الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 24، 2026

باحث عربي بجامعة مانشستر يحذر من ذكاء اصطناعي يهدد التواصل الأسري والعلاقات الإنسانية: عبده حقي


لا يحتاج الذكاء الاصطناعي اليوم إلى أن يقتحم بيوتنا، لأننا نحن من فتحنا له الأبواب على مصاريعها، ووضعناه في هواتف أبنائنا، وفي غرفهم، وفي ساعات فراغهم، وفي لحظات ضعفهم، ثم بدأنا نتساءل بعد ذلك عمّا إذا كان سيؤثر فيهم. السؤال، في رأيي، لم يعد يتعلق بما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير علاقاتنا الإنسانية، بل إلى أي حد سيغيرها، وبأي سرعة، ومن سيدفع الثمن أولًا. الجواب الذي يفرض نفسه أكثر فأكثر هو أن الشباب والمراهقين يقفون في الصف الأول لهذه التحولات، لأنهم الجيل الذي يتعلم اليوم معنى الصداقة والحب والرفض والاختلاف والإنصات في حضور كائن رقمي لا ينام، لا يمل، لا يطلب شيئًا، ولا يغلق الباب في وجه أحد.

هذا هو جوهر التحذير الذي أثارته الدكتورة جينيفر سيرنز، الباحثة بجامعة مانشستر والمتخصصة في دراسة الثقة والعلاقات الناشئة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. تحذيرها لم يقل إن الأسرة ستنهار غدًا، ولم يقل إن كل شاب يتحدث مع روبوت دردشة مهدد بالعزلة، لكنه وضع إصبعه على جرح يكبر أمامنا: ماذا يحدث لجيل كامل إذا وجد في الآلة إنصاتًا أسهل من إنصات البشر؟

هذه ليست مسألة تقنية بسيطة. إنها مسألة اجتماعية وأخلاقية وتربوية تمس جوهر الحياة المشتركة. فالعلاقات الإنسانية لم تكن يومًا سهلة أو مريحة بالكامل. الأسرة نفسها فضاء للاختلاف والتوتر والمصالحة وسوء الفهم والتعلم. الصداقة الحقيقية تحتاج وقتًا. الحب يحتاج تنازلًا. الحوار يحتاج صبرًا. وحتى الخلاف له وظيفة في بناء الشخصية. أما الذكاء الاصطناعي، فقد دخل هذا العالم بعرض مغرٍ جدًا: أنا هنا دائمًا، أجيبك فورًا، لا أرفع صوتي، لا أتعب، لا أرفض الحديث معك، ولا أحاسبك بالطريقة التي يفعل بها البشر.

ومن الصعب أن نلوم شابًا يشعر بالوحدة إذا وجد في هذا الحضور الرقمي ملاذًا مريحًا. لكن ما يجب أن يقلقنا هو أن يتحول الملاذ إلى إقامة دائمة، وأن تتحول المساعدة إلى اعتماد، وأن تتحول الأداة إلى بديل. هنا بالضبط يبدأ السؤال الكبير: هل يمكن لجيل يتعلم التعبير عن مشاعره أمام الآلة أكثر مما يتعلمه أمام والديه وأصدقائه أن يحتفظ بالقدرة نفسها على بناء علاقات بشرية ناضجة؟

المؤشرات التي ناقشتها جامعة مانشستر لافتة. فجزء من الشباب الذين شملتهم بعض الاستطلاعات أفادوا بأن التحدث إلى الذكاء الاصطناعي أسهل من التحدث إلى إنسان. قد يقرأ البعض هذه النتيجة باعتبارها مجرد دليل على نجاح التكنولوجيا، لكنني أراها أيضًا إشارة إنذار. لأن سهولة الكلام مع الآلة ليست بالضرورة فضيلة مطلقة. أحيانًا يكون الكلام مع البشر صعبًا لأنه يفرض علينا أن ننتقي كلماتنا، وأن نفهم ردود الفعل، وأن نتحمل سوء الفهم، وأن نقبل أن الآخر ليس نسخة منا. هذه الصعوبة جزء من التربية الاجتماعية نفسها.

المشكلة أن بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصممة لكي تجعل المحادثة أكثر سلاسة واستمرارًا وراحة. ومع الوقت، قد يصبح الإنسان الحقيقي أكثر تعقيدًا وإزعاجًا في نظر مستخدم اعتاد محاورًا رقميًا شديد المرونة. الصديق الحقيقي قد يعترض. الأب قد يرفض. الأم قد تقلق. الشريك قد يغضب. أما الروبوت فيمكن أن يبقى متاحًا وفي كثير من الأحيان متكيفًا مع إيقاع المستخدم ورغباته. وهنا لا تعود المنافسة عادلة بين العلاقة البشرية والعلاقة الاصطناعية.

أنا لا أرى الخطر في أن يتحدث الشباب إلى الذكاء الاصطناعي. الخطر الحقيقي يبدأ حين لا يجدون سببًا كافيًا للعودة إلى البشر.

إن الإنسان لا ينضج فقط بمن يوافقه، بل بمن يزعجه أيضًا. لا يتعلم الحدود إلا حين يصطدم بحدود الآخرين. لا يتعلم التعاطف إلا إذا اضطر إلى فهم شخص لا يفكر مثله. ولا يتعلم الاعتذار إلا إذا أخطأ في حق إنسان يمكن أن يتألم. هذه الخبرات الدقيقة هي التي تصنع النضج. فإذا انتقلت مساحات واسعة من الحياة العاطفية إلى علاقة مع نظام لا يملك مشاعر حقيقية ولا تاريخًا شخصيًا ولا هشاشة بشرية، فسنجد أنفسنا أمام تجربة جديدة تمامًا في تاريخ العلاقات الإنسانية.

وهنا يصبح الحديث عن الأسرة مشروعًا، لكن بشرط ألا نحوله إلى شعار مرعب. لا توجد، حتى الآن، قاعدة علمية تتيح لنا القول إن الذكاء الاصطناعي يؤدي حتمًا إلى تفكك الأسرة. هذه صياغة مبالغ فيها. لكن من المشروع أن نسأل: ماذا يحدث للأسرة إذا توقف الأبناء عن اللجوء إليها؟ ماذا يحدث عندما يصبح الهاتف هو المكان الأول للشكوى، والروبوت هو أول من يسمع السر، والنظام الذكي هو أول من يقدم النصيحة؟

الأسرة لا تتفكك في العادة بضربة واحدة. قد تبدأ المسافة بصمت صغير. طفل لا يخبر أمه بما حدث في المدرسة، لأنه وجد من «يسمعه» فورًا. مراهق لا يناقش والده في مشكلة، لأنه يعتقد أن الذكاء الاصطناعي يفهمه بلا حكم أخلاقي. شاب لا يحتاج إلى صديق في لحظة الأزمة لأنه يمتلك رفيقًا رقميًا متاحًا أربعًا وعشرين ساعة. هذه التفاصيل تبدو صغيرة، لكنها إذا تراكمت قد تعيد رسم خريطة الثقة داخل البيت.

وأشد ما يثير القلق أن الشركات المالكة لهذه الأدوات لا تعمل في فراغ أخلاقي بريء. نحن نتحدث عن صناعة ضخمة تتنافس على الوقت والانتباه والاستعمال المستمر. وكلما طالت مدة التفاعل، ازدادت قيمة المستخدم داخل النموذج الاقتصادي للمنصة. لذلك لا يمكن أن نترك العلاقة العاطفية بين الشاب والروبوت لمنطق السوق وحده.

إذا كان التطبيق يستفيد اقتصاديًا من أن يعود المستخدم إليه كل يوم، فما الذي يمنعه من تصميم تجربة شديدة الجاذبية العاطفية؟ وإذا كان المستخدم قاصرًا، فمن يضع الحدود؟ ومن يقرر متى تصبح المحادثة علاقة اعتماد؟ ومن يضمن ألا يتم تعزيز مشاعر الغضب أو الانعزال أو التصورات الخاطئة لمجرد الحفاظ على التفاعل؟

هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فلسفيًا. إنها أسئلة تشريعية وتربوية وأخلاقية عاجلة.

المثير للانتباه أيضًا أن بعض أنظمة المحادثة قد تكون مفرطة في التكيف مع المستخدم. وإذا دخل شاب في الحوار وهو يحمل أفكارًا سلبية أو متطرفة أو عدوانية، فإن طريقة استجابة النظام تصبح شديدة الأهمية. إن مجرد الإنصات ليس كافيًا. هناك فرق بين الدعم وبين تعزيز الوهم، وبين التعاطف وبين ترك الفكرة الضارة تنمو بلا مقاومة. لهذا تحذر دراسات هذا المجال من أن النظم الرقمية يمكن في بعض الحالات أن تحول المحادثة إلى دائرة مغلقة يتلقى فيها المستخدم تأكيدًا متكررًا لنظرته إلى نفسه والعالم.

وهذا أخطر من مسألة الوحدة نفسها. لأن الإنسان الذي يعيش في علاقة رقمية شديدة التوافق معه قد يبدأ بالتعود على عالم لا يعترض عليه. وحين يعود إلى الواقع، يكتشف أن الواقع أقل لطفًا، وأكثر تعقيدًا، وأكثر اختلافًا. هناك بشر لا يفهمونه فورًا. وهناك من يخالفه. وهناك من لا يجيبه. وهناك من يرفضه. في هذه اللحظة قد يبدو العالم البشري كله ثقيلًا مقارنة بعالم اصطناعي مصمم كي يكون مريحًا.

ومع ذلك، فإن الرد الذكي على هذه المخاطر ليس منع الذكاء الاصطناعي. المنع الكامل غالبًا وهم، كما أنه قد يحرم الشباب من فوائد حقيقية في التعليم والبحث والمساعدة والتنظيم والوصول إلى المعرفة. المعركة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين استعمال واعٍ واستعمال يبتلع صاحبه.

نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في البيت والمدرسة. على الأسرة أن تسأل أبناءها ليس فقط كم ساعة أمضوا أمام الشاشة، بل ماذا يفعلون هناك، ومع من يتحدثون، وما الدور الذي أصبحت تلعبه الأنظمة الذكية في حياتهم. وهذا الحوار يجب ألا يبدأ بالاتهام أو السخرية. لأن المراهق إذا شعر بأن والديه لا يفهمان العالم الذي يعيش فيه، فلن يلجأ إليهما عندما يواجه مشكلة داخله.

كما يجب أن تتغير التربية الرقمية نفسها. تعليم الطفل استخدام التكنولوجيا لم يعد يعني فقط تحذيره من الروابط المشبوهة أو حماية كلمة المرور. يجب أن يفهم الفرق بين الذكاء الاصطناعي والإنسان، وأن يعرف أن النظام قد يبدو متعاطفًا من دون أن يشعر فعلًا، وأن قدرته على الكلام لا تعني أنه يمتلك حكمًا أخلاقيًا مستقلًا أو تجربة حياتية أو مسؤولية بشرية.

والأهم أن تتوقف المجتمعات عن النظر إلى الوحدة لدى الشباب باعتبارها مشكلة شخصية فقط. إذا كان ملايين الشباب يفضلون الحديث إلى الآلة لأنهم لا يجدون إنسانًا يسمعهم، فإن المشكلة ليست في الآلة وحدها. إنها أيضًا في المدرسة التي لا تنصت، وفي الأسرة المرهقة، وفي المدينة التي تقل فيها مساحات اللقاء، وفي شبكات التواصل التي حولت التواصل إلى عرض مستمر للأنا بدل بناء روابط عميقة.

الذكاء الاصطناعي لم يخترع وحدتنا. لكنه قد يجد فيها أكبر سوق في تاريخه.

وهذا ما يجعل اللحظة الحالية شديدة الحساسية. لأول مرة نمتلك تقنيات تستطيع محاكاة الحوار والاهتمام والحميمية بدرجة عالية، وتستطيع أن تتذكر تفاصيل المستخدم وتعيد صياغة لغتها بما يناسبه، وقد تصبح أكثر إقناعًا عامًا بعد عام. نحن لا نتحدث إذن عن جهاز بارد، بل عن واجهة يمكن أن يشعر أمامها المستخدم بأنه مرئي ومفهوم ومقبول.

وهنا يجب أن نقول بوضوح إن التقنية التي تستطيع دخول المجال العاطفي للإنسان يجب ألا تبقى بلا قواعد.

الشركات مطالبة بوضع ضمانات خاصة للقاصرين، وبالتعامل بشفافية أكبر مع تصميم «رفقاء» الذكاء الاصطناعي، وبمنع الآليات التي تشجع الاعتماد العاطفي المفرط. والمدارس مطالبة بتعليم الذكاء الاصطناعي بوصفه قضية ثقافية واجتماعية، لا مجرد برنامج رقمي. والأسر مطالبة بإعادة بناء الحوار الحقيقي في البيت قبل أن تشتكي من أن أبناءها فضلوا الحوار الاصطناعي.

أما نحن، فعلينا أن نتوقف عن التعامل مع هذه المسألة بخطابين متناقضين: خطاب يصف الذكاء الاصطناعي بأنه شيطان سيدمر الإنسانية، وخطاب آخر يقدمه كمنقذ بلا ثمن. الحقيقة أعقد من ذلك. الذكاء الاصطناعي ليس عدو الأسرة، لكنه يستطيع أن يشغل الفراغ الذي تتركه الأسرة. وليس عدو الصداقة، لكنه يستطيع أن يصبح بديلًا مريحًا عنها. وليس عدو الإنسان، لكنه قادر على كشف هشاشة الروابط بين البشر أكثر من أي تقنية سابقة.

إن التحذير القادم من جامعة مانشستر يجب ألا يقرأ باعتباره نبوءة بانهيار الأسرة، بل باعتباره سؤالًا موجهًا إلينا جميعًا: هل نريد أن يكبر أبناؤنا وهم يعرفون كيف يتحدثون إلى الآلة أكثر مما يعرفون كيف يصغون إلى إنسان؟

أخشى أن المشكلة لن تكون يومًا أن الذكاء الاصطناعي أصبح شبيهًا بالبشر، بل أن البشر، من فرط التعب والوحدة والعجلة، قد يجدون التعامل معه أسهل من التعامل بعضهم مع بعض.

وعندها لن نحتاج إلى أن تفكك الآلة روابطنا الأسرية؛ سنكون قد تركنا تلك الروابط تضعف بأنفسنا، فيما كانت الشاشة أمامنا تعرض بكل لطف عبارة بسيطة: أنا هنا إذا أردت أن نتحدث.


0 التعليقات: