تبدو حصيلة الأيام الثقافية والفنية الأخيرة في المغرب أكثر كثافة مما قد توحي به المتابعة اليومية المتفرقة للأخبار، ذلك أن جمع الوقائع في مشهد واحد يكشف عن حيوية لافتة تمتد من المسرح إلى السينما، ومن الشعر إلى الموسيقى، ومن الثقافة الصوفية إلى التراث الأمازيغي والحساني، ومن الاحتفاء بالأسماء الراسخة إلى فتح الأبواب أمام أجيال جديدة من الفنانين. ليست المسألة مجرد تتابع مهرجانات ومواعيد موسمية، بل هي في جوهرها صورة مصغرة للتحولات التي يعرفها الحقل الثقافي المغربي، حيث تلتقي الرغبة في حماية الذاكرة بالحاجة إلى التجديد، ويتجاور التراث المحلي مع الانفتاح المتوسطي والإفريقي والدولي، فيما يظل السؤال الأكبر متعلقًا بمدى قدرة هذه الدينامية على التحول من مناسبات متفرقة إلى سياسة ثقافية مستدامة تجعل الثقافة جزءًا من الحياة اليومية للمغاربة.
واحدة من أبرز محطات هذه الأيام كانت الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الوطني للمسرح بتطوان، التي امتدت من 16 إلى 23 أكتوبر، واستعادت معها المدينة موقعها بوصفها إحدى العواصم التاريخية للمسرح المغربي. أهمية هذا المهرجان لا تتحدد فقط في عدد العروض والفرق المشاركة أو الجوائز التي تمنح في ختامه، وإنما في كونه أحد المواعيد القليلة التي تسمح بتكوين صورة شبه شاملة عن اتجاهات المسرح المغربي في لحظة زمنية محددة، ففي فضائه تلتقي التجارب القادمة من مدن مختلفة، وتتجاور المدارس الجمالية والأساليب الإخراجية والاختيارات النصية، ويصبح المسرح نفسه موضوعًا للنقاش وليس مجرد فرجة تنتهي بإسدال الستار. ولذلك فإن استمرار هذا الموعد لأكثر من ربع قرن يمنحه وظيفة أرشيفية أيضًا، إذ يستطيع المتابع عبر دوراته المتعاقبة أن يقرأ جزءًا كبيرًا من التحولات التي عرفها المسرح المغربي في علاقته بالنص والجسد والفضاء والجمهور.
لكن هذه الاستمرارية تضع المهرجان الوطني للمسرح أمام سؤال أكبر يتعلق بما يحدث للعروض بعد انتهاء المهرجان. فالثقافة المسرحية لا يمكن أن تزدهر بمهرجان سنوي مهما بلغت أهميته إذا لم تجد الفرق فضاءات دائمة للعرض وشبكات للتوزيع وجمهورًا يستطيع مشاهدة المسرح على مدار السنة. وتلك واحدة من المفارقات التي ما تزال تواجه المسرح المغربي: لدينا طاقات كتابية وإخراجية وتمثيلية مهمة، ولدينا مهرجانات وطنية وجهوية، لكن دورة حياة عدد كبير من الأعمال تظل قصيرة نسبيًا. نجاح المهرجان الحقيقي، في تقديري، لا ينبغي أن يقاس فقط بما يجري خلال أسبوع في تطوان، وإنما بعدد المسرحيات التي ستواصل السفر بين المدن بعد ذلك، وبقدرة الأعمال المتوجة والمتميزة على الوصول إلى مدن لا تمتلك تقليدًا مسرحيًا قويًا، وبمدى تحول الفرجة المسرحية من حدث نخبوي إلى عادة ثقافية.
وفي فاس، أضافت الدورة الثامنة عشرة لمهرجان الثقافة الصوفية، التي امتدت من 17 إلى 24 أكتوبر، بعدًا آخر لهذه الخريطة الثقافية. اختيار الشعر الصوفي والإنشاد والذاكرة الروحية موضوعًا مركزيًا لا يعني الانكفاء على الماضي، بقدر ما يفتح نقاشًا حول كيفية قراءة هذا الماضي من موقع الحاضر. فالتصوف المغربي ليس مجرد طقوس أو أهازيج موسيقية، بل تراكم فكري وأدبي وفني تشكل عبر قرون، وأسهم في بناء جزء من المخيال المغربي وعلاقته بالجمال والروح والآخر. عندما يلتقي هذا الإرث في فاس بأصوات وتجارب قادمة من ثقافات متعددة، يتحول المهرجان من احتفاء فولكلوري إلى فضاء حوار بين تقاليد روحية وفنية مختلفة.
والرهان الأكثر أهمية هنا هو الأجيال الجديدة. فالتراث الذي لا يستطيع مخاطبة الشباب يتحول تدريجيًا إلى مادة متحفية، مهما كانت قيمته التاريخية. لذلك تحمل محاولة وصل الشباب بالشعر الصوفي والإنشاد والموسيقى الروحية معنى ثقافيًا عميقًا، خصوصًا في عصر أصبح فيه الاستهلاك الفني سريعًا ومجزأً ومحكومًا بخوارزميات المنصات الرقمية. الثقافة الصوفية، بإيقاعها البطيء وتأملها الداخلي وشعريتها المركبة، تقف تقريبًا في الجهة المقابلة لهذا الاستهلاك السريع. ومن هنا تكمن جاذبية التجربة وصعوبتها معًا: هل يمكن لتراث قائم على التأمل والإنصات أن يجد لنفسه مكانًا وسط ثقافة الفيديو القصير؟ نجاح مهرجان فاس سيكون أكبر إذا استطاع تحويل هذه المفارقة إلى فرصة، من خلال تقديم التراث بلغة معاصرة من دون تفريغه من عمقه.
أما مراكش، فقد استضافت بين 21 و24 أكتوبر الدورة الحادية عشرة لمهرجان الملحون والأغنية الوطنية، في موعد أعاد إلى الواجهة واحدًا من أغنى مكونات التراث الشعري والموسيقي المغربي، مع الاحتفاء بالباحث والفنان عبد المجيد فنيش. والملحون يستحق في الحقيقة أكثر من موسم احتفالي، لأنه يمثل مدرسة كاملة في اللغة والإيقاع والذاكرة الشعبية، ويختزن داخل قصائده صورًا للحياة المغربية وللعلاقات الاجتماعية وللحب والتصوف والحكمة والموقف من الزمن. إنه ليس لونًا غنائيًا قديمًا فحسب، بل وثيقة ثقافية كبرى يمكن من خلالها قراءة تحولات المجتمع المغربي.
غير أن التحدي الذي يواجه الملحون يشبه ما تواجهه أشكال تراثية كثيرة: كيف نحافظ على أصالته من دون تحويله إلى قطعة جامدة؟ إن حماية التراث لا تعني تكراره بالطريقة نفسها إلى ما لا نهاية، بل تعني توفير شروط انتقاله إلى المستقبل. وهذا يقتضي توثيق النصوص وتسجيل الأصوات القديمة، وتشجيع الدراسات الأكاديمية، وإدراج هذا التراث في البرامج التربوية والثقافية، ولكن أيضًا السماح للشباب بإعادة اكتشافه موسيقيًا وإبداعيًا. التراث الذي يمنع عنه التجديد يموت من شدة الحماية، بينما التراث الذي يدخل في حوار واعٍ مع الحاضر يستطيع أن يولد أكثر من مرة.
وفي شمال المغرب، أعطى المهرجان المتوسطي للشعر بالمضيق، المنظم بين 23 و25 أكتوبر، إشارة مهمة باختياره الشاعر عبد الكريم الطبال شخصية لدورته الحادية عشرة. تكريم الطبال ليس مجرد تحية إلى شاعر مغربي كبير، بل هو استعادة لمرحلة تأسيسية من الشعر المغربي الحديث، ولجيل أسهم في نقل القصيدة المغربية إلى أفق مختلف من حيث اللغة والرؤية والحساسية الجمالية. وفي ثقافة أصبح فيها الاحتفاء السريع بالأسماء الجديدة يطغى أحيانًا على الذاكرة، تكتسب ثقافة الاعتراف قيمة خاصة لأنها تعيد وصل الحاضر بجذوره.
لكن مهرجانات الشعر نفسها تواجه سؤال الجمهور. الشعر المغربي غني جدًا من حيث الإنتاج، إلا أن حضوره في الفضاء العمومي لا يوازي دائمًا هذه الغزارة. المجلات الثقافية تقلصت، والصفحات الثقافية في الصحافة أصبحت أضيق، وبيع الدواوين محدود مقارنة بأجناس أخرى، بينما وفرت المنصات الرقمية للشعراء فضاءات جديدة لكنها ساهمت أيضًا في انتشار كتابة سريعة لا تخضع دائمًا لمعايير فنية واضحة. لذلك فإن مهرجانًا شعريًا معاصرًا لا ينبغي أن يكتفي بمنصة القراءات والتكريمات، بل يحتاج إلى التفكير في جمهور الشعر الجديد: كيف يقرأ؟ أين يقرأ؟ ما العلاقة التي يمكن بناؤها بين القصيدة والصوت والصورة والموسيقى والفضاء الرقمي؟ هنا يمكن للمهرجان أن يتحول من احتفال بالشعر إلى مختبر لمستقبله.
وعلى مستوى الموسيقى التراثية، عاد «لوتار» بقوة إلى الواجهة من خلال الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للوتار، الممتدة من 21 إلى 31 أكتوبر بين سطات وابن أحمد وبرشيد وبنسليمان، مع برنامج يجمع الندوات وورشات التكوين والحفلات والتكريمات. أهمية هذا الموعد تكمن في أنه يسلط الضوء على آلة موسيقية تحمل جزءًا من ذاكرة المغرب العميق، وترتبط بأسماء وتجارب موسيقية تركت أثرًا كبيرًا في الوجدان الشعبي. وحين يحتفي المهرجان بمسارات فنية مثل مسار عبد الواحد حجاوي، فإنه يعيد الاعتبار كذلك إلى الفنانين الذين بنوا جزءًا من الذاكرة الموسيقية بعيدًا عن منطق النجومية الحديثة.
ويبدو لي الجانب التكويني في هذا النوع من المهرجانات أكثر أهمية أحيانًا من الحفل نفسه. إقامة ورشات لتعليم تقنيات العزف للشباب تعني الانتقال من عرض التراث إلى نقله، والفارق بين الاثنين جوهري. يمكن لأي مهرجان أن يقدم أمسية ناجحة يشاهدها الجمهور ثم تنتهي، لكن تكوين عشرة أو عشرين عازفًا شابًا قادر على ضمان استمرار الآلة لعقود. هنا يتحول الدعم الثقافي إلى استثمار طويل المدى. ولعل ما يحتاجه المغرب اليوم هو المزيد من هذه المبادرات التي تربط المهرجان بالتكوين والتوثيق والبحث، بدل أن يبقى المهرجان حدثًا احتفاليًا معزولًا عن الحياة الثقافية اليومية.
وفي المسرح الأمازيغي، شكل تتويج مسرحية «إيغود» بالجائزة الكبرى للثقافة الأمازيغية في صنف المسرح علامة تستحق التوقف عندها. فالمسرح الأمازيغي قطع خلال العقود الأخيرة مسافة مهمة في الانتقال من مبادرات محلية محدودة الإمكانات إلى تجارب تمتلك طموحًا فنيًا واحترافيًا واضحًا. واللغة الأمازيغية داخل المسرح ليست مجرد أداة تواصل، بل حاملة لذاكرة وصور وتعبيرات وتقاليد سردية قادرة على إثراء الجماليات المسرحية المغربية ككل.
ويصبح هذا التطور أكثر أهمية إذا نظرنا إليه ضمن التحول الأشمل لمكانة الأمازيغية في المغرب. فالمسألة لم تعد محصورة في الاعتراف الرمزي بالتراث، بل تتصل ببناء إنتاج ثقافي حديث باللغة الأمازيغية: مسرح وسينما ورواية وموسيقى وإعلام ومحتوى رقمي. المستقبل الحقيقي للثقافة الأمازيغية لن يتحدد فقط بقدرتها على صون الماضي، وإنما بقدرتها على إنتاج أشكال معاصرة تنافس داخل السوق الثقافية الجديدة. وتتويج عمل مسرحي جيد في هذا السياق لا يمثل نهاية المسار، وإنما يجب أن يكون بوابة إلى توزيعه واحتضانه وترجمته وتعريف الجمهور المغربي الأوسع به.
وفي السينما، حملت الدورة الخامسة عشرة للمهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة دلالة خاصة بإعادة وضع السينما المغاربية في قلب الحوار الفني. افتتاح الدورة في 16 أكتوبر، بمشاركة سينمائيين وفنانين من بلدان مختلفة، وبحضور السينما الإماراتية ضيف شرف، أعاد التأكيد على قدرة المهرجانات الجهوية على كسر المركزية الثقافية. فليس من الضروري أن تتركز كل الأحداث السينمائية الكبرى في الرباط والدار البيضاء ومراكش، ووجود مهرجان مستمر في وجدة يمنح شرق المغرب فضاءً للسينما والنقاش والتكوين والتبادل.
لكن السينما المغربية اليوم تعيش مفارقة تستحق تحليلًا أوسع: لدينا مهرجانات كثيرة، ولدينا أفلام تحقق حضورًا دوليًا متزايدًا، ولدينا جيل جديد من المخرجين والممثلين والتقنيين، لكن العلاقة بين الفيلم المغربي والجمهور المغربي ما تزال تحتاج إلى تقوية كبيرة. القاعات السينمائية محدودة جغرافيًا، ومدن كثيرة لا تملك قاعة واحدة بالمفهوم الحديث. ولذلك فإن مستقبل السينما لن يحسم فقط بعدد الأفلام المنتجة ولا بعدد الجوائز، بل أيضًا بإعادة بناء البنية التحتية للمشاهدة. السينما صناعة لا تستطيع الحياة طويلًا من دون جمهور داخلي قوي.
وفي الدار البيضاء، جاء الإعلان عن الدورة الثالثة لمعرض «بزوغ 2026»، المرتقب أن يجمع خمسين فنانًا، ليطرح قضية أخرى أساسية هي مكانة الفنانين الناشئين في المشهد التشكيلي. توفير منصة لأسماء جديدة خطوة مهمة لأن إحدى أكبر صعوبات البدايات الفنية تكمن في الوصول إلى فضاءات العرض والنقاد والجامعين والمؤسسات. الفنان لا يحتاج إلى الموهبة وحدها، بل يحتاج إلى شبكة ثقافية تستطيع تقديم عمله إلى المجال العام.
غير أن دعم الجيل الجديد ينبغي ألا يتوقف عند المعارض الجماعية. المطلوب هو بناء مسار مهني كامل للفنان: إقامات فنية، منح إنتاج، نقد فني جاد، اقتناء مؤسساتي للأعمال، تعاون مع المتاحف وصالات العرض، ومواكبة دولية. سوق الفن المغربي يملك إمكانات حقيقية، لكن توسعه يحتاج إلى شفافية أكبر وإلى علاقة أقوى بالتربية الفنية. لا يمكن أن نطمح إلى سوق فنية قوية بينما يظل جزء واسع من المجتمع بعيدًا عن الفن التشكيلي منذ المدرسة.
وتستعد الصويرة بدورها لاحتضان الدورة الحادية والعشرين لمهرجان الأندلسيات الأطلسية بين 29 و31 أكتوبر، ببرنامج يضم خمسة عشر حفلًا ويواصل فلسفة جعل الموسيقى جسرًا بين الذاكرات والثقافات والأديان. والصويرة تمتلك في هذا المجال خصوصية واضحة، فهي نجحت عبر سنوات في تحويل الموسيقى إلى جزء من هويتها الثقافية والسياحية، من كناوة إلى الأندلسيات، بحيث أصبح اسم المدينة مرتبطًا في المخيال الثقافي بفكرة اللقاء والتعدد.
وهنا يظهر وجه آخر للثقافة باعتبارها قوة للمدينة نفسها. المهرجان الجيد لا يقدم عروضًا فقط، بل يعيد تشكيل صورة المكان ويخلق حركة اقتصادية ويجذب الزوار ويمنح السكان شعورًا بخصوصية مدينتهم. وقد أثبتت التجربة المغربية أن المدن القادرة على بناء هوية ثقافية واضحة تصبح أكثر حضورًا سياحيًا ودوليًا. التحدي هو ألا تتحول الثقافة إلى مجرد ملحق للسياحة، بل أن تبقى أولًا مساحة للإبداع ولأهل المدينة وللفنانين، ثم تأتي آثارها الاقتصادية بعد ذلك.
ويعود موسم طانطان في دورته التاسعة عشرة، من 30 أكتوبر إلى 3 نونبر، ليضيف إلى المشهد الثقافي المغربي بعدًا صحراويًا وحسانيًا بالغ الأهمية. الموسم الذي يقوم على التراث الرحل والعادات والتقاليد والفنون الصحراوية يقدم نموذجًا مختلفًا للمهرجان، حيث لا تصبح الخشبة وحدها مركز الحدث، بل المجال واللباس والخيمة والفروسية والموسيقى والشعر والعادات الاجتماعية كلها أجزاء من سردية ثقافية واحدة. وهذه الطبيعة المركبة تمنحه قيمة خاصة في حماية التراث غير المادي.
لكن حماية التراث الحساني تحتاج بدورها إلى تجاوز منطق العرض المناسباتي. فالتحولات الاجتماعية السريعة تعيد تشكيل أنماط الحياة الصحراوية، وبعض أشكال المعرفة الشفوية معرضة للضياع مع رحيل حامليها. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مشاريع ضخمة للتوثيق بالصوت والصورة، وإلى أرشيف رقمي مفتوح أمام الباحثين والأجيال الجديدة، وإلى تشجيع الكتابة والسينما والفنون البصرية التي تستلهم هذا التراث من دون تجميده في صورة فولكلورية واحدة.
إذا جمعت كل هذه الوقائع في صورة واحدة، فإنني أرى أمامي مشهدًا ثقافيًا مغربيًا غنيًا بصورة يصعب إنكارها. من تطوان إلى فاس، ومن مراكش إلى المضيق، ومن سطات إلى وجدة، ومن الدار البيضاء إلى الصويرة وطانطان، تتحرك الثقافة في مساحات متعددة، وتظهر قدرة المدن المغربية على إنتاج مواعيد لها هويات مختلفة. وهذه اللامركزية واحدة من أهم الإشارات الإيجابية، لأن الثقافة التي تظل حبيسة عاصمتين أو ثلاث لا تستطيع أن تتحول إلى حق فعلي للمواطن.
لكن الكثرة وحدها لا تصنع نهضة ثقافية. التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الموسيقى وإطفاء أضواء الخشبات وتفكيك منصات المهرجانات. ماذا يبقى في المدينة؟ ماذا استفاد الفنان الشاب؟ كم كتابًا وصل إلى قارئ جديد؟ كم طفلًا اكتشف المسرح للمرة الأولى؟ كم موسيقيًا تعلم آلة تراثية؟ كم عملًا فنيًا واصل جولته بعد المهرجان؟ وكم وثيقة أو تسجيلًا أو بحثًا أصبح متاحًا للجمهور؟ هذه الأسئلة هي التي تستطيع تحويل الحصيلة من تعداد للأحداث إلى قياس للأثر.
إن المغرب يمتلك اليوم رأسمالًا ثقافيًا استثنائيًا، بتعدد روافده العربية والأمازيغية والحسانية والأندلسية والإفريقية والمتوسطية، ويمتلك أيضًا أجيالًا جديدة تستخدم السينما والفن الرقمي والموسيقى والتصميم والذكاء الاصطناعي بطرق لم تكن متاحة لمن سبقها. الفرصة الكبرى تكمن في جمع هذين العالمين بدل وضعهما في مواجهة بعضهما: التراث ليس عدوًا للحداثة، والتكنولوجيا ليست بالضرورة آلة لمحو الذاكرة. ويمكن للثقافة المغربية أن تصبح أقوى عندما تستعمل الأدوات الجديدة لحماية القديم وإعادة إنتاجه بلغة المستقبل.
وحصيلة الأيام الأخيرة تقول في النهاية إن الثقافة المغربية حية، متعددة، وموزعة على مساحة البلاد، لكنها ما تزال في حاجة إلى الانتقال من منطق «الموسم الثقافي» إلى مفهوم الحياة الثقافية المستمرة. نحتاج إلى مسارح تعمل طوال السنة، ومكتبات عامرة بالقراء، وقاعات سينما أقرب إلى الناس، ومتاحف مفتوحة أمام المدارس، ومراكز موسيقية تحفظ الآلات التقليدية وتعلمها للأجيال الجديدة، ومنصات رقمية تؤرشف ذاكرتنا الفنية، ودعم يجعل الفنان قادرًا على الاستمرار في الإبداع. عندها فقط لن نحتاج إلى انتظار مهرجان لنتذكر أن المغرب بلد ثقافة وفنون، لأن الثقافة ستكون جزءًا طبيعيًا من يومه العادي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق