ثمة فكرة مريحة أحببنا أن نصدقها طويلًا، وهي أن الإنسان كلما أعطى أكثر صار أكثر سعادة، وأن المعرفة كلما اتسعت أضاءت صاحبها، وأن القوة تمنح صاحبها حصانة ضد الحاجة، وأن الذي يملك فائضًا من الحب أو الفكر أو الخبرة لا يمكن أن يكون فقيرًا من الداخل. لكنني كلما عدت إلى «نشيد الليل» في هكذا تكلم زرادشت أشعر أن نيتشه يهدم هذه الطمأنينة من جذورها، ويضعني أمام حقيقة أكثر قسوة: قد يكون الإنسان غنيًا بما يمنحه وفقيرًا بما يتلقاه، وقد يكون ممتلئًا إلى حد الاختناق، وقد يتحول النور الذي يحمله إلى سجن لا إلى خلاص.
إنني لا أقرأ زرادشت في هذا الفصل باعتباره نبيًا متعاليًا أو حكيمًا يقف فوق الآخرين ليمنحهم الحقيقة، بل أراه إنسانًا اكتشف فجأة مأزقًا رهيبًا: الجميع يريد منه شيئًا، لكنه هو نفسه لا يجد من يريد منه شيئًا بالمعنى الإنساني العميق. الناس يقتربون من أفكاره، من حكمته، من نوره، لكنهم لا يقتربون منه. يأخذون ما يحتاجون إليه ثم يعودون إلى حياتهم، بينما يبقى هو واقفًا في النقطة نفسها، يحمل وفرة لا يستطيع أن يحولها إلى مشاركة حقيقية.
وهنا تبدأ بالنسبة إليّ الفلسفة الحقيقية لهذا النص.
إن أكثر أشكال الوحدة قسوة ليست أن أكون بلا أحد، بل أن يكون حولي كثيرون لأنهم يحتاجون إليّ، من دون أن أجد بينهم من أحتاج إليه. هناك فرق هائل بين أن أكون مطلوبًا وأن أكون محبوبًا، بين أن يكون الناس بحاجة إلى معرفتي وأن يكونوا بحاجة إليّ أنا، بين أن يعرفوا ما أكتب وبين أن يعرفوا من أكون.
لقد صنعت مجتمعاتنا صورة رومانسية عن الواهب. نحن نحتفي بمن يعطي دون حدود، بمن يتضامن دائمًا، بمن يعلّم الجميع، بمن يتحمل الآخرين، بمن يكون جاهزًا لكل طلب. لكننا نادرًا ما نسأل: من يعتني بهذا الذي يعتني بالجميع؟ من يستمع إلى الذي يسمع اعترافات الجميع؟ من يربّت على كتف الإنسان الذي تحول في وعي محيطه إلى كتف جماعي؟
إننا في الحقيقة لا نحب الواهب دائمًا، بل نحب الوظيفة التي يؤديها لنا.
نحب المعلم لأنه يعلمنا، ونحب الكاتب لأنه يمنحنا أفكاره، ونحب القوي لأنه يسندنا، ونحب الصديق لأنه يصغي إلينا، ونحب الأب لأنه يحل مشكلاتنا، ونحب الأم لأنها تغفر دائمًا. لكن المشكلة تبدأ عندما يحتاج هؤلاء إلى أن يخرجوا من أدوارهم. عندئذ نكتشف أننا لم نحبهم ككائنات كاملة، بل أحببنا فائدتهم.
وهذا ما يجعل عبارة زرادشت عن تمنيه أن يكون ظلامًا لا نورًا شديدة العمق بالنسبة إليّ. لماذا يتمنى النور أن يصبح ظلامًا؟ لأن الظلام قادر على التلقي. النور يعطي، والظلام يستقبل. النور يضيء غيره، لكنه لا يستطيع أن يضيء نفسه بالطريقة نفسها. النور محكوم بأن يكون مصدرًا، بينما زرادشت يريد، ولو للحظة واحدة، أن يشعر بأنه متلقٍ أيضًا.
إنني أرى في هذا التمني تمردًا على عبودية القوة.
نحن نعتقد عادة أن الضعف هو العبودية وأن القوة حرية، لكن ماذا لو تحولت القوة نفسها إلى دور إجباري؟ ماذا لو أصبح القوي ممنوعًا من الانهيار، والعالم ممنوعًا من الحيرة، والمعلم ممنوعًا من السؤال، والكاتب ممنوعًا من الصمت، والأب ممنوعًا من التعب؟
عندئذ تصبح القوة قفصًا.
كم من إنسان يعيش اليوم داخل صورة صنعها الآخرون عنه؟ هذا حكيم، فلا يحق له أن يتردد. هذا غني، فلا يحق له أن يشكو. هذا ناجح، فلا يجوز أن يحزن. هذا قوي، فلا ينبغي أن يطلب مساعدة. هذا يعرف كل شيء، فلا يسمح له أحد بأن يقول: لا أعرف.
وأنا أعتقد أن واحدة من أكثر أشكال العنف الاجتماعي خبثًا هي أن نحرم الإنسان من حقه في الخروج من الصورة التي صنعناها له.
لهذا تبدو لي مأساة زرادشت مأساة الإنسان الذي أصبح ضحية لما نجح فيه. لقد نجح في أن يكون نورًا إلى درجة أنه لم يعد مسموحًا له أن يحتاج إلى نور آخر. نجح في العطاء إلى حد أنه حُرم من حق الأخذ. نجح في الاستقلال إلى حد أنه صار وحيدًا.
وهذا ليس مجرد تأمل شعري، بل سؤال يمس حياتنا المعاصرة في الصميم.
نحن نعيش في زمن يحتفل بصورة الإنسان المكتفي بذاته. يُطلب منا أن نكون مستقلين، أقوياء، منتجين، واثقين، قادرين على إدارة أنفسنا بأنفسنا. تُباع لنا فكرة الاكتفاء كما لو أنها أعلى درجات النضج. لكنني أرى أن الإنسان الذي لا يحتاج إلى أحد ليس نموذجًا مكتملًا، بل ربما يكون إنسانًا فقد جزءًا أساسيًا من إنسانيته.
فالإنسان كائن ناقص بالضرورة.
أنا لا أعتبر حاجتي إلى الآخر عيبًا. على العكس، ربما تكون الحاجة واحدة من الشروط الأساسية لكي تصبح العلاقة ممكنة. إذا كنت مكتفيًا تمامًا، فلست بحاجة إلى علاقة، بل إلى جمهور. العلاقة تبدأ فقط عندما يكون الآخر قادرًا على أن يمنحني شيئًا لا أستطيع إنتاجه وحدي.
لهذا أفهم لماذا تصل تجربة العطاء عند زرادشت إلى المرارة. فالعطاء المتواصل من دون تبادل ليس فضيلة إلى ما لا نهاية؛ قد يتحول إلى شكل من أشكال الاستنزاف.
وأعتقد أن الاعتراف بهذا الأمر يزعج أخلاقنا التقليدية. نحن نحب أن نقول: أعطِ ولا تنتظر شيئًا. لكن هل يستطيع الإنسان فعل ذلك حقًا إلى الأبد؟ هل من العدل أصلًا أن نطالبه بذلك؟
هناك فرق بين الكرم وبين إلغاء الذات.
أن أعطي دون أن أحوّل العطاء إلى صفقة أمر نبيل، لكن أن أعيش في علاقة لا يحدث فيها أي تبادل فذلك ليس نبلًا دائمًا. قد يكون استغلالًا مغلفًا بالأخلاق.
إن الشخص الذي يستمع إليك دائمًا يحتاج هو أيضًا إلى من يسمعه. والذي يواسي الجميع يحتاج إلى من يواسيه. والذي يعلم الآخرين يحتاج إلى أن يتعلم. والذي يفتح النوافذ للناس يحتاج إلى نافذة يفتحها له أحد.
ومن هنا أفهم ذلك التعبير النيتشوي المذهل: «المجاعة في الشبع».
يا لها من صيغة تكشف مأزق الإنسان الحديث.
قد أكون ممتلئًا بالأشياء وأعيش جائعًا. قد يكون لدي المال ولا أملك طمأنينة، لدي آلاف المتابعين ولا أملك صديقًا واحدًا، لدي مكتبة كاملة ولا أجد من أحاوره، لدي شهرة ولا أجد من يراني خارج صورتي العامة، لدي كلمات كثيرة ولا أجد أذنًا واحدة تسمع ما وراء الكلمات.
إن الشبع المادي لا يلغي المجاعة الوجودية.
بل إن بعض أشكال الوفرة قد تعمق الشعور بالفقر، لأنها تجعل الإنسان أكثر وعيًا بما لا يستطيع الحصول عليه.
وما يخيفني أكثر هو اللحظة التي يتحول فيها هذا الجوع إلى حقد.
نيتشه لا يجمل زرادشت، ولا يحوله إلى قديس. إنه يسمح له بأن يعترف بشيء لا يحب كثيرون الاعتراف به: الواهب قد يغضب من الذين يأخذون منه.
وقد يبدو ذلك قبيحًا، لكنه صادق.
فالإنسان الذي يعطي باستمرار قد يأتي عليه يوم يسأل فيه: لماذا تأخذون مني ثم تتركونني وحدي؟ لماذا تتذكرونني عندما تحتاجون شيئًا وتنسونني عندما أحتاج إليكم؟ لماذا صار كرمي واجبًا عليكم، بينما احتياجي عبء؟
وهنا يبدأ التسمم الداخلي.
يتحول العطاء من فرح إلى حساب غير معلن. يبدأ الواهب في تذكر ما أعطاه. تبدأ المرارة في التسرب. تظهر جمل مثل: «بعد كل ما فعلته من أجلكم». وهذه العبارة تحديدًا تعلن أن العطاء فقد براءته.
لكنني لا أرى في هذا السقوط دليلًا على أن العطاء كان كاذبًا منذ البداية. ربما يعني فقط أن الإنسان تجاوز حدود طاقته، وأننا طالبناه بأن يكون أكثر من إنسان.
هناك مرحلة يصبح فيها الكريم متعبًا.
والمتعاطف منهكًا.
والحنون قاسيًا.
وهذه المفارقة جديرة بالتأمل: قد تكون القسوة أحيانًا نتيجة فائض سابق من الحساسية.
من يعيش طويلًا وسط آلام الآخرين قد يطور نوعًا من التخدير لكي يحمي نفسه. الطبيب الذي يرى عشرات الحالات المأساوية يوميًا قد لا يتفاعل كما يتفاعل شخص يواجه مأساة للمرة الأولى. المعلم الذي يعيد المشكلة نفسها سنوات قد يصبح أقل صبرًا. الشخص الذي يستمع إلى شكوى الجميع قد يهرب ذات يوم من أول شكوى جديدة.
إننا نميل إلى إدانة لحظة القسوة، لكننا نادرًا ما نبحث في تاريخ الإرهاق الذي سبقها.
ولهذا فإن صورة اليد التي تظل تعطي حتى تقسو ليست مجرد استعارة أدبية؛ إنها وصف دقيق لآلية نفسية وأخلاقية.
اليد المفتوحة باستمرار قد تتصلب.
والقلب الذي لا يسمح له أحد بالراحة قد يغلق أبوابه.
والفضيلة التي تتحول إلى واجب دائم قد تبدأ في كراهية نفسها.
وهنا أرى أن «نشيد الليل» يقدم نقدًا مبكرًا لفكرة «الإنسان الذي ينبغي أن يكون متاحًا دائمًا». وهي فكرة أصبحت اليوم أكثر قسوة بسبب التكنولوجيا.
نحن نعيش في عالم يمكن للآخرين الوصول إلينا فيه طوال الوقت. الهاتف لا ينام. الرسائل لا تنتهي. التطبيقات لا تغلق أبوابها. وكلما أصبحت حاضرًا في حياة الناس أكثر، صار غيابك يبدو وكأنه إساءة.
هناك أشخاص تحولوا، بسبب وسائل التواصل، إلى آلات عطاء دائمة. الكاتب مطالب بأن يكتب، والمثقف مطالب بأن يعلق، والصحفي مطالب بأن يفسر، وصانع المحتوى مطالب بأن ينتج، والصديق مطالب بأن يرد فورًا.
ولم يعد أحد يسأل: ماذا يحدث داخل هذا الإنسان الذي يجب أن يبقى مضيئًا 24 ساعة؟
لقد جعلنا الضوء وظيفة.
وهنا تصبح صورة زرادشت مرعبة في حداثتها. الإنسان الذي يتحول إلى مصدر محتوى دائم يعاني شيئًا قريبًا من مأساة الواهب النيتشوي: الجميع يستهلك النور، والقليلون يسألون عن احتراق المصباح.
لكن «نشيد الليل» لا يتوقف عند مأساة الواهب، بل يذهب أبعد من ذلك إلى مأساة الأقوياء أنفسهم.
صورة الشموس التي تمضي كل واحدة منها في مدارها منفردة تقول لي شيئًا بالغ القسوة: التشابه في القوة لا يصنع بالضرورة علاقة.
قد يجتمع مفكران ولا يفهم أحدهما الآخر.
قد يجلس كاتبان إلى الطاولة نفسها ويكون بينهما جدار كامل.
قد يعيش ناجحون كثيرون في المكان نفسه، وكل منهم غارق في وحدته الخاصة.
لماذا؟
لأن القوة نفسها قد تصنع مسافة.
من يتعلم الاعتماد الكامل على نفسه قد يفقد تدريجيًا القدرة على الاعتماد على الآخرين. ومن يعتاد أن يكون مركز عالمه قد يصعب عليه الدخول إلى عالم شخص آخر.
وهكذا تصبح الاستقلالية القصوى قريبة من العزلة القصوى.
وهنا أختلف مع ثقافة العصر التي تكرر علينا شعار «لا تحتاج إلى أحد».
أنا أحتاج إلى الآخرين، وأعتبر اعترافي بذلك شكلًا من أشكال النضج لا الضعف.
أحتاج إلى من يعارضني.
إلى من يفاجئني.
إلى من يعرف شيئًا لا أعرفه.
إلى من يجعلني أتراجع عن رأي.
إلى من يكشف لي حدود نفسي.
فالذي لا يحتاج إلا إلى ذاته لا يعيش علاقة، بل يعيش داخل صدى نفسه.
وأعتقد أن واحدة من أعظم مشكلات المثقف تحديدًا أن يتحول إلى شمس منفردة. يقرأ، ويعرف، ويكتب، وينتج، لكنه قد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على التعلم من الآخر. عندها يتحول النور إلى غرور، والمعرفة إلى عزلة، والاستقلال إلى عقم.
ولذلك تبدو لي دعوة زرادشت إلى أن ينكره تلامذته واحدة من أكثر أفكار نيتشه تحررًا. فالمعلم الحقيقي لا يريد نسخًا منه. إنه يريد تلامذة يستطيعون أن يغادروه.
وأنا أرى أن أعظم اختبار لأي فكر هو قدرته على إنتاج أشخاص قادرين على الاعتراض عليه.
أما الفكر الذي يريد مريدين أبديين فهو دين مقنع لا فلسفة.
إنني لا أريد قارئًا يعيد كلماتي لي. أريد قارئًا يخرج من نصي ليقول شيئًا لم يخطر لي. لا أريد أن أظل شمسًا يدور الآخرون حولها. أريد أن أجد شموسًا أخرى تجبرني على إعادة النظر في مداري.
هنا فقط يصبح العطاء علاقة لا سيطرة.
وهنا فقط يستطيع النور أن يتحرر من نرجسيته.
لأن للعطاء نرجسية خفية أيضًا يجب أن نعترف بها. فالذي يعطي كثيرًا قد يبدأ في الإحساس بأنه ضروري. وهذه أخطر نقطة في تجربة الواهب: أن يتحول الكرم إلى شعور بالتفوق.
قد أقول إنني أساعد الآخرين، لكنني أحتاج في العمق إلى أن يظلوا محتاجين إليّ.
قد أقول إنني أعلمهم، لكنني لا أريدهم أن يتجاوزوني.
قد أقول إنني أفتح لهم الطريق، لكنني أغضب عندما يختارون طريقًا لا يمر بي.
هنا يتحول العطاء إلى سلطة.
ولهذا فإن التبادل الحقيقي لا يعني فقط أن يمنحني الآخر شيئًا؛ بل أن يقبل الواهب فكرة أنه ليس مركز العالم.
الآخر ليس وعاءً أملؤه.
الآخر عالم كامل.
وحين أقبل ذلك، فإنني أتحرر من لعنة الشمس المنفردة.
أعود إلى «نشيد الليل» فأرى الليل نفسه بصورة مختلفة. الليل ليس هزيمة للنور، بل إنقاذ له من وهم الاكتفاء.
في الليل تظهر النجوم.
أي إن النور لا يعود واحدًا.
يتحول الفضاء إلى تعدد.
ربما لهذا يبدو الليل لحظة مناسبة للاعتراف. ففي النهار أستطيع أن أتمسك بصورة القوة، أما في الليل فأسمع الجوع الذي أخفيه.
وأعتقد أن كل إنسان يحتاج إلى ليله الخاص، إلى لحظة يتوقف فيها عن أداء دوره الاجتماعي.
لحظة لا يكون فيها الكاتب كاتبًا.
ولا المعلم معلمًا.
ولا الأب أبًا.
ولا القائد قائدًا.
بل مجرد إنسان يقول: أنا أيضًا أحتاج.
وهذه الجملة، في رأيي، واحدة من أكثر الجمل تحريرًا.
أنا أيضًا أحتاج.
ليست هزيمة.
إنها اعتراف بشرطي الإنساني.
لقد تعبنا من صناعة الأبطال الذين لا يتعبون، والحكماء الذين لا يشكون، والقادة الذين لا يترددون، والآباء الذين لا يبكون. هذه نماذج غير إنسانية، وحين نفرضها على الناس فإننا لا نمجدهم بل نعذبهم.
لا أريد أن أكون نورًا دائمًا.
أريد أحيانًا أن أجلس في الظلام وأن أنتظر شعاعًا يأتي من غيري.
لا أريد أن أكون الشخص الذي يملك كل الأجوبة.
أريد أن أجد سؤالًا يهزني.
لا أريد أن أكون اليد التي تمنح دائمًا.
أريد أن أشعر بيد أخرى تصل إليّ.
وهنا أصل إلى ما أراه جوهر «نشيد الليل»: مأساة الإنسان ليست في أنه ناقص، بل ربما في اللحظة التي يتوهم فيها أنه مكتمل.
فالاكتمال عزلة.
أما النقص فهو باب العلاقة.
إذا كنت أملك كل شيء، لماذا أحتاج إليك؟
لكن لأنني لا أملك كل شيء، تصبح أنت ضرورة في تكويني.
لهذا لم أعد أخشى فكرة الحاجة كما كنت. إنني أخشى فقط الحاجة التي تتحول إلى تبعية، مثلما أخشى القوة التي تتحول إلى استغناء مطلق.
العلاقة الإنسانية الأجمل هي التي تظل فيها المسافة بين الاثنين مفتوحة: أعطيك دون أن أمتلكك، وتأخذ مني دون أن تستنزفني، وتعطيني دون أن تجعلني مدينًا لك، ونبقى معًا كائنين ناقصين، لا يبتلع أحدهما الآخر.
ربما لهذا يبدو لي «نشيد الليل» اليوم أكثر راهنية من كثير من خطابات النجاح المعاصرة. عالمنا يقول لي: كن شمسًا، تألق، اصنع ذاتك، لا تعتمد على أحد، لا تظهر ضعفك، أنت مشروعك الخاص.
أما أنا فأقول: لست مشروعًا اقتصاديًا.
أنا كائن يحتاج إلى الآخر.
والآخر ليس جمهورًا ولا مستهلكًا ولا تابعًا.
إنه الشرط الذي يمنعني من التحول إلى سجن مغلق على نفسي.
لهذا فإن السؤال الذي يتركه نيتشه في داخلي لا يتعلق بكم أعطيت، بل بنوعية العلاقات التي صنعتها بما أعطيت.
هل جعل عطائي الآخرين أقرب إليّ، أم جعلهم أكثر اعتمادًا عليّ؟
هل منحتهم نورًا لكي يجدوا طريقهم، أم لكي يظلوا ينظرون إليّ؟
هل يستطيعون أن يختلفوا معي؟
هل يستطيعون أن يغادروني؟
هل أستطيع أنا أن أتعلم منهم؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن الضوء الذي أتباهى به قد لا يكون نورًا، بل سلطة.
وأنا أريد أن أخرج من هذه السلطة.
أريد علاقة لا يكون فيها أحد شمسًا دائمة ولا أحد ظلامًا دائمًا.
علاقة نتبادل فيها الأدوار، فنضيء ونُضاء، نعلّم ونتعلم، نقوى ونضعف، نعطي ونحتاج.
ربما عندها فقط يتوقف العطاء عن أن يكون مأساة.
وربما عندها فقط يفقد الليل وحدته.
فليس السؤال الحقيقي: هل أنا نور أم ظلام؟
السؤال هو: هل أعيش داخل علاقة تسمح لي بأن أكون الاثنين؟
أن أضيء أحيانًا، وأن أحتاج إلى الضوء أحيانًا أخرى.
ذلك هو الإنسان الذي أريد أن أكونه: لا شمسًا منفردة تحترق في مدارها، ولا ظلامًا ينتظر خلاصه من الآخرين، بل كائنًا يستطيع أن يمنح ويستقبل دون خجل، وأن يعترف بأن القوة التي لا تعرف الحاجة ليست قوة كاملة، وأن العطاء الذي لا يسمح بالتبادل ليس دائمًا فضيلة، وأن الإنسان لا يصبح أكثر إنسانية بما يكدسه في داخله، بل بما يستطيع أن يحوله إلى لقاء.
وفي النهاية، لعل أكثر أشكال الحرية عمقًا ألا أكون مضطرًا إلى الإضاءة طوال الوقت.







0 التعليقات:
إرسال تعليق