كنت أقود، أو هكذا خُيّل إليّ في البدء، مع أنني لم أعد متأكدًا منذ المنعطف الأول مما إذا كنت أنا الذي يضع يديه على المقود أم أن المقود هو الذي كان قد غرس أصابعه المعدنية في رسغي ويقودني إلى جهة لا تعرفها الخرائط. كانت السيارة شفافة تقريبًا، فقاعة عملاقة انتزعها صانع مجهول من رئة حوت أسطوري ثم ثبّت تحتها أربع دوائر لا تلامس الطريق. لم تكن عجلات بالمعنى الذي تعلّمناه في طفولتنا، بل أربعة أقمار صغيرة تدور حول وهمها الخاص، وبينها وبين الإسفلت مسافة تكفي لمرور روح نحيلة أو ثعبان من هواء. ولهذا كنت أشعر أنني لا أسير على الطريق، بل أحوم فوق جلده، وأن البحر الذي يمتد إلى يساري لا يرافقني وإنما يجرّني من ظلي بحبل خفي إلى قعره.
لم يكن البحر ماءً تمامًا. كان كتلة زرقاء من ذاكرة عتيقة، تتنفس كحيوان منقرض وتفتح بين موجة وأخرى أفواهًا مليئة بأسنان الملح. أحيانًا كنت ألمح تحت سطحه مدنًا قائمة على رؤوسها، مآذن تتدلى إلى الأعماق، نوافذ يسبح داخلها أطفال شفافون، خيولًا مربوطة إلى شرفات غارقة، ونساء يسرحن شعورهن بأمشاط من عظام الأسماك. وعندما أبطئ السيارة لأتأكد مما رأيت، كان كل شيء ينغلق فجأة وينكمش البحر إلى صفحة زرقاء بريئة، كأن المحيط يتقن الكذب أكثر مما يتقن الماء.
كنت وحدي، ومع ذلك كان المقعد المجاور يهبط قليلًا كل بضع دقائق كما لو أن أحدًا غير مرئي يجلس عليه. لم أجرؤ في البداية على النظر إليه. كنت أكتفي بتثبيت عيني على الطريق الساحلي الذي يلتف أمامي مثل أفعى أُخرجت لتوها من إحدى أساطير العالم السفلي. ثم سمعت تنفسًا هادئًا إلى جواري، تنفسًا أعرفه معرفة غامضة، ذلك النوع من المعرفة التي لا تأتي من الذاكرة بل من موضع أقدم منها، من المكان الذي تحفظ فيه العظام ما نسيه الدماغ. التفتُّ، فلم أر أحدًا. رأيت فقط انبعاجًا صغيرًا في المقعد، ثم رأيت على الزجاج المقابل انعكاس وجه طفل. كان وجهي، لكنني لم أكن أنا تمامًا. كان الطفل الذي كنت سأكونه لو أن حياتي سلكت طريقًا آخر.
ابتسم لي.
لم أسأله شيئًا، ولم يسألني شيئًا، غير أن السيارة امتلأت منذ تلك اللحظة برائحة بيت قديم لا أعرف أين صار. رائحة خبز خرج لتوّه من فرن، صابون، خشب خزائن، قهوة صباحية، وشيء آخر لم أستطع تسميته، شيء يشبه رائحة يد كانت تمر على رأسي عندما كنت مريضًا. مددت يدي إلى المقعد، فاختفى الطفل. بقيت الرائحة وحدها، وبقي في صدري ثقب صغير راحت الريح تعبره كلما أسرعت.
السائقون الذين كانوا يمرون بي لم يكونوا أقل غرابة من الطريق. نساء ورجال بشعور فضية طويلة، كأن رؤوسهم مكسوة بضوء قمري جامد، يجلسون داخل مركبات مستديرة لا أبواب ظاهرة لها. كانت وجوههم ساكنة على نحو مريب، بلا ابتسام ولا اكتراث ولا حتى تلك القسوة التي يتبادلها الغرباء على الطرق. كانوا ينظرون إلى الأمام فقط، كأنهم تلقوا منذ آلاف السنين أمرًا بعدم الالتفات. وحين كنت أحاول رؤية أعينهم، كنت أكتشف أن بعضهم لا عيون له أصلًا، بل تجويفان صغيران تتحرك داخلهما نجمتان سوداوان.
مرت بجانبي امرأة عجوز تقود عربة حمراء بلا عجلات، معلقة تمامًا فوق الطريق. كان شعرها يمتد خلفها أمتارًا كثيرة، يتحول شيئًا فشيئًا إلى سرب من الطيور البيضاء. حدقت إلي للحظة ثم رفعت إصبعها إلى فمها طالبة مني الصمت. في اللحظة نفسها اختفى صوت المحرك. اختفى هدير البحر. اختفت الريح. اختفت حتى الضوضاء الداخلية لذلك الحيوان الذي أسميه نفسي. صار العالم صامتًا إلى درجة أنني سمعت دمي وهو يصعد في شراييني كجندي ضائع في درج حجري.
ثم انفجر كل شيء دفعة واحدة.
خرجت من البحر آلاف الأجراس. لم أر الكنائس أو الأبراج التي تحملها، رأيت الأجراس وحدها، تتصاعد من الماء وتطير فوق السيارات كالطيور. كان لكل جرس صوت مختلف: واحد يرن مثل بكاء رضيع، آخر مثل باب بيت يغلق إلى الأبد، ثالث مثل ضحكة رجل مات قبل أن أولد، ورابع كان يكرر اسمي. لم يكن ينطقه كما ينطقه الناس، بل كما لو أن الاسم معدن يضربه حداد في جوف جبل.
واصلت القيادة.
بعد مسافة لا أعرف إن كانت عشرة كيلومترات أو أربعين عامًا، بدأت حواف الطريق تنبت عليها أشجار لم أر مثلها قط. جذوعها ملتوية كأعناق مذنبين، وأوراقها سوداء من جهة وفضية من الجهة الأخرى. كلما هبت الريح انقلبت الأوراق فيبدو الغاب مرة حدادًا ومرة احتفالًا. وعلى بعض الأغصان كانت تتدلى مفاتيح بدل الثمار. آلاف المفاتيح: نحاسية، حديدية، ذهبية، صدئة، صغيرة جدًا وكبيرة بحجم الأذرع.
أوقفت السيارة.
ترجلت.
كانت الأرض طرية بطريقة لا تشبه التراب. انحنيت ولمستها فارتعشت تحت أصابعي، وعرفت فجأة أنني أقف فوق ظهر مخلوق هائل نائم تحت الطريق. ربما سلحفاة تحمل الساحل كله، ربما تنين أودعته الآلهة القديمة هنا عقابًا له، ربما كان جسد الزمن نفسه وقد تحجر ونحن نبني فوقه الطرق والمقاهي والمرافئ والمنازل ونمشي مطمئنين فوق ظهره.
اقتربت من شجرة المفاتيح وقطفت مفتاحًا صغيرًا. حالما لمسته ظهر أمامي باب.
باب فقط.
لا جدار، لا بيت، لا سياج. باب خشبي قائم وسط الفراغ. عرفت الباب. لم أستطع أن أتذكر أين رأيته، لكن جسدي عرفه قبلي. ارتجفت ركبتي، وامتلأ فمي بطعم معدن. وضعت المفتاح في القفل.
قبل أن أديره سمعت صوتًا من خلفي يقول:
إذا فتحتَه لن تستطيع إغلاقه.
التفت، فلم أر أحدًا.
قلت لنفسي إن الأصوات ليست حجة كافية ضد الأبواب.
فتحت.
لم يكن خلف الباب مكان، بل زمن.
رأيت مائدة إفطار. كرسيين. نافذة. يدًا تضع كأسًا على الطاولة. ضوءًا يتسلل من مكان بعيد. رأيت ظهري وأنا أغادر الغرفة ولا أعرف أن بعض المغادرات لا تسمح للإنسان بالعودة إلى الشخص نفسه الذي كانه قبلها. أردت الدخول، لكن المسافة بيني وبين المائدة بدأت تتمدد. خطوت خطوة فابتعدت عشرة أمتار. ركضت، فابتعدت مئة متر. صرخت، فصار صوتي هو الآخر يبتعد عني.
أغلقت الباب بعنف.
سقط المفتاح من يدي وتحول إلى حشرة سوداء حفرت التراب واختفت.
رجعت إلى السيارة وأنا أشعر بأن عدد ركابها ازداد.
كان المقعد الخلفي ممتلئًا هذه المرة.
طفل، فتى، رجل في الثلاثين، آخر في الأربعين، آخر تتخلل شعره خيوط رمادية، شيخ يضع يديه فوق عصاه، وشخص بلا وجه يجلس في الزاوية. كانوا جميعًا أنا.
لم يتكلم أحد.
قلت لهم:
إلى أين نحن ذاهبون؟
رفع الرجل بلا وجه رأسه وأشار إلى الأمام.
تحركت السيارة.
بدأ الطريق يصعد مع أن الساحل بقي في مكانه. ارتفعنا مترًا ثم عشرة ثم مئة، لكنني لم أشعر بأي انحدار. ظلت المركبة تسير أفقية، بينما الأرض نفسها كانت تهبط من تحتنا. صارت السيارات الأخرى نقطًا صغيرة. صار البحر مرآة عظيمة. ثم رأيت شيئًا جعلني أفهم أنني ربما لم أكن أعيش في عالم حقيقي منذ البداية: انعكس في سطح البحر طريق آخر فوقنا، سماء ثانية، سيارات أخرى تسير بالمقلوب، وسائق آخر يشبهني تمامًا يقود سيارته في الجهة المقابلة.
توقفنا لحظة متقابلين، أنا وهو، وبيننا صفحة البحر.
رفع يده.
رفعت يدي.
لكنه لم يقلدني.
أنا الذي كنت أقلده.
شعرت بالرعب. خفضت يدي، فخفضها قبل أن أفعل. فتحت فمي، ففتحه قبلي. فهمت أنني ربما كنت انعكاسه لا العكس، وأن العالم الذي أراه طوال حياتي ليس إلا السطح السفلي لعالم آخر، وأن شخصًا فوق الماء يحلم بي كل ليلة ثم يستيقظ وينساني، بينما أبقى أنا عالقًا هنا وأسمّي نسيانه حياة.
ضغطت على دواسة السرعة.
كانت السيارة تتغذى على شيء غير الوقود. كلما تذكرت خسارة، ارتفع صوت المحرك. كلما تذكرت شخصًا غاب، زادت السرعة. كلما استدعيت ندماً من مخابئه القديمة، قفز المؤشر. بدأت أفهم: خزّان المركبة ممتلئ بالأسف.
فتحت الذاكرة كلها.
فانطلقت السيارة بجنون.
مئة ندم في الساعة.
مئتا وجه.
ثلاثمئة باب مغلق.
أربعمئة كلمة كان ينبغي أن أقولها ولم أقلها.
تطايرت الأشجار إلى الخلف، ثم الجبال، ثم الساحل، ثم السنوات. رأيت أعوامي تمر على جانبي الطريق كأعمدة إنارة: عام يشتعل، عام مطفأ، عام مكسور، عام ينحني فوق قبر، عام يلوح لي بيدين صغيرتين.
ثم تجاوزت يوم ولادتي.
لم أتوقف.
وجدت نفسي أسير في زمن سابق لوجودي، ومع ذلك كنت أعرف المكان. رأيت أبي طفلًا يركض في شارع لم يعد موجودًا، رأيت أمي صغيرة تحمل دمية، رأيت جدي يمر على حصان، رأيت رجالًا ونساء لا أعرف أسماءهم لكن وجوههم كانت تتحرك داخل ملامحي. كل واحد منهم ترك في جسدي حرفًا سريًا، عظمة، رعشة، خوفًا، ميلًا إلى الحزن، طريقة معينة في النظر إلى الأبواب.
واصلت حتى تجاوزت أول أجدادي.
هناك لم يعد ثمة طريق.
كانت صحراء سوداء تمتد تحت سماء بنفسجية، وفي وسطها مخلوق له رأس ثور وجسد طائر وأجنحة مكتوبة عليها أبجدية لا يستطيع البشر قراءتها. جلس أمامي كحارس لما قبل التاريخ.
قال:
اسمك.
أعطيته اسمي.
هز رأسه.
قال:
ذلك الاسم أعطاك إياه الآخرون. أريد الاسم الذي كان لك قبل أن تولد.
لم أعرف.
ظل ينظر إلي.
فتشت ذاكرتي، قلبي، أحلامي، ندوب جسدي، جيوب سنواتي كلها. لم أعثر على شيء.
عندئذ فتح المخلوق فمه وأخرج منه مرآة.
رأيت فيها وجهي بلا عينين ولا فم.
قال:
هذا كان اسمك.
ثم اختفى.
رجعت إلى الطريق، أو أن الطريق هو الذي عاد إلي. لم أعد أعرف الفارق.
كان ركابي جميعًا نائمين. الطفل يضع رأسه على كتف الشيخ، والرجل في الأربعين ينام قرب الرجل في العشرين، والشخص بلا وجه اختفى. بحثت عنه فرأيته في المرآة الأمامية.
كان يقود السيارة.
نظرت إلى يدي.
لم تكونا على المقود.
مع ذلك كنا نسير.
سألت نفسي منذ متى لم أكن أنا السائق.
لم يأتني جواب.
البحر عاد إلى يساري، لكنه صار أغمق. ظهرت الشمس عند الأفق ضخمة وقريبة إلى حد أنني رأيت على سطحها شقوقًا دقيقة. لم تكن شمسًا، بل بيضة كونية على وشك الفقس. ومن داخلها كان شيء يضرب القشرة.
ضربة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
في كل ضربة كانت الطيور تهرب من السماء.
قلت: إذا انكسرت ماذا سيخرج منها؟
قال الطفل من المقعد الخلفي، من دون أن يفتح عينيه:
نحن.
واصلت القيادة.
صار الليل يخرج من صدري بدل أن ينزل من السماء. أحسست به يتسرب بين أضلعي مثل حبر أسود، ينتشر فوق الطريق والبحر والسيارة. اشتعلت المركبات الأخرى في البعيد كيراعات معدنية. السائقون ذوو الشعور الفضية واصلوا سيرهم الصامت، كأنهم موكب جنائزي لحضارة لم تقع بعد.
شغلت المذياع.
سمعت صوتي طفلًا:
هل أصبحت ما كنت تريد أن تكونه؟
أطفأت المذياع.
خرج السؤال من المحرك.
هل أصبحت؟
أسرعت.
خرج من العجلات.
هل أصبحت؟
صرخت.
خرج السؤال من فمي بصوت شخص آخر.
عندها فهمت أن العمر ربما ليس إلا سؤالًا يقودنا، وأن السنوات ليست إجابات بل تأجيلات صغيرة للمواجهة.
واصلت.
لم أعد أبحث عن نهاية للطريق.
صرت أخشى النهاية أكثر مما أخشى الضياع، لأن الضائع ما يزال يملك احتمالات، أما الواصل فقد استنفد الجهات.
وفي منعطف أخير رأيتها.
امرأة تقف وسط الطريق.
كان لها جسد بشري، لكن مكان وجهها مرآة سوداء. توقفت أمامها. فتحت باب السيارة وجلست إلى جواري. لم تقل كلمة.
نظرت إلى وجهها المرآة.
رأيت نفسي طفلًا.
ثم شابًا.
ثم شيخًا.
ثم هيكلًا عظميًا.
ثم حفنة تراب.
ثم شجرة.
ثم طائرًا.
ثم نقطة ضوء بعيدة.
ثم لا شيء.
عرفتها.
لم تكن امرأة.
كانت النهاية، وقد اختارت أن ترافقني بدل أن تنتظرني.
مددت يدي إلى المقود، فانكمش الطريق أمامي حتى صار خيطًا أبيض يمتد من السيارة إلى ثقب صغير في الأفق. بدأت أقود نحوه. البحر يرتفع على جانبي مثل جدارين. النجوم تنخفض. السيارات الفقاعية تصعد إلى السماء واحدة بعد أخرى. عجلاتها تنفصل عنها وتتحول إلى أقمار. السائقون الفضيون يفتحون أبواب مركباتهم ويطيرون فوق الماء بأذرع مفتوحة، ثم يتحولون إلى طيور معدنية تبتلعها العتمة.
بقيت وحدي مع النهاية.
قلت لها:
إلى أين نذهب؟
وضعت إصبعها على المرآة التي كانت وجهها.
ظهر فيها الطريق كله.
رأيت بدايته.
رأيت نهايته.
وكانتا النقطة نفسها.
عندها أدركت أنني لم أكن طوال هذه الرحلة أغادر مكانًا أو أتقدم نحو مكان، وأن الساحل والبحر والمركبات الغريبة والأقمار المعلقة والسائقين الفضيين والوحوش والمفاتيح والأبواب لم تكن سوى أعضاء سرية في جسد شيء أكبر مني يسمونه العمر.
أدركت أن الطريق لم يكن خارج السيارة.
كان في رأسي.
وأن البحر لم يكن إلى يساري.
كان ذاكرتي حين فاضت.
وأن السيارة لم تكن تحملني.
كانت جسدي.
وأن المحرك الذي يزداد اشتعالًا كلما تذكرت خساراتي لم يكن تحت الغطاء الأمامي.
كان قلبي.
أما ذلك الطفل الذي ظل جالسًا خلفي طوال الطريق، فقد فتح عينيه أخيرًا، اقترب ووضع يده على كتفي.
قال:
التفت.
فالتفتُّ.
وللمرة الأولى منذ بدأت الرحلة لم أنظر إلى المرآة، بل إلى المقعد الخلفي مباشرة.
لم يكن هناك أحد.
كان ثمة باب فقط.
الباب نفسه.
عرفته.
هذه المرة لم أبحث عن مفتاح.
مددت يدي وفتحته.
وراءه لم أجد بيتًا ولا مائدة ولا طفولة ولا موتى ينتظرون رجوعي.
وجدت الطريق.
الطريق ذاته يمتد بلا انتهاء، والبحر إلى يساره، والسيارات الفقاعية تحوم فوقه، والسائقون ذوو الشعور الفضية يمضون صامتين نحو جهة لا اسم لها.
ورأيت سيارة تقترب.
داخلها رجل يشبهني.
كان يمسك المقود بكلتا يديه ويعتقد أنه بدأ الرحلة للتو.
حاولت أن أصرخ له:
لا تظن أنك تقود.
لكن صوتي لم يصل.
مرت السيارة بجانبي.
نظر الرجل إلي للحظة.
ثم تابع طريقه.
وعرفت، في تلك اللحظة التي لا أعرف إن كانت لحظة موت أم ولادة، أنني كنت ذلك الرجل، وأنني سأكونه مرة أخرى، وأن الطريق كان يعيد اختراعي كلما انتهيت، كما يعيد البحر الموجة بعد أن يكسرها، وكما تعيد الأساطير موت آلهتها لكي تمنحها حياة أخرى.
أغلقت الباب.
لم يبق أمامي شيء.
لا سيارة.
لا بحر.
لا سماء.
لا جسد.
حتى اسمي بدأ يتساقط مني حرفًا حرفًا، كريش طائر مذبوح في فضاء بلا أرض.
وحين سقط الحرف الأخير، أحسست بخفة لم أعرفها قط.
لم أعد رجلًا يقود سيارة.
لم أعد ذاكرة تحمل سبعين عامًا فوق ظهرها.
لم أعد ابنًا ولا أبًا ولا عاشقًا ولا غائبًا ولا ناجيًا.
صرت الطريق نفسه.
امتددت بين بحرين لا يعرف أحدهما الآخر. أنبتُّ المنعطفات من أضلعي. علّقت الأقمار مكان العجلات. تركت السيارات الغريبة تمر فوق جلدي. واستقبلت السائقين الذين يظنون، مثلما كنت أظن، أنهم ذاهبون إلى مكان ما.
وكلما مر واحد منهم فوقي كنت أهمس من تحت عجلاته المعلقة:
امضِ.
فالطريق لا يقودك إلى الأمام.
إنه يحفر بك إلى الداخل.
وكل ما تراه في الأفق ليس مستقبلًا.
إنه الجزء الأبعد منك.
الجزء الذي أمضيت عمرك كله مسافرًا إليه،
من دون أن تعرف
أنك منذ البداية
كنت جالسًا هناك
تنتظر وصولك.







0 التعليقات:
إرسال تعليق