الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 18، 2026

هل بدأت نهاية الولاء لـChatGPT وClaude؟ بقلم الكاتب المغربي ترجمة عبده حقي


لسنوات قليلة فقط، بُنيت علاقتنا بالذكاء الاصطناعي على سؤال بسيط: أي منصة أختار؟ هل أستخدم ChatGPT أم Claude، أم Gemini، أم Grok، أم أحد النماذج الصينية الصاعدة؟ تحول اسم النموذج نفسه تدريجيًا إلى علامة تجارية نرتبط بها، ونعتاد واجهتها وطريقة كتابتها واستجابتها، بل إن بعض المستخدمين صاروا يدافعون عن نموذجهم المفضل كما كان الناس يدافعون في السابق عن هواتف آبل وسامسونغ أو أنظمة ويندوز وماك. لكن تجربة جديدة تحمل اسم ModelBattle تقترح قلب هذه العلاقة رأسًا على عقب: ماذا لو لم نعد مضطرين إلى اختيار النموذج أصلًا؟ ماذا لو كتبنا الطلب مرة واحدة، ثم تركنا أربعة نماذج تتنافس في الخفاء، واخترنا نحن النتيجة الأفضل قبل أن نعرف من أنتجها؟

هذه ليست مجرد لعبة تقنية. إنها فكرة يمكن أن تؤشر إلى تحول أعمق في سوق الذكاء الاصطناعي: الانتقال من عصر الولاء للنموذج إلى عصر المنافسة المفتوحة بين النماذج على كل مهمة.

تقدم منصة ModelBattle نفسها حاليًا بشعار مباشر للغاية: “Build anything with the latest frontier models. Free.”، أي: «ابنِ أي شيء بأحدث النماذج المتقدمة، مجانًا». وتوضح صفحتها الرئيسية أن المستخدم يستطيع إنشاء تطبيقات ومواقع وألعاب ولوحات بيانات وتقارير وأدوات برمجية، بينما تُرسل المهمة نفسها إلى أربعة نماذج في الوقت ذاته، ثم يقارن المستخدم النتائج ليحتفظ بالأفضل. وتقول المنصة إنها مجانية حاليًا ولا تتطلب بطاقة ائتمان للبدء.

ما يجعل التجربة أكثر إثارة هو أن أسماء النماذج تكون مخفية أثناء المقارنة. لا يظهر أمام المستخدم شعار OpenAI أو Anthropic أو Meta أو xAI، ولا يعرف مسبقًا إن كان النص أو التطبيق أو الصفحة التي أمامه قد صنعها GPT أو Claude أو Grok أو Kimi أو GLM أو نموذج آخر. عليه أن يحكم فقط على النتيجة.

وهنا تكمن الفكرة الذكية.

فالعلامة التجارية كثيرًا ما تؤثر في حكمنا حتى من دون أن نشعر. عندما نعرف أن إجابة ما جاءت من نموذج شهير ومكلف، قد نفترض تلقائيًا أنها الأفضل. وعندما نعرف أن الإجابة الثانية جاءت من نموذج أقل شهرة أو من شركة صينية جديدة، قد ننظر إليها بتردد. ModelBattle تحاول إزالة هذه الطبقة النفسية من المقارنة، بحيث يصبح السؤال الوحيد: أي نتيجة تخدمني أكثر؟

بطولة صغيرة داخل كل طلب

بحسب شرح المنصة، يُرسل كل طلب إلى أربعة نماذج. ثم تبدأ سلسلة من المواجهات الثنائية بين النتائج. يختار المستخدم الأفضل في كل مواجهة، وصولًا إلى ترتيب النماذج الأربعة من المركز الأول إلى الرابع. وبعد انتهاء المقارنات فقط، تظهر أسماء النماذج التي أنتجت النتائج. وإذا تابع المستخدم العمل، يبقى النموذج الفائز ضمن الجولة التالية ويتنافس مع نماذج أخرى.

بهذا المعنى، لم نعد أمام مساعد ذكاء اصطناعي واحد، بل أمام سوق مصغرة للذكاء الاصطناعي داخل كل محادثة.

النموذج لا يفوز لأنه يحمل اسمًا مشهورًا، وإنما لأنه أقنع المستخدم في المهمة المحددة التي طلبها.

وقد تكون هذه الفكرة أهم بكثير مما تبدو عليه لأول وهلة.

فالسؤال التقليدي: «ما أفضل نموذج ذكاء اصطناعي؟» قد يصبح قريبًا سؤالًا بلا معنى. الأفضل في ماذا؟ في كتابة مقال؟ أم في البرمجة؟ أم في بناء موقع؟ أم في تحليل بيانات؟ أم في إنشاء عرض تقديمي؟ أم في تصميم صورة؟ أم في التفكير الرياضي؟ قد يكون نموذج ما ممتازًا في البرمجة ومتوسطًا في الكتابة الإبداعية، بينما يتفوق منافسه في التحليل الطويل لكنه يكون أبطأ أو أغلى.

لذلك قد يكون المستقبل الحقيقي ليس العثور على أفضل نموذج في العالم، بل العثور تلقائيًا على أفضل نموذج لكل مهمة.

أكثر من 300 نموذج

تعلن ModelBattle أن منظومتها تتضمن أكثر من 300 نموذج من عشرات المختبرات، بينما تضم بطولات النصوص مجموعة أصغر من النماذج الحديثة التي يجري الاختيار منها في كل جولة. وتعرض المنصة نماذج من شركات ومختبرات متعددة، بينها OpenAI وAnthropic وxAI وMeta وMoonshot AI وZ.ai وغيرها. كما توضح أن كل بطولة تتضمن على الأقل نموذجًا تعتبره من فئة frontier، أي من النماذج الحديثة الأعلى قدرة.

هذه الوفرة نفسها تكشف مشكلة بدأت تظهر في عالم الذكاء الاصطناعي.

قبل سنوات قليلة كان المستخدم يعرف عددًا محدودًا جدًا من النماذج. اليوم تتسارع الإصدارات إلى درجة يصبح معها من الصعب على المستخدم العادي، بل حتى على المتخصص، متابعة من يتفوق على من وفي أي مجال.

السباق نفسه أصبح أكثر ازدحامًا. فالمنافسة لم تعد محصورة في OpenAI وAnthropic؛ هناك Google وMeta وxAI وعشرات المختبرات الأمريكية والصينية والأوروبية، إضافة إلى نماذج مفتوحة الأوزان تتحسن بسرعة. وتقارير حديثة عن مشهد الذكاء الاصطناعي تشير بالفعل إلى اتساع دائرة المنافسة وظهور نماذج متقدمة من عدد أكبر من المختبرات.

أمام هذا الانفجار، يصبح من غير العملي مطالبة المستخدم بمتابعة كل إصدار جديد واختباره يدويًا.

وهنا تظهر قيمة فكرة «الأوركسترا»: المنصة تختار مجموعة من النماذج، تجعلها تنفذ الطلب نفسه، والمستخدم يحكم على النتيجة.

هل انتهى سؤال: ChatGPT أم Claude؟

ليس بعد.

من المبكر إعلان «نهاية ChatGPT» أو «نهاية Claude»، بل سيكون ذلك مبالغة واضحة. هذه المنتجات ليست مجرد نماذج لغوية؛ إنها أنظمة متكاملة لها واجهات وأدوات وذاكرة وتكاملات وبيئات عمل وقواعد مستخدمين ضخمة.

لكن ما يمكن أن يتغير هو مفهوم الولاء نفسه.

في المرحلة الأولى من الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان المستخدم يدخل إلى منصة معينة ثم يتعامل مع النموذج الذي توفره تلك المنصة. أما الجيل الجديد من الأدوات فقد يبدأ في إخفاء النموذج خلف طبقة ذكية تختار الأنسب تلقائيًا.

قد يحدث للذكاء الاصطناعي شيء شبيه بما حدث لمحركات البحث في التجارة الإلكترونية. عندما تريد حجز فندق مثلًا، قد لا تتصل بكل فندق على حدة، بل تستخدم منصة تقارن عشرات الخيارات. وعندما تريد السفر بالطائرة، تستخدم محركًا يعرض شركات مختلفة ويقارن الأسعار والمواعيد.

فلماذا ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي مختلفًا؟

بدل أن يسأل المستخدم: «هل أشترك في ChatGPT أم Claude؟»، قد يصبح السؤال: أي منصة تستطيع أن تجعل أفضل النماذج تتنافس على إنجاز عملي؟

وعندها تتحول النماذج من «وجهات» يذهب إليها المستخدم إلى محركات تعمل خلف الستار.

من العلامة التجارية إلى النتيجة

هذا التحول ستكون له آثار تجارية عميقة.

الشركات الكبرى تستثمر مبالغ هائلة في بناء أسماء نماذجها وفي خلق علاقة مباشرة مع المستخدم. لكن أنظمة المقارنة قد تضعف هذا الارتباط.

تخيل أن المستخدم يطلب بناء موقع، فتنتج أربعة نماذج أربع نسخ. يختار واحدة باعتبارها الأفضل، ثم يكتشف بعد ذلك أنها جاءت من نموذج لم يسمع باسمه من قبل.

في تلك اللحظة تحدث صدمة معرفية صغيرة: ربما لم يكن النموذج الذي اعتاد عليه هو الأفضل في هذه المهمة.

وهذا تحديدًا ما يجعل الاختبار الأعمى مهمًا.

فالمنصة لديها لوحة ترتيب تستند إلى اختيارات المستخدمين في المواجهات الثنائية، لكنها تحذر أيضًا من أن النتائج ذات العدد القليل من المعارك تظل أولية. وهذا أمر ضروري، لأن بضعة انتصارات لا تكفي لإصدار حكم نهائي على تفوق نموذج على آخر.

كما أن المقارنة البشرية نفسها ليست معيارًا علميًا كاملًا. ما يعجب مستخدمًا في تصميم صفحة أو صياغة تقرير قد لا يعجب مستخدمًا آخر. لذلك يجب النظر إلى هذه التصنيفات باعتبارها مؤشرًا لتفضيلات المستخدمين داخل بيئة معينة، لا حقيقة مطلقة تحدد «أذكى نموذج في العالم».

المجانية… ولكن إلى متى؟

هناك جانب آخر يجذب الانتباه في شعار ModelBattle: كلمة Free.

المنصة تقول بوضوح إنها مجانية حاليًا ولا تشترط بطاقة ائتمان، وهو عرض مثير بالنظر إلى أن تشغيل أربعة نماذج في الوقت نفسه قد تكون له تكلفة حوسبية معتبرة.

لكن هنا يجب التمييز بين الحقيقة الحالية والوعود المستقبلية.

كون الخدمة مجانية اليوم لا يعني بالضرورة أنها ستبقى مجانية إلى الأبد أو أن جميع أنواع الاستخدام ستكون غير محدودة. عالم خدمات الذكاء الاصطناعي يعرف نمطًا مألوفًا: إطلاق مجاني لجذب المستخدمين وجمع البيانات وتحسين المنتج، ثم ظهور خطط مدفوعة أو حدود استخدام أو مزايا احترافية.

لذلك فالصياغة الصحفية الدقيقة هي: ModelBattle تتيح حاليًا استخدام خدمتها مجانًا ومن دون بطاقة ائتمان، وليس أن الوصول غير المحدود إلى أحدث نماذج العالم أصبح مجانيًا إلى الأبد.

الثمن غير المرئي: البيانات

هناك نقطة أكثر حساسية لا ينبغي أن تضيع وسط الحماس.

توضح ModelBattle أنها تخزن الطلبات والإجابات والاختيارات الناتجة عن الجولات، وأن المحادثات الخاصة لا تُعرض للآخرين على الموقع. لكنها تقول أيضًا إن المطالبات والمخرجات واختيارات المستخدم قد تتم مشاركتها مع المختبرات التي صنعت النماذج، وتنبه المستخدم صراحة إلى عدم إرسال ما لا يريد مشاركته.

وهذه ليست ملاحظة هامشية.

عندما نجعل أربعة نماذج تتنافس على وثيقة مهنية أو مشروع تجاري أو فكرة كتاب أو بيانات شركة، فإننا لا نرسل المادة بالضرورة إلى نظام واحد فقط. لذلك تصبح القراءة الدقيقة لسياسات الخصوصية ضرورة، خصوصًا بالنسبة إلى الصحفيين والباحثين والشركات والكتاب وكل من يتعامل مع مواد غير منشورة أو معلومات شخصية أو أسرار مهنية.

إن وفرة الذكاء الاصطناعي المجاني لا تعني أن كل شيء بلا مقابل. أحيانًا يكون المقابل هو البيانات أو التغذية الراجعة أو أنماط الاختيار التي تساعد في قياس أداء النماذج.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى مزاد دائم

الأكثر إثارة في ModelBattle ليس الموقع نفسه، فهو قد ينجح أو يتغير أو يظهر منافسون أقوى منه. القيمة الحقيقية توجد في الفكرة التي يمثلها.

يمكن تصور مستقبل يكتب فيه المستخدم طلبًا واحدًا، ثم يقوم نظام وسيط بإرساله فورًا إلى عدة نماذج، ويقيس الجودة والسرعة والتكلفة والخصوصية، ثم يختار الأفضل تلقائيًا.

في مرحلة أكثر تطورًا قد لا يرى المستخدم أسماء GPT أو Claude أو Gemini أو Grok إطلاقًا.

سيقول فقط:

اكتب هذا التحقيق.

حلل هذه البيانات.

صمم هذا الموقع.

ترجم هذا الكتاب.

أنشئ هذا الفيديو.

وسيقرر النظام في الخلفية أي نموذج أو مجموعة نماذج قادرة على إنجاز كل جزء.

بل قد تُقسم المهمة الواحدة بين عدة نماذج: نموذج يبحث، وآخر يحلل، وثالث يكتب، ورابع يراجع الحقائق، وخامس يصمم الرسومات.

عندها لن يكون الذكاء الاصطناعي «نموذجًا» نتحدث إليه، بل منظومة من العقول الاصطناعية تتعاون وتتعارض وتتفاوض خلف الشاشة.

من يحتكر المستخدم سيخسر؟

هذه النقلة قد تعيد تشكيل ميزان القوة الاقتصادي في الصناعة.

حتى اليوم، تحاول كل شركة أن تجعل المستخدم يعيش داخل منظومتها. OpenAI تريد أن يبقى المستخدم في ChatGPT، وAnthropic تطور منظومة Claude، وGoogle تربط Gemini بعالمها الواسع، والشركات الأخرى تبني بيئات مشابهة.

لكن منصات «المقارنة والتوجيه» يمكن أن تتحول إلى طبقة جديدة بين المستخدم وبين الشركات المطورة للنماذج.

ومن يسيطر على تلك الطبقة قد يمتلك سلطة هائلة.

فإذا كانت المنصة هي التي تقرر أي أربعة نماذج تدخل المنافسة، وأيها يُستبعد، وبأي معايير يجري تقييمه، فهي لا تصبح مجرد وسيط محايد، بل تتحول إلى بوابة للسوق.

وهنا يظهر سؤال جديد: إذا تحررنا من هيمنة نموذج واحد، هل سنقع تحت هيمنة المنصة التي تختار النماذج نيابة عنا؟

إنها المشكلة القديمة نفسها في ثوب جديد.

محركات البحث رتبت الإنترنت.

متاجر التطبيقات رتبت البرمجيات.

منصات التواصل رتبت الأخبار والمحتوى.

وغدًا قد تقوم «موجّهات الذكاء الاصطناعي» بترتيب العقول الاصطناعية نفسها.

نهاية الولاء أم بداية مرحلة أكثر ذكاء؟

لا أعتقد أن المستخدم سيتوقف غدًا عن استعمال ChatGPT أو Claude أو بقية المنصات الكبرى. لكل واحدة منها تجربة متكاملة ومزايا تجعل علاقتها بالمستخدم تتجاوز مجرد إجابة منفردة.

لكن ModelBattle تكشف مبكرًا عن تحول يستحق المتابعة.

المنافسة القادمة قد لا تكون فقط بين OpenAI وAnthropic وGoogle وMeta وxAI، وإنما بين طريقتين لاستخدام الذكاء الاصطناعي.

الطريقة الأولى تقول: اختر أفضل نموذج والتزم به.

والطريقة الثانية تقول: لا تختر أحدًا، دعهم يتنافسون في كل مرة.

والطريقة الثانية تبدو، منطقياً، جذابة للغاية.

لأن المستخدم في النهاية لا يهتم باسم النموذج بقدر ما يهتم بما يستطيع إنجازه له.

إذا استطاع نموذج أقل شهرة أن يكتب تقريرًا أفضل، فلماذا لا أستخدمه؟

إذا استطاع آخر بناء تطبيق أفضل في نصف الوقت، فلماذا أتمسك باسمي المفضل؟

وإذا كانت المنصة تستطيع اختبار أربعة أو عشرة نماذج نيابة عني، فلماذا أضيع وقتي في الانتقال بينها يدويًا؟

ربما لن تكون الثورة المقبلة في الذكاء الاصطناعي نموذجًا أكثر ذكاءً فقط، بل نظامًا يعرف أي نموذج ينبغي أن يستخدم، ومتى، ولماذا.

عندها قد تصبح أسماء النماذج بالنسبة إلى المستخدم العادي شبيهة بأسماء المعالجات الموجودة داخل مراكز البيانات: مهمة للخبراء، لكنها شبه غير مرئية لمن يريد فقط أن ينجز عمله.

وهنا قد تبدأ بالفعل نهاية نوع من الولاء الذي صنعته السنوات الأولى للذكاء الاصطناعي التوليدي.

ليس لأن ChatGPT أو Claude سيختفيان، بل لأن السؤال نفسه سيتغير.

بدل أن نقول:

«أي نموذج أختار؟»

قد نقول:

«أي نتيجة هي الأفضل؟»

وعندما يصل المستخدم إلى هذه المرحلة، يكون الذكاء الاصطناعي قد انتقل من عصر النموذج الذي نثق باسمه إلى عصر النماذج التي عليها أن تتنافس كل مرة حتى تستحق ثقتنا.


0 التعليقات: