الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أغسطس 22، 2026

روبيرتو كارلوس بين شائعة اعتناق الإسلام وحقيقة نفيه الصريح: عبده حقي


تابعت، مثل كثيرين، خلال الأيام الأخيرة، موجة الأخبار التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية حول اعتناق النجم البرازيلي السابق روبيرتو كارلوس الإسلام، ولا أخفي أنني تعاملت منذ البداية مع هذه الرواية بشيء من الحذر، لأنني تعودت، خصوصاً في زمن السرعة الرقمية والذكاء الاصطناعي والصور المفبركة، ألا أعتبر كل ما يكتسح المنصات حقيقة مكتملة الأركان.

لقد بدا الخبر في ساعات انتشاره الأولى مثيراً إلى درجة جعلت الكثيرين يتلقونه بفرح كبير، خصوصاً في العالم العربي والإسلامي، فقد تعلق الأمر باسم رياضي عالمي ظل لعقود مرتبطاً بأجمل لحظات كرة القدم البرازيلية وريال مدريد، وبلاعب تحولت تسديداته الصاروخية بقدمه اليسرى إلى جزء من الذاكرة الجماعية لعشاق الساحرة المستديرة. لكنني، وأنا أتابع مسار هذا الخبر من مصدر إلى آخر، وجدت أن المسافة بين الرواية الأولى والحقيقة الموثقة كانت أوسع مما بدا للوهلة الأولى.

القصة، حسب ما نشرته عدة وسائل إعلام ومنصات للتحقق، بدأت عندما تحدث نائب تركي عن لقاء جمعه في البرازيل بممثلين عن مؤسسات إسلامية، ونقل عن الشيخ جهاد حمادة أن روبيرتو كارلوس كان قد زاره ونطق بالشهادتين. ومن هنا تحديداً بدأت كرة الثلج تتدحرج، فما كان في الأصل رواية منقولة عن طرف ثالث سرعان ما تحول، في عناوين كثيرة، إلى إعلان قاطع: «روبيرتو كارلوس يعتنق الإسلام».

وهنا أرى أن المشكلة لم تكن في نقل الرواية نفسها، إذ من حق الصحافة أن تنقل تصريحاً يصدر عن شخصية معروفة أو جهة معلومة، وإنما كانت المشكلة في تحويل الرواية من صيغة الادعاء إلى صيغة اليقين قبل أن يتحدث صاحب الشأن نفسه.

وقد زادت صور زواج روبيرتو كارلوس من سهيلة الطاهري، وهي إسبانية من أصول مغربية وتعمل في المجال الرياضي، من قوة الرواية وانتشارها، إذ بدأ كثير من المتابعين يربطون بصورة شبه تلقائية بين هذا الزواج وبين احتمال اعتناق اللاعب الإسلام. بالنسبة إلي، هذا الربط يطرح أكثر من علامة استفهام، لأن الزواج من امرأة مسلمة لا يعني بالضرورة اعتناق الزوج دينها، تماماً كما أن المشاركة في طقوس ثقافية أو أسرية إسلامية لا تمثل إعلاناً تلقائياً عن تغيير المعتقد.

ثم ظهرت صور أخرى لروبيرتو كارلوس مرتدياً لباساً قُدم على أنه «إسلامي»، فانتشرت بدورها على نطاق واسع، وكأنها الدليل النهائي الذي حسم الجدل. غير أن عمليات التحقق من بعض هذه الصور أظهرت أنها غير موثقة، بل إن تقارير إعلامية أشارت إلى احتمال أن تكون إحداها مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وهنا أعتقد أننا أمام درس جديد من دروس الإعلام الرقمي: الصورة لم تعد دائماً دليلاً، بل أصبحت أحياناً جزءاً من المشكلة نفسها.

أما اللحظة الحاسمة بالنسبة إلي فقد جاءت عندما خرج روبيرتو كارلوس شخصياً لينفي الخبر بصورة صريحة، ويؤكد أنه لم يعتنق الإسلام، معبراً في الوقت ذاته عن احترامه الكبير للمسلمين ولجميع الأديان والمعتقدات.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد في نظري من المقبول صحفياً الاستمرار في تقديم «إسلام روبيرتو كارلوس» كحقيقة، لأن لدينا تصريحاً مباشراً من الرجل نفسه يناقض الرواية المتداولة. ولست هنا بصدد مناقشة الدين الذي كان يمكن أن يختاره كارلوس أو لا يختاره، فذلك شأن شخصي خالص لا يحق لأحد أن يصادره أو يفرض عليه تأويلاً من الخارج، وإنما يهمني أساساً الجانب الصحفي: من نصدق عندما يتعلق الأمر بمعتقد إنسان؟ هل نصدق ما يقال عنه أم نصدق ما يقوله هو عن نفسه؟

بالنسبة إلي، الجواب واضح.

إذا كان روبيرتو كارلوس يقول إنه لم يعتنق الإسلام، فإن الموقف الصحفي السليم هو احترام تصريحه ما لم يظهر دليل موثق ومباشر يثبت خلاف ذلك. أما أن نضع شخصاً داخل هوية دينية لم يعلنها بنفسه فقط لأن صوراً أو أخباراً غير مكتملة انتشرت عنه، فهذا لا يخدم الحقيقة ولا يخدم حتى الدين الذي نزعم الدفاع عنه أو الاحتفاء بانتشاره.

وأنا هنا لا أقول إن الرواية الأولى كانت مختلقة من العدم. على العكس، كان وراءها تصريح منقول عن رجل دين، ونقلها نائب تركي، ولذلك كانت جديرة بالتحقق والمتابعة. لكنها بقيت، في حدود ما توفر آنذاك، رواية تحتاج إلى تأكيد من الطرف الأساسي، أي روبيرتو كارلوس نفسه.

وهنا أجدني أمام ظاهرة أصبحت تتكرر يومياً تقريباً: منصات التواصل الاجتماعي لا تنتظر اكتمال الخبر، بل تحوله إلى حدث قبل اكتمال عناصره، ثم تأتي الحقيقة في وقت لاحق محاولة اللحاق بالشائعة بعدما تكون الأخيرة قد حصدت ملايين المشاهدات والتعليقات وإعادات النشر.

لقد أصبحنا نعيش زمناً ينتقل فيه الخبر من احتمال إلى يقين في دقائق، ومن صورة غامضة إلى «وثيقة»، ومن حساب مجهول إلى مصدر تتناقله صفحات إعلامية كبرى. وكلما تعلق الأمر بشخصية عالمية، تضاعفت سرعة الانتشار، وأصبح التصحيح أقل جاذبية من الشائعة الأولى.

ومن هذا المنطلق، أرى أن قصة روبيرتو كارلوس ليست مجرد خبر رياضي أو ديني عابر، بل هي مثال مصغر عن أزمة أعمق يعيشها الإعلام الرقمي اليوم: أزمة التحقق، وأزمة الانتظار، وأزمة التمييز بين ما نرغب في تصديقه وما نستطيع فعلاً إثباته.

لقد بدا لبعض المتابعين أن خبر اعتناق نجم عالمي بحجم روبيرتو كارلوس الإسلام يحمل قيمة رمزية كبرى، ولذلك تسابقوا إلى الاحتفاء به، غير أن الحقيقة لا تُقاس بدرجة إعجابنا بها ولا بعدد من يرغبون في صحتها. الحقيقة تحتاج إلى مصدر وإلى دليل وإلى تصريح واضح.

وأنا شخصياً أرى أن احترام الإسلام لا يقتضي اختلاق معتنقين جدد له، ولا يحتاج هذا الدين إلى أن ننسب إليه أشخاصاً لم يعلنوا انتماءهم إليه. كما أن احترام روبيرتو كارلوس يفرض علينا ألا نختار له معتقده بالنيابة عنه.

حتى تاريخ كتابة هذا المقال، فإن آخر تصريح مباشر وموثق من اللاعب البرازيلي السابق يؤكد أنه لم يعتنق الإسلام، ولذلك فإن كل عنوان يجزم بعكس ذلك يبقى، في نظري، متجاوزاً للمعطيات المتاحة.

أما إن أعلن روبيرتو كارلوس يوماً، بإرادته ومن خلال تصريح صريح، أنه اختار الإسلام ديناً له، فسيكون ذلك خبراً مختلفاً تماماً، وستكون له شروط أخرى في التغطية والتوثيق. أما اليوم، فإن الحقيقة التي أجد نفسي ملزماً صحفياً باحترامها هي أن اللاعب نفى اعتناقه الإسلام، مع تأكيد احترامه الكبير للمسلمين.

وهذا، في نهاية المطاف، هو الحد الفاصل الذي أتمسك به دائماً بين صحافة تبحث عن الحقيقة وصحافة تكتفي بما ترغب المنصات في تصديقه.

بقلم: عبده حقي


0 التعليقات: