الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، سبتمبر 04، 2026

لماذا تألق أبطال المغرب في «تارانتو 2026»؟ عبده حقي


لم يكن تألق ألعاب القوى المغربية في دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط «تارانتو 2026» مجرد تجميع عابر للميداليات، ولا نتيجة انفجار موهبة فردية واحدة يمكن أن تختفي في الدورة المقبلة، بل حمل في تفاصيله مؤشرات أكثر أهمية: اتساع قاعدة الاختصاصات التي ينافس فيها المغرب، ظهور أسماء جديدة، حضور نسائي قوي، والقدرة على إحراز الميداليات من سباق 100 متر السريع إلى نصف الماراثون، مروراً بـ400 متر والحواجز و1500 و5000 و10000 متر و3000 متر موانع والتتابع.

وأنهت ألعاب القوى المغربية منافساتها بحصيلة بلغت 16 ميدالية، منها سبع ذهبيات وأربع فضيات وخمس برونزيات، ضمن حصيلة مغربية عامة تاريخية بلغت 44 ميدالية، منها 16 ذهبية، أنهى بها المغرب الدورة في المركز السابع. والأهم أن حصاد المضمار والطريق لم يكن محصوراً في عداء واحد، بل وزعته مجموعة من الأسماء والاختصاصات، وهو ربما أكثر ما ينبغي التوقف عنده عند محاولة فهم حقيقة ما وقع في تارانتو. 

ياسين حسين أو حين يدخل المغرب منطقة السرعة

أحد أهم معاني تارانتو بالنسبة إليّ هو ما حققه ياسين حسين. فأن يفوز عداء مغربي بسباقي 100 و200 متر في دورة متوسطية ليس تفصيلاً عادياً في بلد ارتبطت صورته العالمية لعقود بسباقات المسافات المتوسطة والطويلة.

حسين انتزع ذهبية 100 متر بزمن 10.31 ثانية رغم رياح معاكسة بلغت 2.8 متر في الثانية، ثم عاد ليفوز بسباق 200 متر، ليصبح أحد نجمي البعثة المغربية بلا منازع. إننا هنا أمام رسالة رياضية تتجاوز الميداليتين: المغرب قادر، إذا أحسن الاستثمار والتخصص، على توسيع خريطته من 1500 و5000 والموانع نحو السرعة الخالصة أيضاً. 

ولذلك لم يكن غريباً أن يقع الاختيار على ياسين حسين لاحقاً لحمل العلم المغربي في حفل الاختتام إلى جانب فاطمة الزهراء برداحة، بعد أن حقق كلاهما ثنائية ذهبية. 

فاطمة الزهراء برداحة.. انتصار لا تحسمه السرعة فقط

أما فاطمة الزهراء برداحة فقد قدمت نموذجاً مختلفاً تماماً للتفوق المغربي. فازت بسباق 5000 متر بزمن 15 دقيقة و7 ثوان و40 جزءاً من المائة، محسنة رقمها الشخصي، وبفارق مريح عن أقرب منافساتها، ثم ختمت الدورة بذهبية نصف الماراثون مسجلة ساعة و9 دقائق و59 ثانية.

الانتصاران يكشفان عن عداءة لا تملك مجرد سرعة نهائية، وإنما قدرة على التحمل وتوزيع الجهد والتعامل مع مسافتين مختلفتين نسبياً. والأهم أن الفوز في 5000 متر جاء بتحسن شخصي واضح، وهو عنصر مهم في قراءة البطولة، لأن الميدالية تصبح أكثر قيمة عندما يرافقها تطور ملموس في المستوى الفردي.

سلمى لهلالي وإسماعيل منياني.. المغرب يربح في 400 متر والحواجز

التغيير الآخر الذي لفت الانتباه جاء من سباقات اللفة الواحدة. فقد أحرزت سلمى لهلالي ذهبية 400 متر للسيدات بزمن 51.26 ثانية، متقدمة على عداءات إيطاليات يمتلكن مستوى قارياً قوياً. كما توج إسماعيل منياني بذهبية 400 متر حواجز للرجال بزمن 48.87 ثانية. 

وهذان الانتصاران مهمان من الناحية التحليلية، لأنهما يعكسان نجاحاً في سباقات تتطلب مزيجاً من السرعة والقوة والتكنيك والانضباط الإيقاعي، وليست مجرد امتداد للمدرسة المغربية التقليدية في التحمل.

عندما يفوز بلد واحد في دورة واحدة بذهبيات 100 و200 و400 و400 متر حواجز، فإن الحديث يبدأ تدريجياً عن اتساع قاعدة الاختصاص، لا عن صدفة فردية.

3000 متر موانع.. المدرسة المغربية ما زالت حاضرة

وفي المجال الذي صار يحمل توقيعاً مغربياً بارزاً عالمياً خلال السنوات الأخيرة، أكد صلاح الدين بن يزيد استمرار قوة المغرب في 3000 متر موانع، بفوزه بالذهبية في 8:46.14، فيما جاء مواطنه محمد تندوفت ثانياً في 8:46.58.

فارق 44 جزءاً فقط من الثانية بين المغربيين، واحتلالهما المركزين الأول والثاني، يمثلان مؤشراً مهماً على العمق العددي في هذا الاختصاص، لا سيما أن المغرب يملك في الذاكرة القريبة نموذج سفيان البقالي، البطل الأولمبي مرتين. 

والقيمة هنا ليست في القول إن المغرب وجد تلقائياً «خليفة البقالي»، فهذا استنتاج متسرع، بل في أن الاختصاص نفسه لا يزال ينتج متنافسين قادرين على الوصول إلى منصات التتويج الدولية.

ليست الذهبيات وحدها التي تكشف قوة المنتخب

أحياناً تكون الفضيات والبرونزيات أكثر دلالة من الذهب عند تحليل قوة مدرسة رياضية كاملة. سعاد الحداد حققت برونزية 800 متر بزمن 2:00.15 ثم عادت لتحصد فضية 1500 متر بزمن 4:08.51، بفارق عُشر ثانية فقط عن الذهبية.

أنس الساعي نال برونزية 1500 متر، وفؤاد المسعودي برونزية 5000 متر، وكوثر فركوسي برونزية 10000 متر، فيما أحرز مصطفى العقاوي فضية 10000 متر وحصل هشام أولاضة على البرونزية في السباق نفسه. كما سجل المغرب فضية في تتابع 4×400 متر للرجال بزمن 3:02.31، بفارق 29 جزءاً من الثانية فقط عن تركيا. 

وهذه النتائج هي التي تجعلني أرى أن العبارة الأدق ليست «المغرب صنع بطلاً»، بل «المغرب ظهر بفريق». والفرق بين الجملتين كبير جداً.

فما الأسباب الحقيقية وراء هذا التألق؟

من السهل بعد أي دورة ناجحة أن ننسب كل شيء إلى «الموهبة المغربية»، لكن الموهبة وحدها لا تنتج منظومة، كما أن منشأة رياضية وحدها لا تصنع بطلاً. والأقرب إلى الدقة هو النظر إلى مجموعة عوامل تراكمية عملت لسنوات.

أولها أن تطوير ألعاب القوى المغربية لم يبدأ عشية تارانتو. فمنذ سنة 2007 دخلت الدولة والجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى في عقد-برنامج لإعادة تأهيل القطاع، يقوم على تطوير رياضة النخبة، توسيع الممارسة، دعم الأندية والعصب، تقوية التكوين وإنجاز البنيات التحتية. وتؤكد وثائق رسمية أن الدولة اعتمدت هذا النهج التعاقدي لتحديد برامج العمل، والمساهمة المالية العمومية، وأهداف الأداء الرياضي. 

كما أن الرسالة الملكية المتعلقة بتطوير ألعاب القوى وضعت منذ سنوات تصوراً يقوم على أربعة عناصر شديدة الوضوح: الحكامة، اكتشاف وصقل المواهب، تحديث أنظمة التدريب والتأطير، وتطوير المنشآت، مع ضرورة الربط بين ألعاب القوى القاعدية ورياضة النخبة.

شبكة مراكز وليست مركزاً واحداً

السياسة الثانية هي الاستثمار في فضاءات الإعداد. فالجامعة تتوفر اليوم على منظومة تشمل المعهد الوطني لألعاب القوى، وأكاديمية محمد السادس لألعاب القوى بإفران، ومراكز جهوية للتكوين في بنسليمان وبنجرير والخميسات وخنيفرة وتحناوت، إلى جانب شبكة من مضامير ألعاب القوى في مدن متعددة. وتضم المراكز تجهيزات للتدريب والإقامة والدراسة والتقوية البدنية والعلاج والتدليك والمتابعة الطبية. 

وإفران تحديداً تمنح المغرب ميزة طبيعية مهمة. فالمدينة الواقعة على ارتفاع يقارب 1650 متراً استُخدمت منذ سنوات للتدريب في المرتفعات، وهو أسلوب معروف في إعداد عدائي التحمل، وقد ارتبطت بإعداد أبطال مغاربة ودوليين.

وفي سنة 2026 نفسها أطلقت الجامعة طلباً لإعادة تأهيل مركز تكوين العدائين في بنسليمان، فيما دخل مشروع مجمع جديد بسلا يجمع وظائف الجامعة والمعهد الوطني لألعاب القوى ومرافق الإقامة والتكوين والاستشفاء الرياضي مرحلة الدراسات، وهو ما يدل على استمرار الاستثمار في البنية وليس الاكتفاء بما أنجز سابقاً. 

لكنني أتحفظ هنا على استنتاج واحد: لا يمكن، من دون ملفات التكوين الفردية لكل عداء، أن نزعم أن كل أبطال تارانتو هم «نتاج مباشر» لهذه المراكز بالذات. ما نستطيع قوله بثقة هو أن هذه البنية تشكل البيئة الوطنية التي تتم داخلها عمليات التكوين والإعداد والانتقاء.

المنافسة الداخلية تصنع المنافس الدولي

المنشآت من دون سباقات منتظمة تتحول إلى إسمنت جميل. وما يبدو مهماً في النموذج المغربي هو وجود روزنامة وطنية موزعة جغرافياً.

خلال موسم 2026 مثلاً نظمت لقاءات اتحادية ومسابقات في فاس وتيفلت والحسيمة وكلميم وبنجرير ومرتيل وإفران وسلا وغيرها، إلى جانب البطولات الوطنية وكأس الشباب وكأس العرش ومسابقات العدو الريفي.

وظيفة هذه البطولات لا تنحصر في توزيع الكؤوس، بل إنها توفر للمدرب أرقاماً ومؤشرات، وتسمح للجامعة بمقارنة العدائين وانتقاء العناصر، كما تجعل الرياضي يعيش ضغط السباق قبل الوصول إلى البطولة الخارجية.

وعندما شاهدنا في تارانتو مغربيين معاً فوق منصة 3000 متر موانع ومغربيين على منصة 10000 متر، فإن أحد التفسيرات الرياضية المعقولة هو وجود منافسة داخلية تسبق المنافسة الخارجية.

قاعدة شبابية واسعة

المؤشر الآخر يتعلق بالأعمار. ووفق معطيات الجامعة للموسم 2024-2025، بلغ عدد المرخصين 16,291 رياضياً ضمن 15 عصبة جهوية و205 أندية وجمعيات، وكان من تقل أعمارهم عن 18 عاماً يمثلون 76 في المائة من مجموع الممارسين المسجلين. 

هذه النسبة مهمة للغاية، لأن الاستدامة في ألعاب القوى تبدأ قبل سنوات طويلة من الميدالية. البطل الذي نراه اليوم فوق منصة التتويج هو غالباً نتيجة سلسلة تبدأ من ناد محلي أو أستاذ للتربية البدنية أو منافسة مدرسية، ثم تنتقل إلى العصبة والمركز الجهوي والمنتخب الوطني.

ولهذا ظلت العلاقة مع الرياضة المدرسية جزءاً من سياسة البحث عن المواهب، سواء من خلال اتفاقيات الشراكة أو إتاحة مراكز التكوين للمنافسات المدرسية ومسارات «رياضة ودراسة». 

المال العمومي موجود.. لكنه لا يكفي وحده

هناك أيضاً عنصر التمويل الذي لا ينبغي إخفاؤه وراء الخطاب العاطفي عن الأبطال. صناعة عداء دولي مكلفة: إقامة، تغذية، طب رياضي، تحاليل، تجهيز، سفر، معسكرات، رواتب أطر تقنية ومشاركة دولية.

والدعم العمومي لألعاب القوى ليس جديداً؛ ففي سنة 2023 مثلاً أظهر تقرير مالي تخصيص 87.45 مليون درهم للجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى في إطار عقد البرنامج، إلى جانب اعتمادات أخرى للبنيات الرياضية وإعداد رياضيي المستوى العالي عبر الصندوق الوطني لتنمية الرياضة. 

إذن حين نفوز لا ينبغي تقديم الرياضي وكأنه كان يركض وحيداً في فراغ مؤسساتي، كما لا ينبغي أيضاً اعتبار صرف الأموال ضماناً آلياً للميداليات. بين الدرهم العمومي والميدالية توجد الحلقة الأصعب: الحكامة، جودة المدرب، الاختيار الصحيح للمواهب، الطب الرياضي، العلوم التطبيقية، والاستمرارية.

ملتقى محمد السادس.. الاحتكاك بالنخبة العالمية

يدخل ضمن المنظومة كذلك احتضان الرباط لملتقى محمد السادس لألعاب القوى، الذي أصبح محطة ضمن الدوري الماسي العالمي. وفي ماي 2026 احتضن الملعب الأولمبي بالرباط الدورة السابعة عشرة باعتبارها المحطة الثالثة من الدوري الماسي وأحد المواعيد البارزة في أجندة الاتحاد الدولي لألعاب القوى. 

القيمة هنا لا تكمن فقط في الفرجة، بل في جعل المغرب جزءاً من الدورة الاقتصادية والتقنية والإعلامية لألعاب القوى العالمية، وفي رفع سقف المعايير التي يقيس بها الرياضي والمدرب المغربي أداءهما.

لكن الحذر واجب: تارانتو ليست بطولة العالم

وسط أجواء الاحتفال، هناك نقطة أعتبرها أساسية: النتائج المتوسطية الممتازة لا تسمح بعد بإعلان عودة ألعاب القوى المغربية إلى هيمنتها العالمية القديمة.

المستوى المتوسطي قوي، لكنه ليس مستوى بطولة العالم أو الألعاب الأولمبية. وقد عاشت ألعاب القوى المغربية خلال السنوات الأخيرة فترات من التراجع والانتقادات المرتبطة بالحكامة واكتشاف المواهب وضعف الحضور في بعض الاختصاصات، وهو ما دفع أصواتاً رياضية وإعلامية إلى المطالبة بإصلاحات أعمق وأكثر اعتماداً على العلوم الرياضية الحديثة. 

لذلك فإن القيمة الحقيقية لتارانتو ستتضح بعد سنتين أو أربع سنوات: كم عداءً من هؤلاء سيصل إلى نهائي عالمي؟ كم رقماً شخصياً سيتحول إلى رقم دولي كبير؟ وكم بطلاً جديداً سيدخل المنافسة على الميدالية الأولمبية؟

الدرس الأكبر: من صناعة النجم إلى صناعة المدرسة

ما حدث في تارانتو 2026 يثير التفاؤل، ليس فقط لأن ياسين حسين وفاطمة الزهراء برداحة فازا بذهبيتين لكل منهما، ولا لأن سلمى لهلالي وإسماعيل منياني وصلاح الدين بن يزيد صعدوا إلى أعلى منصة، بل لأن صورة ألعاب القوى المغربية بدت أوسع من صورة البطل الواحد.

رأينا السرعة، والحواجز، ونصف المسافات، والمسافات الطويلة، والموانع، ونصف الماراثون والتتابع. ورأينا الرجال والنساء معاً على منصات التتويج.

وهذه، في تقديري، هي النتيجة الأهم لسياسة رياضية ناجحة: ألا تنتظر ظهور سعيد عويطة جديد أو هشام الكروج جديد أو سفيان البقالي جديد كي تنقذ حصيلتك، وإنما تبني نظاماً يستطيع أن يقدم أسماء متعددة في اختصاصات متعددة.

تارانتو إذن ليست دليلاً نهائياً على أن كل مشكلات ألعاب القوى المغربية قد حُلّت، لكنها تقدم دليلاً قوياً على أن الاستثمار الطويل في البنيات والتكوين والمراكز والمسابقات والإعداد يمكن أن يثمر عندما يلتقي بالموهبة والانضباط والعمل التقني.

وإذا نجح المغرب في الانتقال بهذه الأسماء من منصة البحر الأبيض المتوسط إلى منصات العالم والأولمبياد، عندها فقط يمكن القول إن تارانتو 2026 لم تكن دورة ذهبية عابرة، بل كانت اللحظة التي بدأت فيها ألعاب القوى المغربية فعلاً بناء جيل جديد من الأبطال.


0 التعليقات: