بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، تلقى اتحاد كتاب المغرب نبأ رحيل المشمول برحمة الله الشاعر المغربي الكبير، والأستاذ الجامعي والناقد والمترجم، الدكتور محمد السرغيني، أحد أعلام الشعر المغربي الحديث، وأحد الأصوات الشعرية التي أسهمت، منذ عقود مبكرة، في بناء صرح القصيدة المغربية المعاصرة وترسيخ أسئلتها الجمالية والمعرفية والوجودية.
وبهذا الرحيل الأليم، يفقد المغرب الثقافي والأدبي واحدا من كبار شعرائه ومثقفيه، ويفقد الشعر العربي المعاصر شاعرا صاحب تجربة فريدة، شديدة الخصوصية والعمق، ظل طوال مسيرته الإبداعية وفيا لرهان القصيدة على التجديد والمغامرة، وعلى توسيع إمكانات اللغة والصورة والرؤيا، وعلى إقامة جسور خلاقة بين الشعر والفلسفة والتصوف والأسطورة والمعرفة.
لقد كان شاعرنا الراحل محمد السرغيني واحدا من الجيل الرائد الذي أسهم في الانتقال بالشعر المغربي من أسئلة القصيدة التقليدية إلى رحابة الحداثة الشعرية، إلى جانب أسماء شعرية وازنة من جيله، وفي مقدمتها الشعراء الكبار أحمد المجاطي ومحمد الخمار الكنوني وعبد الكريم الطبال، وغيرهم من الأصوات التي شكلت، منذ أواسط القرن الماضي، منعطفا حاسما في تاريخ الشعر المغربي الحديث. وقد تميزت تجربته بخصوصية لغوية ورؤيوية لافتة، وبنزوع دائم إلى التجريب، وإلى مساءلة المألوف وتفجير طاقات اللغة، حتى غدت قصيدته فضاء لتجاور الشعر والفكر، الحسي والروحي، التراثي والحداثي، المرئي والمستتر.
ولم تكن تجربة السرغيني الشعرية تجربة عابرة في مسار الشعر المغربي، بل كانت مشروعا إبداعيا متكاملا، امتد على مدى عقود طويلة، وتبلور في دواوين وأعمال تركت أثرها في الذاكرة الشعرية المغربية والعربية، نذكر من بينها: "ويكون إحراق أسمائه الآتية"، و"بحار جبل قاف"، و"الكائن السبئي"، و"من فعل هذا بجماجمكم"، و"تحت الأنقاض فوق الأنقاض"، إلى جانب أعماله الأخرى في الرواية والنقد والترجمة، ومنها "وجدتك في هذا الأرخبيل"، وكتابه المعروف "محاضرات في السيميولوجيا"، فضلا عن عدد من الترجمات والدراسات. كما توّجت مسيرته الشعرية بحصوله على جائزة المغرب للكتاب في فرع الشعر سنة 2013 عن ديوانه "تحت الأنقاض فوق الأنقاض".
وإذ يستحضر اتحاد كتاب المغرب اليوم هذه المسيرة الإبداعية الحافلة، فإنه يستعيد، بكثير من الاعتزاز والوفاء، إحدى محطات تكريم الراحل في رحاب الاتحاد، حين خصص الدورة الثالثة للملتقى المتوسطي للشعر بمدينة المضيق، في مارس 2016، للاحتفاء بتجربته الشعرية، في ملتقى حمل اسمه واحتفى بمنجزه، بمشاركة شعراء ونقاد وباحثين من المغرب وخارجه. وكانت تلك المناسبة تعبيرا عن مدى تقدير الاتحاد لمكانة الشاعر الرفيعة في المشهد الشعري المغربي، واعترافا بما راكمه من تجربة إبداعية وفكرية جعلت منه أحد الأسماء المرجعية في تاريخ القصيدة المغربية الحديثة.
ولم يكن ذلك التكريم مجرد احتفاء بشاعر كبير، وإنما كان، في جوهره، احتفاء بمرحلة كاملة من تاريخ الشعر المغربي الحديث، وبجيل من الشعراء الذين حملوا القصيدة المغربية إلى أفق جديد، وجعلوا من الشعر مجالا للحرية والتجريب والمغامرة الجمالية والفكرية.
لقد كان الفقيد محمد السرغيني، رحمه الله، شاعرا لا يشبه إلا نفسه؛ يكتب من منطقة خاصة بين الحلم والمعرفة، وبين الغموض والكشف، وبين الذاكرة والتراث والقلق الإنساني المعاصر. وكانت قصيدته، بما فيها من كثافة رمزية وثراء لغوي وإيحاءات صوفية وفلسفية وأسئلة وجودية، تستدعي قارئا شريكا، لا قارئا عابرا. ولذلك ظل شعره مفتوحا على التأويل، قابلا لإعادة القراءة، ومحتفظا بقدرته على إثارة الأسئلة حتى بعد مرور عقود على كتابة نصوصه.
وإلى جانب الشاعر، فقد خسر الوسط الثقافي المغربي أستاذا جامعيا وباحثا وناقدا ومترجما، أسهم في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين، وظل وفيا لفكرة الثقافة بوصفها معرفة وحوارا ومسؤولية، وبوصفها أيضا جسرا بين المغرب ومحيطه العربي والأوروبي.
إن اتحاد كتاب المغرب، وهو يودع واحدا من كبار أعضائه ورموزه، يستحضر بكل تقدير ما قدمه الفقيد للثقافة المغربية، وما تركه من أثر في الشعر والنقد والترجمة والتعليم الجامعي، وما أودعه في الذاكرة الأدبية المغربية من نصوص وتجارب وأفكار ستظل شاهدة على حضور شاعر كبير، وعلى مرحلة مضيئة من مراحل تشكل الحداثة الشعرية في المغرب.
رحم الله الشاعر الكبير محمد السرغيني، وأسكنه فسيح جناته، وأكرم نزله، وجزاه عن الشعر والثقافة والأجيال التي أحبها وعلّمها وأغنى تجربتها خير الجزاء.
وإذ يتقدم اتحاد كتاب المغرب بأصدق تعازيه ومواساته إلى أسرته الكريمة، وإلى أهله وذويه، وإلى زملائه وتلامذته وأصدقائه ومحبيه، وإلى الأسرة الأدبية والثقافية المغربية والعربية، فإنه يؤكد أن الشعر الذي تركه محمد السرغيني سيظل، في أبعاده الجمالية والفكرية والروحية، حاضرا في ذاكرة الثقافة المغربية، وأن غياب الشاعر لا يعني غياب القصيدة؛ فالشاعر الكبير إنما يرحل بجسده، فيما تظل كلماته شاهدة على حضوره، وممتدة في وجدان الأجيال.
الرباط: 14 غشت 2026
المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب








0 التعليقات:
إرسال تعليق