الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 24، 2026

خريبكة تحتفي بـ«لمسيح المراكشي» وتعيد الاعتبار لفن الحلقة: عبده حقي


تستعد مدينة خريبكة لاحتضان دورة جديدة من مهرجان «شوارع آرت لفنون الشارع والفنون الشعبية»، في تظاهرة ثقافية وفنية تسعى إلى إعادة الاعتبار للفرجة الحية في الفضاء العمومي، وربط الأجيال الجديدة بأشكال تعبيرية ظلت لسنوات طويلة جزءًا من الذاكرة الشعبية المغربية. وتحمل الدورة الثامنة من المهرجان، المبرمجة يومي 24 و25 أكتوبر 2026 بساحة المجاهدين، شعار «شوارعنا منبع الفن»، في دلالة واضحة على الرهان الذي يضعه المنظمون على الشارع باعتباره فضاء للإبداع والتواصل والتعبير الفني المفتوح.

ومن أبرز محطات هذه الدورة الاحتفاء بالفنان عبد الإله أمال، المعروف فنيًا باسم «لمسيح المراكشي»، وهو أحد الوجوه المرتبطة بفن الحلقة والفكاهة الشعبية، خصوصًا في فضاء جامع الفنا بمراكش، حيث راكم تجربة فنية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، اعتمد خلالها على الارتجال، والنكتة، وسرعة البديهة، والتفاعل المباشر مع الجمهور. ويأتي هذا التكريم باعتباره اعترافًا بمسار فني ينتمي إلى نوع من التعبير الشعبي الذي ظل طويلًا خارج دوائر الاحتفاء المؤسسي، رغم حضوره القوي في الذاكرة الجماعية وفي الثقافة الشفوية المغربية.

واكتسب «لمسيح المراكشي» شهرته من خلال عروض الحلقة التي تعتمد على القرب من الجمهور وعلى بناء الموقف الكوميدي في لحظته، بعيدًا عن النصوص المغلقة أو الخشبات التقليدية. كما ارتبط اسمه بتجربة فنية مشتركة مع الراحل محمد المسيح، حيث شكلا ثنائيًا كوميديًا ترك بصمة لدى جمهور واسع، وساهما في الحفاظ على جانب من روح النكتة المراكشية التي تستمد مادتها من الحياة اليومية ومن اللغة الشعبية ومن الملاحظة الدقيقة لتحولات المجتمع.

ولا يقتصر اهتمام مهرجان «شوارع آرت» على أشكال الفرجة التقليدية فقط، إذ يحرص على الجمع بين الفنون الشعبية القديمة والتعبيرات الحضرية المعاصرة، وهو ما يتجسد في تكريم بلال ملاخ، المعروف باسم «BILLY»، أحد أبناء خريبكة المرتبطين بفن ورياضة البريك دانس. ويمثل هذا الاختيار رغبة في خلق جسر رمزي بين جيل الحلقة الشعبية وجيل فنون الشارع الجديدة، وبين الموروث الشفهي والتعبيرات الجسدية والبصرية التي ظهرت مع ثقافة المدن الحديثة.

ويكتسي تنظيم هذه التظاهرة في الفضاء العمومي أهمية خاصة، لأن فنون الشارع تقوم أساسًا على كسر الحواجز بين الفنان والمتلقي، وتحويل الساحات والأزقة إلى فضاءات للعرض والتفاعل. فالشارع هنا لا يؤدي دور الخلفية فقط، بل يتحول إلى جزء من العمل الفني نفسه، حيث تتقاطع الموسيقى والحركة والمسرح والفكاهة والرقص، ويجد الجمهور نفسه داخل التجربة بدل الاكتفاء بمشاهدتها من بعيد.

ويندرج هذا التوجه ضمن مسار أوسع تسعى من خلاله عدد من التظاهرات الثقافية المغربية إلى إعادة الاعتبار للتراث غير المادي، خصوصًا أشكال التعبير التي لا تعتمد بالضرورة على المؤسسات الثقافية الرسمية. فالحلقة، على سبيل المثال، ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل هي فضاء للسرد والارتجال والنقد الاجتماعي ونقل الحكمة الشعبية، كما أنها تقوم على علاقة مباشرة وفورية بين الفنان والمتلقي، وهي علاقة يصعب إعادة إنتاجها داخل الأشكال الفنية المغلقة.

ومن هذه الزاوية، يبدو تكريم «لمسيح المراكشي» ذا دلالة ثقافية تتجاوز الاحتفاء بشخص أو مسار فردي، لأنه يطرح بصورة غير مباشرة سؤال الحفاظ على فنون الحلقة وعلى الفنون الشفوية في ظل التحولات التي يعرفها المجال الثقافي، وصعود المنصات الرقمية وتغير عادات التلقي. فالكثير من أشكال الفرجة الشعبية تواجه اليوم تحديات مرتبطة بتراجع الفضاءات التقليدية، وتغير الجمهور، وضعف التوثيق، الأمر الذي يجعل الاحتفاء بروادها مناسبة لإعادة فتح النقاش حول طرق صون هذا الموروث ونقله إلى الأجيال الجديدة.

كما ينسجم المهرجان مع التحول الذي تعرفه الثقافة الحضرية في عدد من المدن المغربية، حيث أصبحت فنون الشارع من الموسيقى إلى الرقص والتشكيل والعروض الأدائية جزءًا متزايد الحضور في المشهد الفني. ولم تعد هذه الفنون تُنظر إليها باعتبارها تعبيرات هامشية، بل باتت تحظى باهتمام متنامٍ بوصفها أدوات للتواصل مع الشباب، ووسائل لإعادة إحياء الفضاء العمومي ومنحه وظيفة ثقافية واجتماعية.

وتكتسب مدينة خريبكة في هذا السياق خصوصية لافتة، بالنظر إلى تاريخها الصناعي والاجتماعي والثقافي، وإلى محاولتها المستمرة ترسيخ حضورها ضمن الخريطة الثقافية الوطنية من خلال عدد من المبادرات الفنية والمهرجانات. ويأتي «شوارع آرت» ليعزز هذا الحضور عبر اختيار صيغة ثقافية مرنة وقريبة من الناس، تعتمد على الساحة والشارع بدل الاكتفاء بالقاعات والمؤسسات المغلقة.

إن الجمع في دورة واحدة بين «لمسيح المراكشي» وبلال ملاخ يحمل دلالة رمزية واضحة: فالأول يمثل ذاكرة الحلقة والفكاهة الشعبية والتواصل الشفهي، بينما يمثل الثاني جيلًا جديدًا من التعبير الحضري القائم على الحركة والجسد والإيقاع. وبين التجربتين، يفتح المهرجان فضاءً للحوار بين زمنين ثقافيين مختلفين، لكنهما يشتركان في عنصر أساسي واحد، هو جعل الشارع فضاءً للفن.

ويأتي هذا الاحتفاء ليؤكد كذلك أهمية الاعتراف بالفنانين الذين صنعوا حضورهم خارج دوائر الشهرة التقليدية، وظلوا مرتبطين بالجمهور المباشر أكثر من ارتباطهم بوسائل الإعلام أو المؤسسات الكبرى. فكثير من فناني الحلقة والفنون الشعبية أسهموا في تشكيل الذائقة الجماعية ونقلوا عبر عروضهم جزءًا من الذاكرة الاجتماعية المغربية، من دون أن يحظوا دائمًا بما يستحقونه من توثيق أو تكريم.

وهكذا تتحول الدورة الثامنة من مهرجان «شوارع آرت» إلى أكثر من مجرد موعد فني عابر، إذ تقدم نفسها فضاءً للاحتفاء بالذاكرة الشعبية من جهة، وبالتعبيرات الحضرية الجديدة من جهة أخرى، في محاولة لإثبات أن الثقافة لا تعيش فقط داخل المسارح والمتاحف، بل توجد أيضًا في الساحات، وفي أصوات الحكواتيين، وحركات الراقصين، وضحكات الجمهور، وفي تلك العلاقة المباشرة التي تجعل من الشارع فضاءً حيًا للتجربة والإبداع.

ويبدو أن اختيار شعار «شوارعنا منبع الفن» يلخص إلى حد بعيد روح هذه الدورة، فالشارع في التجربة المغربية ظل دائمًا مساحة للتعبير الشعبي ولصناعة الفرجة والذاكرة الجماعية. ومن هنا، فإن تكريم «لمسيح المراكشي» لا يمثل فقط تحية لمسيرة فنان شعبي، بل يرمز إلى الاحتفاء بفن كامل ظل لعقود يعيش على قرب الناس ويستمد قوته منهم.

ومن شأن هذه الدورة أن تعيد طرح أسئلة أساسية حول مستقبل الفنون الشعبية وفنون الشارع في المغرب، وكيف يمكن حمايتها وتوثيقها وإدماجها ضمن السياسات الثقافية، دون أن تفقد روحها الحرة وعلاقتها المباشرة بالفضاء العام. وهي أسئلة تجعل من مهرجان خريبكة مناسبة فنية وثقافية تتجاوز حدود الفرجة، لتلامس قضايا الذاكرة والهوية والتحول الثقافي في المجتمع المغربي.


0 التعليقات: