أَقُودُني.
لا سَيّارَةَ لي
سِوى هَذِهِ الجُمْجُمَةِ الزُّجاجيّةِ
الَّتي تَدورُ فِيها كَواكِبُ مَيْتَةٌ،
وَلا عَجَلاتَ
سِوى أَرْبَعَةِ أَقْمارٍ مَخْلوعَةٍ
مِنْ رُكْبَتَي إلهٍ قَديمٍ
أَضاعَ اسْمَهُ
عِنْدَ آخِرِ مَنْعَطَفٍ فِي الخَليقَة.
أَقُودُني
وَالطَّريقُ لا يَقَعُ تَحْتِي،
بَلْ يَنْبُتُ مِنْ خَلْفي
كَذَيْلِ تِنّينٍ أَصيبَ بِالنِّسيان.
البَحْرُ عَنْ يَساري
يَمْضَغُ أَسْنانَهُ الزُّرْقَ،
وَعَنْ يَميني
تَجْري سُهولٌ مِنَ الزُّجاجِ
تَرْعى فِيها خَيْلٌ بِلا رُؤوس،
وَفَوْقي
سَماءٌ مَقْلوبَةٌ
تَقْطُرُ مِنْها أَجْراسُ قُرىً
لَمْ تُبْنَ بَعْد.
أَنا السّائقُ
وَأَنا الرّاكبُ
وَأَنا ذَلِكَ الَّذي يَجْلِسُ وَرائي
مُغَطًّى بِمِعْطَفٍ مِنْ غُبارِ الطُّفولَة،
يَحْمِلُ فِي حِجْرِهِ
سَبْعينَ سَنَةً
كَقِطٍّ أَعْمى
وَيُرَبِّتُ عَلى ظَهْرِها.
كُلُّ أَعْوامي
تَجْلِسُ إِلى جِواري.
أَراها.
أَعْوامٌ نَحيلَةٌ
تَلْبَسُ أَحْذِيَةَ أَبِي،
أَعْوامٌ مُسِنَّةٌ
تُخَبِّئُ فِي جُيوبِها مَفاتيحَ بُيوتٍ
هَدَمَها النِّسيان،
أَعْوامٌ صَغيرَةٌ
تُطِلُّ مِنَ النّافِذَة
وَتَسْأَلُني:
أَيُّها السّائقُ،
إِلى أَيْنَ تَأْخُذُنا؟
فَأَضْحَكُ.
لأَنَّني لا أَعْرِفُ
إِنْ كُنْتُ أَقودُ الطَّريقَ
أَمِ الطَّريقُ يَقودُني
إِلى المَذْبَحِ السَّريِّ
الَّذي تُذْبَحُ فِيهِ الذِّكْرياتُ
كَيْ يَتَغَذّى المُسْتَقْبَل.
سَيّارَتي فُقّاعةٌ
نَفَخَها حُوتٌ مُصابٌ بِالحُمّى.
بابُها مِنْ صَدَفِ المَنْفى،
مِقْوَدُها قَرْنُ وَحيدِ قَرْنٍ
عاشَ قَبْلَ اخْتِراعِ الغابَة،
وَمِرْآتُها الخَلْفيّةُ
لا تُريني ما وَرائي،
بَلْ تُريني
مَنْ كُنْتُ سَأَصيرُ
لَوْ أَنَّني مُتُّ
فِي اليَوْمِ الصَّحيح.
أَنْظُرُ فِيها:
أَرى رَجُلًا
لَهُ وَجْهِي
وَلَكِنْ لَهُ أَجْنِحَةٌ مِنْ مَلاعِقَ فِضِّيّة،
يَطيرُ حَوْلَ مائِدَةٍ خالِيَة
وَيَنْتَظِرُ أُمًّا
سَتَدْخُلُ بَعْدَ أَلْفِ سَنَة
لِتَضَعَ الخُبْزَ
أَمامَ مَقْعَدِ الغائِب.
أَرى يَدًا
تَخْرُجُ مِنَ البَحْر
وَتَكْتُبُ عَلى الزُّجاج:
لا تَلْتَفِتْ.
فَأَلْتَفِتُ.
وَراءي
تَجْري مَدِينَةٌ كامِلَةٌ
عَلى أَرْبَعِ حَوافِر.
مَآذِنُها مَصْنوعةٌ مِنْ عِظامِ السّاعات،
نَوافِذُها عُيونُ مَوْتى،
وَالأَزِقّةُ
تَخْلَعُ جُدْرانَها
وَتَرْكُضُ خَلْفَ سَيّارَتي
صارِخَةً:
أَعِدْ إلَيْنا خُطاكَ!
لَكِنَّني لا أَمْلِكُ خُطايَ.
بِعْتُها مُنْذُ زَمَن
لِبائِعِ ظِلالٍ
كانَ يَعْبُرُ طُفولَتي
بِعَرَبَةٍ تَجُرُّها سَمَكَتان.
الشَّمْسُ هُنا
لَيْسَتِ الشَّمْسَ.
إِنَّها عَيْنُ مَخْلوقٍ
يَنامُ تَحْتَ قاعِ المَجَرّة
وَيَحْلُمُ بِي.
كُلَّما فَتَحَ جَفْنَهُ
صارَ النَّهار،
وَكُلَّما تَقَلَّبَ فِي نَوْمِهِ
انْحَرَفَ الطَّريق.
أَمّا الرّيحُ
فَهِيَ أَرْمَلَةٌ شَقْراء
تَدْخُلُ مِنَ النّافِذَة
وَتُفَتِّشُ شَعْري
عَنْ رَسائِلَ قَديمَة.
أَقولُ لَها:
ما عادَ فِي رَأْسي
سِوى مَقْبَرَةٍ صَغيرة.
فَتَضْحَكُ
وَتُخْرِجُ مِنْ بَيْنِ شَعْراتي
طائِرًا أَسْوَد
كُنْتُ قَدْ نَسيتُهُ
هُناكَ
مُنْذُ أَوَّلِ خَسارَة.
يَطيرُ الطّائِرُ
نَحْوَ البَحْر،
فَيَنْشَقُّ البَحْرُ
لا لِنَبِيٍّ
وَلا لِجَيْشٍ،
بَلْ لِكَلِمَةٍ
كانَ يَنْبَغي أَنْ أَقولَها
وَلَمْ أَقُلْها.
مِنْ قاعِ الماء
تَصْعَدُ آلافُ السَّيّارات.
بَعْضُها لَهُ زَعانِف،
بَعْضُها لَهُ أَضْراس،
بَعْضُها تَقودُهُ هَياكِلُ عَظْمِيّة
بِشُعورٍ فِضّيّةٍ طَويلَة
تَرْفُرِفُ كَرَاياتِ مَمْلَكَةٍ انْقَرَضَتْ
قَبْلَ أَنْ يَخْتَرِعَ الإِنسانُ المَوْت.
يَمُرّونَ بِي.
لا أَحَدَ يَنْظُرُ إِلَيَّ.
رُبَّما لأَنَّني أَنا المَيِّتُ
وَهُمُ الأَحْياء.
رُبَّما لأَنَّ الحَياةَ نَفْسَها
مُجَرَّدُ سَيّارَةٍ
لَمْ يَعْثُرْ أَحَدٌ بَعْدُ
عَلى دَوّاسَةِ فَرْمَلَتِها.
أَرْفَعُ سُرْعَتي.
مِئَةُ ذِكْرىً فِي السّاعة.
مِئَتا نَدَمٍ.
ثَلاثُمِئَةِ وَجْهٍ
مِمَّنْ أَحْبَبْتُهُم
ثُمَّ تَساقَطوا مِنْ نَوافِذِ الزَّمَن.
تَرْتَجُّ السَّيّارَة.
يَخْرُجُ مِنَ المُحَرِّكِ
نَحيبُ أَجْدادٍ
دُفِنوا قَبْلَ أَنْ أَتَعَلَّمَ أَسْماءَهُم.
المُحَرِّكُ لا يَعْمَلُ بِالوَقود.
إِنَّهُ يَعْمَلُ
بِالأَسَف.
كُلَّما نَدِمْتُ
ازْدادَتِ السُّرْعَة.
لِذَلِكَ
أَصيرُ أَسْرَعَ مِنَ النُّجوم.
أَتَجاوَزُ يَوْمَ وِلادَتي.
أَتَجاوَزُ أَوَّلَ قُبْلَة.
أَتَجاوَزُ جَنائِزَ لَمْ تَقَعْ بَعْد.
أَتَجاوَزُ نَفْسي
وَأَراها واقِفَةً عَلى جانِبِ الطَّريق
تُلَوِّحُ لي
بِمِنْديلٍ مَصْنوعٍ مِنْ جِلْدِ اللَّيْل.
أُريدُ أَنْ أَتَوَقَّف.
لَكِنَّ المِقْوَدَ
تَحَوَّلَ إِلى أُفْعُوان.
يَلْتَفُّ حَوْلَ يَدَيَّ
وَيَهْمِسُ:
قُدْ.
قُدْ أَكْثَر.
فَخَلْفَ آخِرِ الطَّريق
هُناكَ طَريقٌ آخَر.
وَخَلْفَ آخِرِ مَوْتٍ
هُناكَ مَوْتٌ
أَكْثَرُ دِقّة.
أَمُرُّ بِمَحَطّةِ وَقود
مَبْنِيّةٍ فَوْقَ ظَهْرِ سُلَحْفاةٍ عِمْلاقة.
العاملُ فيها
لَهُ رَأْسُ غُراب
وَأَصابِعُ عازِفِ قيثار.
يَسْأَلُني:
ماذا تَحْتاج؟
أَقولُ:
قَليلًا مِنَ البَدايات.
فَيَمْلأُ خَزّاني
بِحَليبِ نَجْمٍ مَذْبوح
وَيُعْطيني
ثَلاثَ قِطَعٍ مِنَ الصَّمْت.
أَسْأَلُهُ عَنِ الثَّمَن.
يَقول:
اتْرُكْ لَنا ذِكْرى.
أَفَتِّشُ جُيوبي.
أَجِدُ ضَحْكَةً قَديمَة،
رائِحَةَ بَيْت،
نِداءَ امْرَأَةٍ مِنْ غُرْفَةٍ بَعيدة،
كَفًّا كانَتْ تَمْسَحُ جَبيني،
وَبابًا
كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّني
سَأَفْتَحُهُ دَوْمًا.
أَتَرَدَّدُ.
فَيَقْتَرِبُ الغُراب
وَيَأْخُذُ الباب.
فَجْأَةً
أَنْسى الطَّريقَ إِلى البَيْت.
أَنْسى شَكْلَ المِفْتاح.
أَنْسى لِماذا
كانَ ثَمَّةَ بَيْتٌ أَصْلًا.
أَرْكَبُ سَيّارَتي
وَفي صَدْري
غُرْفَةٌ تَصْرُخُ
لأَنَّ أَحَدًا أَطْفَأَ فيها النُّور.
ثُمَّ يَجيءُ اللَّيْل.
لا يَهْبِطُ مِنَ السَّماء.
يَخْرُجُ مِنْ داخِلي.
تَنْفَتِحُ أَضْلاعي
وَتَطيرُ مِنْها خَفافيشُ النُّجوم.
يَسْوَدُّ البَحْرُ.
تُضاءُ السَّيّاراتُ البَعيدة
كَحَشَراتٍ مَعدِنيّة
تَهاجِرُ نَحْوَ إلهٍ كهربائي.
أُشَغِّلُ المِذْياع.
يَخْرُجُ مِنْهُ صَوْتي
وَأنا في الثّامِنَة.
يَقولُ لي:
هَلْ صِرْنا ما كُنّا نُريد؟
أُغْلِقُ المِذْياع.
فَيَخْرُجُ الصَّوتُ
مِنْ صُندوقِ السَّيّارَة:
هَلْ صِرْنا؟
أَزيدُ السُّرْعَة.
فَيَخْرُجُ مِنَ المُحَرِّك:
هَلْ صِرْنا؟
أَفْتَحُ فَمي
لأَصْرُخ،
فَتَخْرُجُ مِنْ حَلْقي
طُرُقٌ صَغيرة
تَتَشَعَّبُ فِي الظَّلام.
أَفْهَمُ أَخيرًا:
لَمْ أَكُنْ أَسيرُ عَلى الطَّريق.
كانَ الطَّريقُ
يَسيرُ داخِلي.
كُلُّ مَنْعَطَفٍ
كانَ تَجْعيدةً فِي جَبيني.
كُلُّ جِسْرٍ
كانَ عَظْمًا فِي قَفَصي الصَّدْري.
كُلُّ نَفَقٍ
كانَ سِرًّا
دَفَنْتُهُ حَيًّا.
وَالبَحْرُ؟
البَحْرُ لَمْ يَكُنْ بَحْرًا.
كانَ ذاكِرَتي
بَعْدَ أَنْ فاضَتْ
عَلى نَفْسِها.
أُطْفِئُ المَصابِيح.
أَقودُ بِلا ضَوْء.
أَقودُ بِحَدْسِ الحَيَوانِ
الَّذي كانَني
قَبْلَ أَنْ أَتَعَلَّمَ اسْمي.
أَمامي
تَظْهَرُ امْرَأَةٌ فَوْقَ الطَّريق.
لا وَجْهَ لَها.
لَها مَرْآةٌ مَكانَ الوَجْه.
أَرا نَفْسي فيها
طِفْلًا،
شَابًّا،
شَيْخًا،
رَمادًا،
شَجَرَةً،
حَجَرًا
يَحْلُمُ أَنَّهُ شَجَرَة.
أَتَوَقَّف.
لِلمَرّةِ الأُولى
تَتَوَقَّفُ السَّيّارَة.
يَتَوَقَّفُ البَحْر.
تَتَوَقَّفُ النُّجوم.
حَتّى الآلِهَةُ
تَتَوَقَّفُ عَنْ تَأْليفِ مَصائِري.
تَمُدُّ المَرْأَةُ يَدَها
وَتَفْتَحُ بابَ الرّاكبِ.
تَدْخُلُ.
لا تَقولُ شَيْئًا.
أَعْرِفُها.
إِنَّها نِهايَتي.
أُشَغِّلُ المُحَرِّك.
تَضَعُ رَأْسَها عَلى كَتِفي.
نَمْضي.
الآنَ
لا أُريدُ الوُصول.
الوُصولُ خُرافَةٌ
اخْتَرَعَها المُتْعَبون
لِيُبَرِّروا الطُّرُق.
أُريدُ فَقَطْ
أَنْ أَظَلَّ هُنا:
بَيْنَ بَحْرٍ يَتَذَكَّرُني
وَطَريقٍ يَنْساني،
بَيْنَ سَيّارَةٍ
تَطْفو عَلى عَجَلاتٍ مِنَ الهَواء
وَعُمْرٍ يَجْلِسُ إِلى جِواري
صامِتًا،
بَيْنَ مَنْ كُنْتُ
وَمَنْ لَمْ أَكُنْهُ،
أَقودُ
وَأَقودُ
وَأَقودُ،
حَتّى تَصيرَ يَدايَ
جُزْأَيْنِ مِنَ المِقْوَد،
وَيَصيرَ قَلْبي
مُحَرِّكًا أَسْوَد
يَشْتَغِلُ بِالنِّسيان،
وَتَصيرَ جُمْجُمَتي
نافِذَةً مَفْتوحَة
تَدْخُلُ مِنْها الرّيح
وَتَخْرُجُ مِنْها أَسْمائي
واحِدًا
واحِدًا.
وَعِنْدَ آخِرِ مُنْعَطَف
حَيْثُ يَنْثَني الأُفُقُ
كَقَرْنِ وَعْلٍ مَذْبوح،
أَرى الطَّريقَ
يَخْرُجُ مِنَ البَحْر،
يَصْعَدُ إِلى السَّماء،
يَلْتَفُّ حَوْلَ القَمَر،
ثُمَّ يَهْبِطُ
مِنْ ثَقْبٍ صَغيرٍ فِي صَدْري.
هُناكَ أَفْهَمُ
ما لَمْ تَقُلْهُ لي السَّيّارات،
وَما أَخْفَتْهُ العَجَلاتُ الطّائِرَة،
وَما هَمَسَتْ بِهِ الشُّعورُ الفِضّيّة
وَهِيَ تَعْبُرُني:
أَنَّني
مُنْذُ البِدايَة
لَمْ أَكُنْ ذاهِبًا إِلى مَكان.
كُنْتُ أَقودُ
نَحْوَ نَفْسي.
وَأَنَّ نَفْسي
لَمْ تَكُنْ هُناكَ.
كانَتْ تَجْلِسُ
مُنْذُ سَبْعينَ عامًا
فِي المَقْعَدِ الخَلْفي،
صامِتَةً،
تَنْظُرُ مِنَ النّافِذَة
إِلى البَحْر،
وَتَنْتَظِرُني
كَيْ أَلْتَفِت.







0 التعليقات:
إرسال تعليق