الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أكتوبر 21، 2026

هل يدخل المغرب مرحلة جديدة في مساءلة السياسات الحقوقية؟ عبده حقي


ليس أصعب على السياسات العمومية من الانتقال من لغة النوايا إلى لغة النتائج. فالحكومات تستطيع أن تعِد كثيرًا، وأن تصوغ برامج واسعة، وأن تملأ الوثائق الرسمية بعبارات عن العدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة والحق في الصحة والتعليم والشغل، غير أن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال أكثر دقة: ماذا تحقق فعليًا؟ وكم مواطنًا استفاد؟ وكم تراجعت الفوارق؟ وما الأجل الذي حُدد؟ وما المؤشر الذي يسمح للرأي العام بقياس النجاح أو الفشل؟

من هذه الزاوية بالضبط تكتسب المذكرة التي قدمتها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أهميتها، لأنها لا تكتفي بالمطالبة بإدراج حقوق الإنسان ضمن البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، بل تدفع باتجاه تصور أكثر صرامة: حقوق قابلة للقياس، والتزامات محددة زمنيًا، ومؤشرات يمكن تتبعها، وآليات تسمح بالمحاسبة على أساس النتائج لا على أساس التصريحات.

هذا التحول في اللغة ليس تفصيلًا تقنيًا. إنه في جوهره تحول في فلسفة العلاقة بين الحكومة والمواطن. فحين يقال إن الدولة تلتزم بتحسين التعليم، يبقى هذا الالتزام واسعًا ومرنًا. أما عندما يقال إن الهدف هو خفض نسب الهدر المدرسي بنسبة محددة خلال مدة معينة، أو رفع مؤشرات الولوج إلى العلاج، أو تقليص الفوارق المجالية في الخدمات الأساسية، فإن الالتزام يتحول إلى تعاقد سياسي وحقوقي يمكن اختباره ومساءلة المسؤولين عنه.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية لمطلب المنظمة المغربية لحقوق الإنسان. فهي تحاول إخراج حقوق الإنسان من دائرة الخطاب الرمزي إلى دائرة السياسات القابلة للقياس. وهذه النقلة، إن جرى تبنيها بجدية، يمكن أن تغير طريقة تقييم البرامج الحكومية برمتها.

فالنجاح الحكومي لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المشاريع أو بحجم الاستثمارات أو بنسب النمو أو بتوسيع البنيات التحتية. هذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لفهم الأثر الحقيقي للسياسات العمومية. قد ترتفع الاستثمارات بينما تتسع الفوارق. وقد تزداد الميزانيات دون أن يتحسن الإحساس بالإنصاف. وقد تُبنى مرافق جديدة دون أن تتقلص معاناة المواطنين في الولوج إليها.

لذلك يظل السؤال الحقوقي أكثر مباشرة: هل تحسن حق المواطن في التعليم؟ هل صار العلاج أكثر قربًا وجودة وعدلًا؟ هل ازدادت فرص الشغل اللائق؟ هل تراجعت أشكال التمييز؟ هل أصبحت العدالة أكثر استقلالًا ونجاعة؟ هل صار الحصول على المعلومة أسهل؟ وهل أصبح المواطن قادرًا على معرفة أين تُصرف الموارد وما الذي تحقق بها؟

هذه الأسئلة تنقل النقاش من السياسة بوصفها خطابًا إلى السياسة بوصفها أثرًا.

ومن بين الملفات التي وضعتها المنظمة في صلب رؤيتها، تبرز الصحة والتعليم والشغل والحماية الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص. وهي مجالات تمس الحياة اليومية للمواطن مباشرة، ولذلك فإن أي مقاربة حقوقية جدية ينبغي أن تبدأ منها.

فالحق في الصحة، مثلًا، لا يمكن قياسه فقط بعدد المستشفيات أو المراكز الصحية، بل بمدى قدرة المواطن على الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب، وبجودة الخدمات، وبحجم الفوارق بين المدن والقرى، وبين الفئات الاجتماعية المختلفة. كما أن الحق في التعليم لا يقاس بعدد المؤسسات وحدها، بل بمدى جودة التعلم، وبالقدرة على الحد من الانقطاع المدرسي، وضمان تكافؤ الفرص بين أبناء مختلف الجهات والفئات.

أما الحق في الشغل، فلا ينبغي اختزاله في أرقام البطالة فقط، بل في نوعية فرص العمل، واستقرارها، وحماية العامل، واحترام شروط العمل اللائق، ومدى استفادة الشباب والنساء والفئات الهشة من السياسات الاقتصادية.

المسألة نفسها تنطبق على الحماية الاجتماعية. فالتوسيع العددي للمنظومة لا يكفي إذا ظل المواطن غير قادر على تحمل تكلفة العلاج أو إذا كانت بعض الفئات لا تزال خارج التغطية الفعلية أو تعاني صعوبات في الاستفادة.

ويكتسب مطلب ربط الميزانية بمقاربة حقوق الإنسان أهمية خاصة، لأن الحقوق لا تُنفذ بالنوايا وحدها، بل تحتاج إلى تمويل واضح وإلى ترتيب للأولويات. فإذا كانت الحكومة تعتبر التعليم أولوية فعلًا، فينبغي أن يظهر ذلك في الموارد المخصصة له، وفي طريقة توزيعها، وفي المؤشرات المرتبطة بنتائجها.

والأمر نفسه ينطبق على الصحة والحماية الاجتماعية والمساواة ومكافحة الفقر والهشاشة. فالميزانية هنا تتحول من وثيقة مالية إلى مرآة سياسية تكشف ما إذا كانت الأولويات المعلنة تجد ترجمة فعلية في الإنفاق العمومي أم لا.

ومن أهم ما يمكن استخلاصه من هذه المذكرة أيضًا الدعوة إلى تعزيز ثقافة التقييم. ففي كثير من الأحيان، يظل النقاش العمومي منشغلًا بإطلاق البرامج أكثر من تقييمها بعد سنوات. يتم الإعلان عن إصلاحات ومشاريع واستراتيجيات، ثم تتراجع مساحة المتابعة، ويصبح من الصعب على المواطن أن يعرف ما تحقق وما تعثر ولماذا.

لهذا فإن نشر تقارير دورية حول تنفيذ الالتزامات الحكومية، كما تدعو إليه المنظمة، يمكن أن يشكل خطوة مركزية في بناء الثقة. فالثقة لا تُبنى فقط عبر الخطاب، بل عبر إتاحة المعطيات وتمكين الرأي العام من فهم النتائج.

وهنا يبرز أيضًا الحق في الحصول على المعلومات باعتباره حقًا عابرًا لكل الحقوق الأخرى. فمن دون معلومات، لا توجد مساءلة حقيقية. ومن دون مؤشرات منشورة، يصعب على المجتمع المدني والصحافة والباحثين وحتى البرلمان تقييم مدى تنفيذ الالتزامات.

كما أن مطالبة المنظمة بإدماج تقييم الأثر الحقوقي ضمن مشاريع القوانين والسياسات العمومية تبدو ذات دلالة عميقة. فالقانون لا ينبغي أن يُقاس فقط بمدى انسجامه الشكلي مع النصوص، بل كذلك بما يمكن أن يحدثه من آثار مباشرة أو غير مباشرة على حقوق المواطنين.

أي مشروع قانون اقتصادي أو اجتماعي أو أمني يمكن أن تكون له انعكاسات حقوقية، سواء تعلق الأمر بالمساواة أو الخصوصية أو الولوج إلى الخدمات أو حرية التعبير أو الحماية الاجتماعية. لذلك فإن إدماج تقييم الأثر الحقوقي قبل اعتماد القوانين قد يسمح بتقليص كثير من الاختلالات قبل وقوعها.

وتكتسي الإشارة إلى تنفيذ توصيات الآليات الأممية لحقوق الإنسان أهمية إضافية. فالمغرب راكم خلال السنوات الماضية التزامات دولية متعددة، غير أن التحدي الدائم يبقى في تحويل هذه الالتزامات إلى سياسات وطنية واضحة، بجدول زمني وآليات متابعة.

إن إعداد خطة وطنية لتنفيذ هذه التوصيات يمكن أن يمنع تشتتها بين القطاعات الحكومية المختلفة، ويجعل من السهل تتبع ما تم إنجازه وما لم يُنجز بعد.

كما أن إشراك المجتمع المدني والمؤسسات الدستورية في التتبع والتقييم يفتح الباب أمام نموذج أكثر تشاركية. فالسياسة الحقوقية لا يمكن أن تكون شأنًا حكوميًا مغلقًا، بل تحتاج إلى رقابة مستقلة وإلى نقاش عمومي مستمر.

لكن قيمة هذه المطالب ستظل مرتبطة بسؤال التنفيذ. فالمغرب يعرف، مثل عدد من الدول، تراكمًا كبيرًا في الاستراتيجيات والبرامج والوثائق المرجعية. والتحدي ليس دائمًا في غياب النصوص، بل في تحويلها إلى أثر ملموس.

لهذا فإن مطلب المؤشرات القابلة للقياس يبدو جوهريًا. فحين توجد المؤشرات، يصبح بالإمكان مقارنة الأهداف بالنتائج، ومقارنة الجهات فيما بينها، وتحديد مكامن الاختلال، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

غير أن المؤشرات نفسها ينبغي ألا تتحول إلى مجرد أرقام تُنتقى بعناية لتجميل الحصيلة. فالمؤشر الحقوقي الحقيقي يجب أن يكون شفافًا وقابلًا للتحقق، وأن يعكس الواقع لا أن يغطي عليه. كما يجب أن يكون متاحًا للجمهور، وأن يخضع للنقاش والتدقيق.

الرهان إذن ليس فقط على "إنتاج مؤشرات"، بل على بناء منظومة مساءلة تعتمد على بيانات موثوقة، ومعايير معلنة، ونقاش عمومي مفتوح.

ومن هنا يمكن القول إن مقترح المنظمة المغربية لحقوق الإنسان يطرح سؤالًا أبعد من مضمون مذكرة واحدة: هل ينتقل المغرب نحو جيل جديد من البرامج الحكومية، حيث يصبح احترام الحقوق جزءًا من هندسة السياسات وليس مجرد عنوان داخلها؟

إذا حصل ذلك، فإن العلاقة بين المواطن والحكومة ستتغير بدورها. لن يصبح المواطن متلقيًا للوعود فقط، بل سيصبح قادرًا على السؤال: ما الهدف؟ ما الأجل؟ ما النتيجة؟ وما سبب التعثر؟

وهذا التحول هو جوهر الدولة الحديثة القائمة على المساءلة.

أما إذا ظلت الحقوق حاضرة في الخطاب وغائبة عن المؤشرات، فستظل الفجوة قائمة بين النص والواقع، وبين التعهد والإنجاز.

المذكرة الحقوقية الحالية تضع الحكومة أمام اختبار واضح: أن تجعل من الحقوق لغة للسياسات العمومية، لا فقط لغة للبلاغات؛ وأن تجعل من الأهداف المرقمة وسيلة للمحاسبة، لا مجرد تقنية إدارية؛ وأن تقبل بأن يصبح المواطن قادرًا على قياس الوعود كما يقيس النتائج.

في النهاية، لا تكمن قوة أي برنامج حكومي في عدد الصفحات التي يتضمنها، ولا في كثافة المصطلحات التي يستخدمها، بل في قدرته على تغيير حياة الناس بشكل يمكن رؤيته وقياسه والتحقق منه. وهنا بالضبط يتحول الحق من شعار إلى التزام، ومن التزام إلى نتيجة، ومن نتيجة إلى أساس للمساءلة.


0 التعليقات: