أقرأ الحصيلة السياسية التي حملتها الساعات الأربع والعشرون الأخيرة في الصحافة المغربية، فلا أجد أمامي مجرد سلسلة من الأخبار المنفصلة التي يمكن المرور عليها خبرًا بعد خبر، بل أرى صورة سياسية أكثر تركيبًا لمغرب يدخل مرحلة حكومية جديدة، ويحاول في الوقت نفسه أن يوازن بين ثلاثة مستويات متداخلة: بناء الثقة الاجتماعية في الداخل، والمحافظة على التوازنات الاقتصادية والمالية، ومواصلة إدارة ملف الصحراء ضمن تحول دبلوماسي دولي متسارع. واللافت بالنسبة إلي أن هذه المستويات الثلاثة تكاد تختصر المشهد السياسي الحالي كله، لأن السياسة لم تعد تقاس فقط بما يقال في البرلمان أو بما تعلنه الأحزاب، وإنما بما يصل فعلًا إلى دخل المواطن، وبما تخصصه الدولة للصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية، وبما تستطيع الدبلوماسية أن تحققه في الملفات السيادية الكبرى. ولهذا أرى أن هذا اليوم السياسي، على قصر مدته الزمنية، يقدم نموذجًا مصغرًا عن التحديات التي ستواجه الحكومة خلال السنوات المقبلة.
في قلب هذه الصورة يبرز مشروع قانون المالية لسنة 2027 بوصفه الاختبار السياسي الأول الحقيقي للحكومة. فالبرامج الحكومية يمكن أن تكون واسعة وطموحة ومليئة بالوعود، لكن الميزانية هي اللحظة التي تتحول فيها اللغة السياسية إلى أرقام، والأولويات إلى اعتمادات، والتعهدات إلى ضرائب ونفقات واستثمارات ومناصب شغل. لذلك لا أنظر إلى قانون المالية بوصفه وثيقة محاسباتية يقرأها الاقتصاديون وحدهم، بل باعتباره النص السياسي الأهم الذي تنتجه الحكومة كل سنة، لأنه يجيب عمليًا عن سؤال بسيط لكنه حاسم: من سيدفع، ومن سيستفيد، وأين ستذهب أموال الدولة؟
المعطيات المرتبطة بمشروع مالية 2027 توحي بأن الحكومة تريد أن تبدأ ولايتها بإشارة اجتماعية واضحة، لكن مع التشديد في الوقت نفسه على الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية والسيادة المالية. وهذه الثنائية ليست تفصيلًا لغويًا، بل تمثل في تقديري جوهر المعادلة التي تواجه كل حكومة مغربية اليوم: المواطن يريد زيادة في الدخل وتحسنًا في الخدمات وانخفاضًا في الأسعار وفرصًا أكبر للشغل، بينما تحتاج الدولة في المقابل إلى ضبط العجز والمديونية وتمويل الاستثمار والبنية التحتية والمحافظة على هوامش مالية تحميها من الصدمات الدولية. النجاح لن يكون في الانحياز إلى طرف من هذه المعادلة وإهمال الآخر، بل في جعل السياسة الاجتماعية نفسها قابلة للاستمرار ماليًا، وجعل الانضباط المالي وسيلة لحماية المجتمع لا ذريعة لتجميد مطالبه.
ومن أكثر الإجراءات التي تستحق المتابعة التوجه إلى تخفيف الضريبة على الدخل بالنسبة إلى شرائح واسعة من الأجراء. فالسياسة الاجتماعية لا تعني دائمًا منح مساعدات مباشرة؛ أحيانًا يكون أفضل دعم للقدرة الشرائية هو أن تترك الدولة للمواطن جزءًا أكبر من دخله. ومن هذه الزاوية تبدو مراجعة منظومة الضريبة على الدخل محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين الأجير والخزينة، خصوصًا إذا انعكس التخفيض فعلًا على الأجر الصافي الذي يصل إلى جيب المواطن كل شهر. ومع ذلك، فإن الحكم الحقيقي على هذا الإصلاح لن يكون في النسب المعلنة وحدها، بل في النتيجة النهائية التي سيشعر بها المواطن أمام صندوق المتجر، وفي فاتورة الكهرباء والماء، وفي تكاليف المدرسة والسكن والنقل والعلاج.
فالزيادة في الدخل تفقد كثيرًا من معناها إذا التهمتها الأسعار. وهذه مسألة مركزية في السياسة الاقتصادية الجديدة. لا يكفي أن نقول للمواطن إن ضريبته انخفضت، ثم نتركه أمام سوق ترتفع فيه أسعار المواد الأساسية والخدمات بوتيرة تبتلع ذلك التخفيض. لذلك أجد أهمية كبيرة في الربط بين السياسة الضريبية وسياسة المنافسة ومحاربة الاحتكار وضبط الأسواق. الدولة الاجتماعية الحقيقية لا تعمل فقط عند مرحلة توزيع الدعم، بل تبدأ قبل ذلك من ضمان سوق عادلة لا تتحول فيها القوة الاقتصادية إلى وسيلة لاستنزاف المستهلك.
ويبرز في المشروع أيضًا حجم مهم من الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية والاستثمارات العمومية. وهنا أرى أننا أمام سؤال يتجاوز الأرقام إلى فلسفة التنمية نفسها: هل تتحول الاستثمارات العمومية إلى نمو يخلق فرص العمل، أم تبقى أوراشًا ضخمة لا يشعر المواطن دائمًا بأثرها المباشر؟ لقد أصبح المغرب يمتلك خبرة كبيرة في إنجاز البنيات الأساسية والموانئ والطرق والمطارات والمنشآت الكبرى، لكن المرحلة الجديدة تفرض الانتقال من سؤال «ماذا بنينا؟» إلى سؤال أكثر إلحاحًا: «كم فرصة عمل مستدامة أنتج ما بنيناه؟ وكم مقاولة صغيرة استفادت منه؟ وكم أسرة تحسن دخلها بسببه؟».
هذا السؤال يزداد أهمية مع الإعلان عن إحداث عشرات الآلاف من المناصب المالية. الرقم مهم من الناحية الإدارية، لكنه يكشف أيضًا ترتيبًا للأولويات يستحق النقاش. فجزء كبير من المناصب يذهب إلى قطاعات ترتبط بالإدارة والأمن والصحة ومؤسسات الدولة المختلفة، بينما تبقى قطاعات أخرى بحصص أقل. لا أريد أن أقرأ هذه الأرقام بمنطق الترتيب البسيط بين قطاع مهم وقطاع أقل أهمية، لأن حاجيات الدولة معقدة ومتعددة، لكنني أرى أن النقاش البرلماني الجاد ينبغي أن يسأل عن المبررات الوظيفية وراء هذا التوزيع: ما حاجيات الإدارة الحقيقية؟ أين توجد أكبر حالات الخصاص؟ ما أثر هذه المناصب في جودة الخدمات؟ وهل ستصل الموارد البشرية الجديدة إلى المناطق التي تعاني فعلًا من نقص الأطباء والممرضين والأساتذة والأطر الإدارية؟
أما التشغيل، فيبقى بالنسبة إلي الحلقة الأكثر حساسية، وربما الامتحان الأكبر الذي لا تستطيع أي حكومة تجاوزه باللغة السياسية وحدها. فالجدل حول البطالة، وخاصة بطالة الشباب وحاملي الشهادات، مشروع وضروري، لأن هذه البطالة ليست مجرد مؤشر اقتصادي؛ إنها قضية اجتماعية ونفسية وسياسية أيضًا. الشاب الذي يقضي سنوات في الدراسة ثم يجد أبواب سوق الشغل مغلقة أمامه لا يقرأ نسب النمو بالطريقة نفسها التي يقرأها بها الاقتصادي. بالنسبة إليه، النمو الحقيقي هو عقد عمل، ودخل قار، وإمكانية تأسيس أسرة، والحصول على سكن، وبناء مستقبل داخل بلده.
لذلك سأراقب في المرحلة المقبلة العلاقة بين الرقم المعلن للنمو وعدد فرص الشغل التي سيخلقها هذا النمو. فقد عرف الاقتصاد المغربي فترات حقق فيها نسب نمو محترمة دون أن يكون الأثر في التشغيل بالمستوى نفسه. وهذا يعني أن النقاش ينبغي أن ينتقل تدريجيًا من كمية النمو إلى نوعيته. نحن نحتاج إلى اقتصاد أكثر قدرة على إدماج الشباب، وإلى استثمار خاص لا يبحث فقط عن الامتيازات، بل يخلق قيمة مضافة ووظائف مستقرة، وإلى مقاولات صغيرة ومتوسطة تجد التمويل والولوج إلى الأسواق، وإلى منظومة تعليم وتكوين تتصل بصورة أكثر واقعية بحاجيات الاقتصاد.
وفي الجهة المقابلة من المشهد السياسي حضرت قضية الصحراء بقوة، ولكن بلغة مختلفة تمامًا عن لغة الميزانية والأرقام. هنا ندخل مجال الجغرافيا السياسية وموازين القوة والدبلوماسية ومجلس الأمن والتحولات التي طرأت خلال السنوات الأخيرة على طريقة تعامل القوى الدولية مع النزاع. القراءة المتداولة بشأن مشروع قرار مجلس الأمن تقدم تصورًا شديد الحسم لمستقبل الملف، وتعتبر أن المسار يتجه نحو تكريس الحكم الذاتي كأساس للعملية السياسية، مع تراجع المرجعيات القديمة المرتبطة بخيار الاستفتاء، بل وتذهب بعض القراءات إلى الحديث عن تحولات قد تمس مستقبل البوليساريو نفسها وموقع أطراف صحراوية أخرى.
وأنا أرى أن مثل هذه التحولات، إذا أردنا قراءتها بعقل سياسي هادئ، ينبغي ألا تدفعنا إلى القفز من المعطيات الدبلوماسية إلى إعلان نهاية النزاع قبل أوانها. المشاريع والمسودات والتوازنات داخل مجلس الأمن تمر بمفاوضات دقيقة، والكلمات في النصوص الأممية تزن أحيانًا أكثر من البيانات السياسية الطويلة. ولذلك فإن القوة الحقيقية للدبلوماسية المغربية لا تحتاج إلى المبالغة في وصف مكاسبها؛ يكفي قياسها بالتراكم الذي حدث خلال السنوات الماضية في مواقف عدد متزايد من الدول وفي تطور اللغة الدولية المستخدمة بشأن الحل السياسي.
ومن الواضح بالنسبة إلي أن ملف الصحراء يعيش مرحلة مختلفة عما كان عليه قبل عقدين أو ثلاثة. تغيرت البيئة الدولية، وتغيرت الأولويات الأمنية والاقتصادية، وأصبح الساحل الإفريقي فضاءً بالغ الحساسية بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة، كما أصبحت الشراكات الاقتصادية والاستثمارات والبنية التحتية والطاقة أكثر حضورًا في صناعة التحالفات. المغرب استفاد من هذه التحولات، لكنه في الوقت نفسه بنى سياسة خارجية أكثر ارتباطًا بالاقتصاد وبإفريقيا وبالشراكات الثنائية، ولذلك لم تعد الدبلوماسية منفصلة عن التجارة والاستثمار والأمن والطاقة والهجرة.
لكن ملف الصحراء يكشف أيضًا أهمية تجنب اختزال السياسة الخارجية المغربية كلها في العلاقة مع الجزائر. فالخلاف بين البلدين حقيقي وعميق، والجزائر طرف أساسي في البيئة الإقليمية المحيطة بالنزاع، لكن المغرب في حاجة إلى رؤية أوسع للمغرب العربي وإفريقيا والمتوسط. المنطقة تخسر منذ عقود بسبب غياب التكامل المغاربي، والحدود المغلقة لا تنتج التنمية، والخلافات السياسية الطويلة تستنزف إمكانات كان يمكن تحويلها إلى تجارة ومشاريع مشتركة وتنقل بشري وتعاون اقتصادي.
ما يجمع ملف الميزانية وملف الصحراء، رغم اختلافهما الظاهر، هو مفهوم السيادة. في الملف الخارجي نتحدث عن السيادة الترابية، وفي الميزانية بدأنا نسمع بصورة أوضح عن السيادة المالية والغذائية والطاقية. وهذه في رأيي واحدة من أهم التحولات المفاهيمية التي طرأت على السياسة خلال السنوات الأخيرة. الدولة الحديثة لا تكون ذات سيادة كاملة بمجرد حماية حدودها، بل تحتاج كذلك إلى أمن غذائي، ومصادر طاقة مستقرة، ونظام مالي قادر على مقاومة الصدمات، وبنية رقمية آمنة، وموارد مائية، وصناعة محلية تستطيع إنتاج جزء من حاجياتها الأساسية.
لقد كشفت الأزمات العالمية المتلاحقة أن الدول التي تعتمد بصورة مفرطة على الخارج تصبح أكثر هشاشة، مهما بدا اقتصادها قويًا في الظروف العادية. ولذلك فإن الحديث عن السيادة المالية في مشروع الميزانية ليس مصطلحًا تقنيًا فقط، بل جزء من مفهوم أوسع للأمن القومي الاقتصادي. غير أن السيادة الحقيقية، في نظري، لا تعني الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي المطلق؛ فهذا شبه مستحيل في اقتصاد عالمي مترابط. إنها تعني امتلاك هامش القرار، وتنويع الشركاء، وتقليل نقاط الضعف، وعدم وضع الاقتصاد الوطني تحت رحمة مصدر واحد للطاقة أو سوق واحدة أو ممول واحد أو مورد استراتيجي واحد.
وأنا أقرأ أجندة هذا اليوم السياسي، ألاحظ كذلك أن الحكومة الجديدة ستواجه تحديًا في إدارة الزمن. بدايات الحكومات عادة ما تكون ممتلئة بالحماس والتعهدات والأرقام، لكن المواطن يقيس السياسة بإيقاع مختلف. لا ينتظر خمس سنوات ليصدر حكمه الأول؛ يبدأ الحكم منذ الأشهر الأولى. يريد أن يرى أثر القرارات بسرعة، خاصة في الأسعار والصحة والتعليم والنقل والإدارة والتشغيل. وهنا تكمن خطورة الفجوة بين الزمن الحكومي والزمن الاجتماعي: الحكومة تفكر في برامج متعددة السنوات، بينما الأسرة التي تعاني من الغلاء تفكر في نهاية الشهر.
لهذا فإن أول ميزانية للحكومة ستكون أكثر من مجرد امتحان اقتصادي؛ ستكون اختبارًا في الثقة. فإذا بدأت الإجراءات الضريبية والاجتماعية تنعكس بصورة ملموسة على الدخل والخدمات، فقد يتشكل رصيد من الثقة يسمح للحكومة بإجراء إصلاحات أعمق لاحقًا. أما إذا بقيت الأرقام الكبيرة حبيسة الوثائق والعروض البرلمانية، فإن المسافة بين الخطاب السياسي والحياة اليومية ستتسع من جديد.
والمعارضة بدورها أمام امتحان لا يقل أهمية. فالمرحلة لا تحتاج إلى معارضة تكتفي برفض كل شيء، كما لا تحتاج إلى أغلبية تعتبر كل انتقاد تشويشًا على التجربة الحكومية. البرلمان يصبح ذا معنى عندما يستطيع تحويل الميزانية من نص تقني إلى نقاش وطني حول الخيارات: لماذا ننفق هنا أكثر؟ لماذا ننفق هناك أقل؟ من يستفيد من الإعفاءات؟ ما أثرها؟ كيف نمول الحماية الاجتماعية؟ ماذا نفعل بالمديونية؟ وكيف نخلق فرص عمل أكثر من كل نقطة نمو يحققها الاقتصاد؟
بعد هذه الجولة في أخبار الساعات الأخيرة أصل إلى خلاصة أساسية: السياسة المغربية تدخل مرحلة ستصبح فيها الأرقام أكثر أهمية من الشعارات. ملف الصحراء سيظل في صدارة القضايا الوطنية والدبلوماسية، لكن المواطن سيقيس أداء الحكومة أساسًا بما يحدث في حياته اليومية. ستظل الانتصارات الدبلوماسية مهمة، وستظل الشراكات الدولية ضرورية، لكن السياسة الداخلية لن تستطيع أن تعيش طويلًا على رصيد السياسة الخارجية وحده.
النجاح الحقيقي سيكون في الجمع بين الاثنين: مغرب قوي في الخارج، ومواطن يشعر بثمرة هذه القوة في الداخل؛ دولة تدافع عن وحدتها الترابية، لكنها تدافع بالجدية نفسها عن القدرة الشرائية؛ دولة تستثمر مئات المليارات، لكن الاستثمار يصل أثره إلى الشاب الذي يبحث عن عمل؛ دولة تتحدث عن السيادة المالية، لكنها تجعل هذه السيادة أداة لحماية الخدمات الاجتماعية لا مجرد معادلة للمحاسبين.
هذه، بالنسبة إلي، هي الرسالة الأعمق التي يمكن التقاطها من المشهد السياسي خلال أربع وعشرين ساعة فقط: مرحلة جديدة بدأت، والرهانات مرتفعة، والأرقام كبيرة، والتطلعات أكبر. وما سيحسم صورة الحكومة في النهاية لن يكون عدد الوعود التي قدمتها في بدايتها، وإنما مقدار ما ستنجح في نقله من صفحات قانون المالية ومنابر البرلمان إلى الشارع والبيت والمدرسة والمستشفى ومحفظة المواطن.








0 التعليقات:
إرسال تعليق