الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أكتوبر 21، 2026

مادخل الكوفية الفلسطينية وسط شوارع فرنسا الملتهبة ؟ عبده حقي


شهدت فرنسا يوم 17 أكتوبر 2026 واحدة من أكثر موجات الاحتجاج الاجتماعي اضطرابًا خلال الفترة الأخيرة، إذ خرج مئات الآلاف إلى الشوارع احتجاجًا على غلاء المعيشة وتدهور الخدمات العمومية، وفي مقدمتها التعليم، قبل أن تنفصل عن المسيرات السلمية مجموعات دخلت في مواجهات مع قوات الأمن وعمليات تكسير ونهب وإحراق في عدد من المدن الفرنسية. وتحدثت وزارة الداخلية الفرنسية عن نحو 550 ألف مشارك، بينما رفعت الجهات المنظمة الرقم إلى نحو 800 ألف، في مشهد كشف حجم الغضب الاجتماعي بقدر ما كشف هشاشة قدرة السلطات على السيطرة على مجموعات العنف التي تحركت على هامش الاحتجاجات.  

وتأتي الصورة الأولى المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي ضمن هذا السياق المتوتر. فهي تظهر مجسمًا كبيرًا لحصان مغطى بما يشبه الكوفية الفلسطينية والعلم الفلسطيني وسط تجمع جماهيري. وقد أرفقت الصورة بادعاء عربي يقول إن هناك «ريلز رائجًا بين الفرنسيين» يسعى إلى إظهار تورط من سماهم المنشور «كوفيي فرنسا» في أعمال التخريب والنهب خلال احتجاجات 17 أكتوبر.

لكن الانتقال من وجود رمز فلسطيني داخل مظاهرة إلى القول إن أصحاب هذا الرمز متورطون جماعيًا في التخريب يمثل قفزة استنتاجية لا تسندها الأدلة المتاحة حتى الآن. فالصور تستطيع إثبات وجود راية أو كوفية في مكان ما، لكنها لا تستطيع، من دون توثيق إضافي، إثبات هوية من حطم واجهة متجر أو أشعل النار في مبنى أو شارك في عملية نهب.

وتشير التغطيات الميدانية إلى أن مظاهرات 17 أكتوبر جمعت أطيافًا متعددة: طلابًا، ونقابيين، وأصحاب مطالب اجتماعية، وبعض أنصار «السترات الصفراء»، ومجموعات من اليسار الراديكالي، إضافة إلى شبان وناهبين استغلوا الفوضى. صحيفة «لوموند» تحدثت تحديدًا عن وجود مجموعات مستقلة جاءت وهي مستعدة للصدام، وعن امتداد عمليات النهب مع مرور الساعات، بما فيها اقتحام متاجر وتحطيم واجهات تجارية. 

كما أفادت وكالة رويترز بأن السلطات الفرنسية ألقت جانبًا من المسؤولية السياسية عن العنف على مجموعات من أقصى اليسار، بينما أقرت الحكومة في الوقت نفسه بوجود إخفاقات كبيرة في التقديرات الاستخباراتية وانتشار الشرطة. ولم تقدم السلطات الفرنسية، بحسب المعلومات المنشورة حتى الآن، تصنيفًا رسميًا يقول إن «أنصار فلسطين» أو «حاملي الكوفية» كانوا الكتلة التي قادت أعمال التخريب. 

بل إن التدقيق في الخطابات التي انتشرت عقب الأحداث يفرض حذرًا إضافيًا. فقد ظهرت محاولات سياسية وإعلامية لربط الاضطرابات بالمهاجرين أو بالمسلمين بصورة عامة، إلا أن وكالة أسوشيتد برس أشارت إلى غياب الأدلة التي تسمح بمثل هذا التعميم، موضحة أن السلطات لم تنسب أعمال العنف إلى جماعة دينية أو إثنية محددة. 

الصورة الثانية تفتح ملفًا مختلفًا، وإن كان مرتبطًا بالمناخ السياسي نفسه. وهي صورة للنائبة الأوروبية الفرنسية الفلسطينية ريما حسن، تحمل شعار قناة LCP الفرنسية، وعليها عبارة تفيد بطلب النيابة الحكم عليها بعشرة أشهر سجنًا مع وقف التنفيذ وسنتين من عدم الأهلية الانتخابية، خلال محاكمتها بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وهذه المعلومة صحيحة في جوهرها، ولكن يجب الانتباه إلى كلمة «طُلب». فالنيابة العامة طالبت يوم 20 أكتوبر 2026 بهذه العقوبة، لكن المحكمة لم تكن قد أصدرت حكمها النهائي وقت نشر الخبر، وحدد موعد النطق بالحكم في 30 نوفمبر. القضية تتعلق بمنشور على منصة X استشهدت فيه ريما حسن بأحد عناصر «الجيش الأحمر الياباني» المرتبطين بهجوم مطار اللد سنة 1972، الذي أوقع عشرات القتلى.

ومن هنا يظهر الخطر الذي يحيط بقراءة الصورتين معًا. فمن السهل بناء سردية تقول: كوفية فلسطينية في الاحتجاجات، وريما حسن أمام القضاء، إذن هناك شبكة سياسية فلسطينية أو مؤيدة لفلسطين تقف وراء الفوضى الفرنسية. لكن هذه السردية، رغم جاذبيتها على شبكات التواصل، لا تستند حتى الآن إلى سلسلة أدلة تسمح للصحافة المهنية بتبنيها.

المحاكمة تتعلق بمنشور محدد وتفسير قانوني لعبارات منشورة على X، بينما أحداث 17 أكتوبر تتعلق بمظاهرات اجتماعية واسعة تحولت أجزاء منها إلى أعمال شغب ونهب. الجمع بين الحدثين باعتبار أحدهما دليلًا على الآخر يؤدي إلى خلط بين قضية قضائية فردية وظاهرة احتجاجية جماعية.

ومع ذلك، تكشف الصورتان شيئًا آخر يستحق النقاش الصحفي بالفعل: دخول القضية الفلسطينية بقوة إلى الرمزية السياسية الفرنسية الداخلية. فالكوفية لم تعد مجرد قطعة لباس شرقية، والعلم الفلسطيني لم يعد في أوروبا رمزًا بعيدًا عن الصراعات المحلية، بل تحولا إلى علامتين حاضرتين في ساحات الجامعات والمظاهرات والخطاب الحزبي ومواقع التواصل، وخصوصًا داخل أجزاء من اليسار الفرنسي.

وهنا يصبح السؤال المشروع ليس: «هل أصحاب الكوفية هم الذين خربوا فرنسا؟» وإنما: إلى أي حد أصبحت القضية الفلسطينية جزءًا من الاستقطاب السياسي الفرنسي الذي تتقاطع داخله قضايا الغلاء والهجرة والهوية والشرطة واليسار الراديكالي والانتخابات؟

أحداث 17 أكتوبر نفسها كانت أعقد بكثير من محاولة حصرها في راية واحدة. تقارير صحفية موثقة تحدثت عن تكسير ونهب متاجر في باريس، وعن إحراق منشآت في مدن أخرى، واستهداف مبانٍ عامة، ومواجهات عنيفة مع الشرطة. وفي باريس خصوصًا، وصفت تقارير مجموعات ملثمة تحمل مطارق وأدوات لكسر الواجهات والاستيلاء على البضائع، بينما وجد التجار أنفسهم عاجزين عن حماية ممتلكاتهم. 

كما تعرضت متاجر فاخرة للنهب، وامتدت الخسائر إلى آلاف المؤسسات التجارية، بينما واجهت الحكومة الفرنسية انتقادات شديدة بسبب نقص الاستعداد الأمني وحجم الفوضى الذي تجاوز التوقعات. 

لذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله شبكات التواصل بعد أحداث كهذه هو تحويل رمز بصري إلى «بطاقة هوية» للمخرب. شخص يرتدي كوفية ليس بالضرورة ناشطًا في منظمة فلسطينية، ومن يرفع علم فلسطين ليس مسؤولًا تلقائيًا عما يرتكبه شخص آخر على بعد مئات الأمتار منه. وفي الاتجاه نفسه، وجود مجموعات يسارية متشددة وسط المظاهرات لا يعني أن جميع اليساريين شاركوا في العنف، مثلما أن مشاركة بعض أصحاب السترات الصفراء لا تجعل الحركة بأكملها مسؤولة عن النهب.

الصحافة الجادة تحتاج هنا إلى التفريق بين ثلاث دوائر: متظاهرون مارسوا حقهم في الاحتجاج، ومجموعات سياسية راديكالية دخلت في مواجهات، وأشخاص استغلوا الفوضى للسرقة والتخريب. التحقيق القضائي والأمني هو الذي يمكنه تحديد التقاطعات بين هذه الدوائر، وليس لون الوشاح الذي يظهر في صورة على فيسبوك أو تيك توك.

أما قضية ريما حسن، فهي بدورها مؤشر على شدة الاستقطاب الذي أصبحت القضية الفلسطينية تثيره داخل فرنسا. فبالنسبة إلى منتقديها، تجاوزت بعض تصريحاتها حدود التضامن السياسي ودخلت منطقة تمجيد العنف؛ وبالنسبة إلى دفاعها وحزب «فرنسا الأبية»، فإن القضية تتصل بحرية التعبير والنقاش السياسي حول فلسطين. المحكمة هي التي ستفصل قانونيًا في الملف، ولذلك لا يمكن التعامل مع طلب النيابة باعتباره حكمًا بالإدانة. 

في المحصلة، نعم، تظهر الرموز الفلسطينية داخل جزء من المشهد الاحتجاجي الفرنسي، ونعم، شهدت مظاهرات 17 أكتوبر أعمال تخريب ونهب واسعة، ونعم، توجد مواجهة سياسية وقضائية شديدة حول بعض الخطابات المؤيدة للفلسطينيين في فرنسا. لكن ما لا نستطيع إثباته من الصورتين أو من المصادر الموثوقة المتاحة هو أن «كوفيي فرنسا» بوصفهم فئة موحدة كانوا وراء أعمال التخريب.

والفارق بين العبارتين ليس تفصيلًا لغويًا. إنه الفارق بين التحقيق الصحفي والدعاية، وبين تحديد مسؤولية أفراد بأدلة وبين تحميل رمز سياسي كامل مسؤولية جرائم جماعية لم يثبت أنه خطط لها أو نفذها.


0 التعليقات: