الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، سبتمبر 04، 2026

أكثر ملف مسكوت عنه في المغرب: المسيحيون المغاربة


هناك ملفات يعرف المغاربة أنها موجودة، ويتحدثون عنها في البيوت والمقاهي ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن المؤسسات السياسية تفضّل أن تقترب منها بحذر شديد، وكأن مجرد وضعها على طاولة النقاش سيُحدث زلزالاً مجتمعياً. ومن بين هذه الملفات، أرى أن ملف المسيحيين المغاربة واحد من أكثر المواضيع التي ظلّت لسنوات طويلة محاطة بالصمت والالتباس والحساسيات الدينية والسياسية.

أنا هنا لا أتحدث عن المسيحيين الأجانب المقيمين في المغرب، ولا عن الكنائس التاريخية الموجودة في الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش ومدن أخرى، ولا عن الدبلوماسيين والطلبة والمهاجرين الأفارقة الذين يمارسون شعائرهم المسيحية بصورة معلنة، وإنما أتحدث عن فئة مختلفة تماماً: مواطنون مغاربة، وُلدوا في أسر مغربية، ويحملون الجنسية المغربية، واختار بعضهم في مرحلة من حياتهم اعتناق المسيحية أو أعلنوا انتماءهم إليها.

وجود هؤلاء لم يعد اليوم سراً، وإن كانت أعدادهم الحقيقية لا تزال غير معروفة. لا توجد إحصاءات رسمية مغربية تحدد عدد المواطنين المسيحيين بدقة، ولذلك تتباين التقديرات المنشورة تبايناً كبيراً. ففي تقارير سابقة تراوحت تقديرات بعض ممثلي الطوائف المسيحية والمنظمات الحقوقية بين بضعة آلاف وعشرات الآلاف، وهو ما يجعل أي رقم حاسم متداول في الإعلام أقرب إلى التقدير منه إلى الحقيقة الإحصائية. 

ولهذا أعتقد أن السؤال الأهم ليس: كم عدد المسيحيين المغاربة؟

السؤال الحقيقي هو: كيف نتعامل، قانونياً وسياسياً واجتماعياً، مع مغربي اختار عقيدة مختلفة عن عقيدة الأغلبية؟

الدستور المغربي واضح في تحديد المرجعية الدينية للدولة. فالفصل الثالث ينص على أن «الإسلام دين الدولة»، لكنه يضيف في الجملة نفسها أن الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية. كما يجعل الفصل 41 الملك، بصفته أمير المؤمنين، ضامناً لحرية ممارسة الشؤون الدينية. 

هنا بالضبط تبدأ إحدى أكثر المسائل القانونية حساسية.

كيف تُترجم عبارة «حرية ممارسة الشؤون الدينية» عندما يتعلق الأمر بمواطن مغربي مسيحي؟

هل تعني أنه يستطيع فقط أن يؤمن في قلبه بما يشاء؟

أم تعني أيضاً أن من حقه ممارسة شعائره، والاجتماع مع أشخاص يشاركونه العقيدة، وتنظيم حياته الأسرية والدينية وفق معتقده في الحدود التي يرسمها القانون؟

هذه ليست أسئلة لاهوتية، بل أسئلة دستورية بامتياز.

أنا مقتنع بأن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على فرض التشابه بين مواطنيها، وإنما بقدرتها على إدارة اختلافاتهم. والدولة التي تثق في هويتها ومؤسساتها ليست مطالبة بالخوف من مواطن لأنه يختلف دينياً عن الأغلبية.

ومن أكثر النصوص حضوراً في هذا النقاش الفصل 220 من القانون الجنائي، الذي يعاقب استعمال وسائل معينة بقصد «زعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى»، وخاصة عندما يتم استغلال ضعفه أو حاجته أو بعض المؤسسات التعليمية أو الصحية والاجتماعية.

وهنا يجب أن نكون دقيقين: التحول الطوعي من الإسلام إلى المسيحية ليس في حد ذاته جريمة منصوصاً عليها بهذه الصفة، بينما يجرّم القانون وسائل محددة تستهدف حمل المسلم على تغيير دينه. وتكمن إحدى نقاط الخلاف في مدى اتساع مفهوم «زعزعة العقيدة» وكيف يمكن التمييز عملياً بين الحوار الديني الحر والتبشير وبين الاستغلال أو الضغط. 

وأعتقد أن هذا التمييز ضروري.

فكما أرفض أن يستغل أي طرف الفقر أو المرض أو الحاجة الاقتصادية لدفع إنسان إلى تغيير دينه، أرى في الوقت ذاته أن المناقشة الفكرية الحرة بين الأديان والمذاهب والأفكار لا ينبغي أن تتحول في حد ذاتها إلى منطقة ملتبسة قانونياً.

المجتمع الواثق من نفسه لا يخشى الكتاب ولا السؤال ولا النقاش.

التناقض الأكثر إثارة للانتباه هو أن المغرب يضم كنائس تمارس فيها الطوائف المسيحية شعائرها بصورة علنية، بينما تحدثت تقارير دولية وشهادات لمغاربة مسيحيين عن لجوء بعض المواطنين المسيحيين إلى ممارسة شعائرهم في المنازل بصورة خاصة، بسبب ضغوط اجتماعية أو خشية من مشكلات مرتبطة بالوضع القانوني والاجتماعي.

وتشير تقارير الحرية الدينية إلى أن من أبرز الصعوبات التي يذكرها المسيحيون المغاربة الإقصاء الأسري والسخرية الاجتماعية والتمييز أحياناً في محيط العمل، وهي عوامل تجعل بعضهم يفضّل إبقاء معتقده بعيداً عن الحياة العامة. 

وهذا في رأيي هو الجانب الأصعب من القضية.

فالقانون يمكن تعديله بظهير أو تشريع أو تصويت برلماني، لكن كيف نعدّل الثقافة الاجتماعية التي تعتبر أحياناً أن تغيير الدين ليس مجرد اختيار شخصي، وإنما خيانة للأسرة والهوية والجماعة؟

قد يرفض الأب معتقد ابنه.

وقد تشعر الأم بالصدمة.

وقد ترى الأسرة كلها أن الأمر كارثة.

هذه ردود فعل يمكن فهم جذورها الثقافية والدينية، لكن السؤال الذي تطرحه دولة المواطنة مختلف: هل يفقد الإنسان جزءاً من حقوقه المدنية لأنه اختار معتقداً لا توافق عليه أسرته أو الأغلبية؟

بالنسبة إليّ، الجواب يجب أن يكون واضحاً: الاختلاف في الدين لا ينبغي أن يحول المواطن إلى مواطن ناقص.

اللافت أن الملف خرج في الأسابيع الأخيرة من دائرة النقاش الحقوقي الضيق ودخل مباشرة إلى السياسة.

ففي 21 غشت 2026 أعلنت «تنسيقية المسيحيين المغاربة» مذكرة موجهة إلى الأحزاب السياسية، طالبت فيها بإدراج حرية المعتقد وممارسة الشعائر ضمن النقاش الانتخابي والتشريعي. وبعد ذلك تحدث ممثلون عن التنسيقية و«اتحاد المسيحيين المغاربة» عن محاولات التواصل مع الأحزاب، معتبرين أن الأحزاب المغربية لا تزال مترددة في تحويل حرية المعتقد إلى موقف سياسي صريح. 

وهنا تصبح القضية أكثر حساسية.

نحن على أبواب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، والأحزاب تعرف أن موضوع حرية المعتقد من الملفات التي يمكن أن تكلفها انتخابياً. فمن السهل أن يتحدث حزب عن الاستثمار أو البطالة أو الصحة أو الطرق، لكن من الأصعب بكثير أن يعلن موقفاً واضحاً من حق المواطن في تغيير معتقده.

لذلك يبدو الصمت مغرياً.

والصمت الانتخابي مفهوم من زاوية الحسابات، لكنه ليس حلاً سياسياً.

لأن السياسة لا تعني فقط الدفاع عن القضايا التي تحصد التصفيق. السياسة الحقيقية تبدأ أحياناً عندما يضطر الحزب إلى توضيح موقفه من حقوق فئة لا تملك وزناً انتخابياً كبيراً.

من الأخطاء الشائعة أيضاً أن مجرد الحديث عن «مسيحي مغربي» يستدعي فوراً كلمة «التنصير».

وهذا خلط غير دقيق.

هناك فرق كبير بين مواطن يحمل معتقداً مسيحياً وبين منظمة أجنبية تمارس نشاطاً تبشيرياً.

وهناك فرق بين حماية حرية شخص في الإيمان وبين السماح باستغلال هشاشة الناس الاجتماعية والاقتصادية للتأثير في معتقداتهم.

والمغرب من حقه، مثل أي دولة، أن يراقب الأنشطة الأجنبية التي قد تستغل الدين لأهداف سياسية أو مالية أو استخباراتية أو لممارسة ضغوط على فئات هشة. بل شهد عام 2026 نفسه نقاشاً إعلامياً حول أنشطة بعض المنظمات المسيحية الأجنبية وطبيعة عملها داخل المغرب، وهو ملف مختلف يجب ألا يُخلط بحقوق المواطن المغربي المسيحي. 

إن الخلط بين الملفين يجعل النقاش مستحيلاً.

يمكن للدولة أن تكون صارمة تجاه أي تدخل أجنبي غير قانوني، وفي الوقت نفسه تحمي مواطنها، مهما كان دينه.

لا تناقض بين الأمرين.

حين نقرأ المطالب التي أعلنتها الهيئات التي تقول إنها تمثل المسيحيين المغاربة نجد أنها تجاوزت منذ سنوات مجرد المطالبة بعدم التعرض لهم بسبب معتقدهم.

فقد طُرحت قضايا مثل ممارسة الشعائر بصورة جماعية، والوضع القانوني للجمعيات، والزواج، والدفن، وتسمية الأبناء، والتعليم الديني في المدارس، والولوج إلى الكنائس وغيرها من التفاصيل التي تجعل الملف شديد التعقيد؛ لأنها تقع عند التقاطع بين القانون الجنائي ومدونة الأسرة والتعليم والإدارة والأعراف الاجتماعية. 

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: الاعتقاد ليس فكرة مجردة تسكن الرأس فقط.

إنه قد يمتد إلى الزواج، والجنازة، والأطفال، والتعليم، والأعياد، ومكان العبادة.

لذلك لا يكفي أن نقول للمواطن: «اعتقد ما شئت داخل بيتك».

إذا كنا نريد مناقشة حرية المعتقد بجدية، فعلينا مناقشة آثارها القانونية أيضاً.

أعتقد أن المغرب تغير كثيراً خلال العقدين الماضيين.

المجتمع الذي كان يتلقى المعلومة من قناة واحدة أصبح يعيش اليوم داخل فضاء رقمي مفتوح. الشباب يتابعون المسيحي والمسلم والملحد والبوذي واللاديني على الشاشة نفسها. الأفكار تعبر الحدود أسرع من القوانين، ويوتيوب وتيك توك ومنصات التواصل ألغت تقريباً مفهوم احتكار الخطاب الديني.

ولهذا فإن محاولة حل أسئلة القرن الحادي والعشرين بأداة الصمت لن تنجح.

يمكن للإنسان اليوم أن يحمل مكتبة كاملة من الأديان والفلسفات في هاتفه.

لم تعد العقيدة تُحمى بمنع الكتاب.

ولا يمكن منع الإنسان من سماع رأي مختلف.

الرهان الحقيقي يجب أن يكون بناء مواطن قادر على الاختيار الواعي، لا مواطن نخشى عليه من كل سؤال.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تُستعمل حرية المعتقد ذريعة للازدراء المتعمد لمعتقدات الناس أو استفزازهم أو إهانة الإسلام أو المسيحية أو اليهودية، لأن الحرية المسؤولة لا تحتاج إلى إهانة الآخر حتى تثبت وجودها.

أخطر ما يمكن أن يحدث لهذا الملف هو أن يتحول إلى مواجهة بين «المسلمين» و«المسيحيين».

فالمسألة ليست مباراة بين دينين.

المسلم المغربي لن يصبح أقل إسلاماً لأن جاره اختار المسيحية، والمسيحي المغربي لا ينبغي أن يكون أقل مغربية بسبب معتقده.

إن القضية في جوهرها تتعلق بمفهوم الدولة نفسها.

هل المواطنة عقد سياسي وقانوني يجمع الناس رغم اختلاف عقائدهم؟

أم أن درجة انتماء الفرد إلى الوطن تتغير بحسب دينه؟

أنا أرى أن المغرب القوي هو المغرب الذي يستطيع أن يقول لمواطنه المسلم: دينك وهويتك مصونان، وأن يقول لمواطنه اليهودي الشيء نفسه، وأن يقول للمسيحي وللبهائي ولغير المتدين أيضاً: أنت مواطن، والقانون يحميك ما دمت تحترم القانون وحقوق الآخرين.

ليس المطلوب أن تتخلى الدولة عن هويتها الإسلامية، فهذا جزء صريح من بنيتها الدستورية والتاريخية، وليس المطلوب أن تتبنى عقائد الأقليات أو تضع جميع المرجعيات الدينية في الموقع الدستوري نفسه.

المطلوب شيء أبسط وأعمق: ألا يتحول الاختلاف في العقيدة إلى اختلاف في قيمة المواطنة.

لهذا أعتقد أن ملف المسيحيين المغاربة لم يعد يحتمل سياسة الإنكار أو الإحراج.

هم موجودون.

قد نختلف حول أعدادهم، وقد نرفض عقيدتهم، وقد يناقشهم علماء الدين ويردون عليهم فكرياً، وهذا كله جزء طبيعي من مجتمع حي.

لكن وجودهم كمواطنين لا ينبغي أن يبقى رهينة الاعتراف الاجتماعي بعقيدتهم.

الأحزاب مطالبة بأن تتحدث.

والبرلمان مطالب بأن يناقش.

والفقهاء والمثقفون والحقوقيون مطالبون بأن يدخلوا هذا النقاش بلا تخوين ولا مزايدات.

والمسيحيون المغاربة أنفسهم مطالبون أيضاً بأن يخوضوا معركتهم الحقوقية في إطار القانون والمواطنة، وأن يميزوا بوضوح بين المطالبة بحرية الاعتقاد وبين أي نشاط يمكن أن يُفهم باعتباره استغلالاً لحاجات المواطنين أو تدخلاً أجنبياً في المجال الديني المغربي.

قد يكون أسهل حل هو إبقاء الملف في الظل.

لكن الملفات التي نخشى مناقشتها لا تختفي.

إنها تكبر في الصمت.

وبالنسبة إليّ، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل الأسئلة ليس: هل أوافق هذا المغربي على دينه؟

بل: هل أقبل أن يكون مغربياً كامل الحقوق رغم أنني لا أوافقه؟

هنا يبدأ امتحان المواطنة الحقيقي.

وهنا أيضاً يبدأ النقاش الذي تأخر المغرب طويلاً في خوضه.


0 التعليقات: