الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، سبتمبر 16، 2026

ين السور والطريق… طفولة ما زالت تنتظرني: عبده حقي


أنظر إلى هذه الصورة فلا أرى طريقًا قديمًا ولا سورًا عتيقًا ولا سيارات عبرت وانتهى أمرها، بل أرى قطعة كاملة من طفولتي وقد توقفت هناك، في حومتي بمكناس، تنتظرني منذ سنوات طويلة كأن الزمن مر من حولها ولم يجرؤ على لمسها. أعرف ذلك الطريق حتى وإن تغير، وأعرف تلك المسافة بين الإسفلت والتراب، وأعرف لون الجدار حين كانت الشمس تضربه في آخر النهار فيصير أقرب إلى لون الخبز الخارج لتوه من فرن الحي، وأعرف تلك السماء التي كانت تبدو لنا أوسع مما هي عليه اليوم، لأننا نحن الذين كنا أصغر، ولأن العالم يومها كان يبدأ من الحومة ولا يحتاج إلى أكثر منها كي يبدو كاملًا.

أقف أمام الصورة فأشعر أنني لا أتذكر المكان فقط، بل أتذكر نفسي كما كنت داخله، أمشي بلا استعجال، أراقب السيارات القليلة وهي تمر، وأميز أصواتها من بعيد، وألتفت إلى المارة لأن الوجوه يومها كانت مألوفة، حتى الذين لا نعرف أسماءهم كنا نعرف أنهم من المكان، من النسيج نفسه، من ذلك العالم الصغير الذي لا يحتاج إلى تعريف. كانت الحومة تعرف أبناءها كما تعرف الأم وقع أقدام أطفالها في الممر، وكانت الأزقة تحفظ ضحكاتنا، والجدران تحفظ أصواتنا، والأرصفة تعرف أقدامنا الحافية أو أحذيتنا المدرسية المغبرة. لم نكن نحتاج إلى خرائط لنصل إلى بيوتنا، لأن الذاكرة نفسها كانت خريطة، وكان كل منعطف علامة، وكل شجرة إشارة، وكل دكان محطة، وكل باب حكاية.

أرى الشخصين السائرين على جانب الطريق فأكاد أتخيل أنني أعرفهما، أو أنني مررت قربهما يومًا من الأيام، أو أن أحدهما ربما ألقى علي السلام، ثم مضى كل منا إلى جهة مختلفة من العمر. هذه هي قسوة الصور القديمة وجمالها معًا؛ إنها تجعل الغرباء أقرباء محتملين، وتجعل التفاصيل الصغيرة تفتح أبوابًا لا تنتهي. من كان يقود تلك السيارة البيضاء؟ إلى أين كانت ذاهبة؟ من كان ينتظر الحافلة البعيدة؟ ماذا كان يفكر فيه ذلك الطفل الذي ربما اختفى خارج إطار الصورة بثانية واحدة فقط؟ وأين أصبح جميع هؤلاء الآن؟ بعضهم كبر، وبعضهم رحل عن مكناس، وبعضهم ربما رحل عن الدنيا نفسها، بينما بقي الطريق في الصورة يؤدي وظيفته الغريبة: يأخذهم جميعًا إلى الماضي ولا يعيد أحدًا.

كنت أظن أن الأسوار لا تتغير، وأن الحجارة أقوى من الزمن، وأن مدينتي ستبقى كما عرفتها إلى الأبد. كنا أطفالًا ونعتقد سرًا أن العالم كله مؤقت إلا حومتنا. البيوت قد يتغير طلاء واجهاتها، الدكاكين قد تغير أصحابها، السيارات تتبدل، لكن الطريق هو الطريق، والسور هو السور، والسماء هي السماء. ثم كبرت وفهمت أن المدن أيضًا تكبر، وأنها تفقد أشياء كثيرة مثلما نفقد نحن ملامح طفولتنا. تمتد البنايات، تضيق المساحات، يزداد الضجيج، تختفي الأراضي الفارغة، وتتغير أسماء المحلات، ويموت شيوخ كانوا جزءًا من المشهد حتى حسبناهم من معالم المكان. يأتي جيل جديد يسير في الشوارع نفسها لكنه يرى مدينة أخرى غير التي رأيناها نحن.

ومع ذلك، لا أستطيع أن ألوم الزمن. ماذا كان يمكنه أن يفعل غير أن يمضي؟ أنا أيضًا مضيت. غادرت بعض الأماكن وعدت إليها بوجه مختلف، وصرت أبحث في المدينة عن ذلك الطفل الذي تركته هناك. أحيانًا أعبر شارعًا قديمًا في مكناس فأشعر فجأة أنه مر من هنا منذ لحظات فقط، وأنني إذا أسرعت قليلًا سأدركه عند المنعطف. أراه يحمل حقيبته أو يركض وراء كرة أو يعود إلى البيت قبل أن يحل الظلام، بينما أظل أنا، بكل هذه السنوات التي فوق كتفي، عاجزًا عن مناداته.

في تلك الأيام لم نكن ندرك أننا نعيش مادة النوستالجيا التي ستؤلمنا بعد عقود. لم يخبرنا أحد أن المشاهد العادية ستصير كنوزًا، وأن سيارة قديمة على طريق الحومة ستصبح أكثر إثارة للعاطفة من عشرات الصور الجميلة التي نلتقطها اليوم بهواتف فائقة الدقة. الصورة القديمة ناقصة الوضوح أحيانًا، لكنها كاملة الروح. أما صور اليوم فكثير منها كامل الوضوح وناقص الذاكرة. يومها لم نكن نصور كل شيء لأننا كنا منشغلين بعيشه، واليوم نصور كل شيء ربما لأننا لم نعد واثقين من قدرتنا على الاحتفاظ به.

أتذكر أن للمكان أصواتًا لا تستطيع الصورة أن تنقلها، لكنني أسمعها وأنا أنظر إليها. صوت محرك سيارة قديمة يصعد الطريق ببطء، نداء من نافذة بيت، بائع متجول يعلن عن سلعته، أطفال يتخاصمون ثم يتصالحون في اللحظة نفسها، امرأة تنادي ابنها قبل الغروب، آذان يتسلل من صومعة بعيدة، ونباح كلب يتردد خلف السور. حتى الصمت يومها كان له صوت مختلف، صمت واسع يمكن للمرء أن يسمع فيه المدينة وهي تتنفس.

وكان للروائح أيضًا وطن صغير في تلك الحومة؛ رائحة التراب بعد أول قطرات المطر، رائحة الخبز، رائحة الفحم، رائحة الأعشاب اليابسة قرب الأسوار، ورائحة المساء حين تبدأ أبواب البيوت في الانغلاق واحدة بعد أخرى. لا أعرف كيف تحفظ الذاكرة الروائح كل هذه السنوات، لكنها تفعل. يكفي مشهد واحد مثل هذا حتى تنفتح فجأة مخازن كاملة داخل الرأس، فأجد نفسي في مكناس التي عرفتها، لا مكناس الموجودة اليوم على الخرائط.

أكثر ما يؤلمني في الصورة ليس ما أراه، بل ما لا أراه. البيوت التي كانت خارج الإطار، الأشخاص الذين كان من الممكن أن يظهروا لو أدار المصور عدسته قليلًا، الدكان الذي كنا نقف عنده، الزاوية التي كنا نختبئ فيها، الطريق الصغير الذي كان يقود إلى بيت صديق، والوجوه التي مات أصحابها ولم تلتقط لهم الكاميرا صورة واحدة. الذاكرة أوسع من كل عدسة، ولهذا تظل الصورة مجرد مفتاح، أما البيت الحقيقي فهو ما يفتح داخلنا بعد النظر إليها.

وأتساءل أحيانًا: هل أحن إلى المكان فعلًا أم إلى نفسي التي كانت فيه؟ ربما الاثنين معًا. لا يمكن فصل الإنسان عن الأمكنة التي صنعته. جزء مني ما يزال يسير في ذلك الطريق، بمحاذاة السور، تحت سماء مكناس الصافية، غير مدرك أن سنوات طويلة ستأتي وسيجلس ذات ليلة رجل كبر كثيرًا ينظر إلى صورته غير المرئية داخل هذا المشهد ويكتب عنه. ربما كانت طفولتي كلها تمشي أمام الكاميرا دون أن تظهر، لأن الطفولة في النهاية ليست شخصًا محددًا داخل الصورة، بل الضوء كله.

هذه حومتي، ولذلك لا أستطيع أن أتعامل معها كمنظر سياحي أو وثيقة عمرانية. بالنسبة إلي، هي أكثر خصوصية من ذلك بكثير. السور ليس أثرًا تاريخيًا فقط، إنه جار قديم. الطريق ليس شارعًا، إنه امتداد لذاكرة قدمي. البيوت البعيدة ليست عمرانًا، إنها وجوه وعائلات وأصوات ومواسم وأعياد وجنازات وأعراس. كل حجر هناك له مكان ما في سيرتي، حتى الحجارة التي لا أعرف أسماءها.

أعود إلى الصورة مرة أخرى فأشعر أن الزمن لم يأخذ كل شيء. لقد ترك لنا هذه النافذة الصغيرة. ومن خلالها أستطيع، ولو لدقائق، أن أعود إلى الحومة دون قطار ولا سيارة، وأن أسير في الطريق نفسه، وأن أبطئ خطاي، وأن أنظر إلى السماء، وأن أقول لذلك الطفل الذي كنته، من مسافة نصف قرن تقريبًا: لا تستعجل يا صغيري، لا تجرِ كثيرًا نحو الغد، ابق قليلًا هنا، قرب هذا السور، لأنك ستقضي عمرًا كاملًا بعد ذلك وأنت تحاول العودة إلى هذه اللحظة.

ثم أغلق الصورة، لكن الحومة لا تُغلق. تبقى مفتوحة في داخلي، طريقًا طويلًا لا تصل إليه الجرافات ولا تغيره خرائط المدن، حومة لا يسكنها الآن إلا الذين أحببتهم، والذين فقدتهم، والذين صرتهم ذات يوم، وهناك، في زاوية ما منها، ما زالت طفولتي تمشي ببطء نحو البيت قبل أن يحل المساء.


0 التعليقات: