَّبْقِ الصَّحَفِيِّ، بَلْ مِنْ أَجْلِ حَقِّها في الوُجودِ نَفْسِهِ.

في المَغْرِبِ يَظْهَرُ النِّقاشُ في سُؤالِ تَنْظيمِ المِهْنَةِ وَتَمْثيلِ الصَّحافِيِّينَ. وفي بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ يَأْخُذُ شَكْلَ صِراعٍ حَوْلَ الحُرِّيّاتِ وَالاسْتِقْلالِ. وفي أُورُوبّا تَفْرِضُ أَزْمَةُ التَّمْويلِ نَفْسَها عَلى الإِعْلامِ العُمومِيِّ وَالصُّحُفِ. أَمّا في أَمْريكا فَتَتَداخَلُ السِّياسَةُ وَالقَضاءُ وَانْدِماجاتُ الشَّرِكاتِ الكُبْرى وَالذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ في مَعْرَكَةٍ واحِدَةٍ.

والخَطَرُ الأَكْبَرُ في رَأْيي لَيْسَ اخْتِفاءَ الجَريدَةِ الوَرَقِيَّةِ أَوْ إِغْلاقَ قَناةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ أَنْ تَفْقِدَ الصَّحافَةُ تَدْريجِيًّا اسْتِقْلالَها الاقْتِصادِيَّ وَالسِّياسِيَّ وَالتِّقْنِيَّ في آنٍ واحِدٍ. فَالصَّحافِيُّ اليَوْمَ لا يُواجِهُ الرَّقيبَ فَقَطْ؛ إِنَّهُ يُواجِهُ مالِكَ الشَّرِكَةِ، وَالخَوَارِزْمِيَّةَ، وَالسُّلْطَةَ، وَتَراجُعَ ثِقَةِ الجُمْهورِ، وَآلةً ذَكِيَّةً قادِرَةً عَلى تَلْخيصِ ما كَتَبَهُ مِنْ دونِ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْهِ قارِئًا واحِدًا.

وَلِهٰذا فَإِنَّ مَعْرَكَةَ المِيديا في 2026 لَيْسَتْ مَعْرَكَةَ وَسيلَةٍ ضِدَّ أُخْرى، بَلْ مَعْرَكَةُ مَنْ يَمْلِكُ المَعْلومَةَ، وَمَنْ يُمَوِّلُها، وَمَنْ يُوَزِّعُها، وَمَنْ يَقْرِّرُ أَيَّ خَبَرٍ يَصِلُ إِلَيْنا وَأَيَّ خَبَرٍ يَخْتَفي مِنْ شاشاتِنا.


0 التعليقات: