ثمة قارئ جديد يتشكل بصمت أمام أعيننا. لا يحمل ملامح واضحة بعد، ولا نجد له تعريفًا مستقرًا في معاجم النقد، لكنه يجلس كل يوم أمام شاشة مضيئة، يفتح رواية أو قصيدة، ثم يفتح إلى جانبها نافذة أخرى يسكنها ذكاء اصطناعي. يقرأ جملة، يتوقف، يسأل، يتلقى جوابًا، يعود إلى النص، ثم يكتشف أنه لم يعد القارئ نفسه الذي دخل إليه قبل دقائق.
إنه القارئ الهجين.
وليس المقصود بذلك قارئ الكتب الإلكترونية أو
مستخدم المنصات الرقمية، فانتقال الكتاب من الورق إلى الشاشة لم يغيّر جوهر فعل
القراءة بالضرورة. الهجنة تبدأ في مكان أعمق: في اللحظة التي تدخل فيها الخوارزمية
إلى المسافة السرية الفاصلة بين العين والمعنى، بين الكلمة وتأويلها، بين حيرة
القارئ وما يظنه جوابًا عنها.
كان القارئ، عبر تاريخ الأدب، يدخل إلى النص ومعه
أرشيفه الخاص: طفولته، ذاكرته، جراحه، ثقافته، الكتب التي قرأها، الوجوه التي
أحبها وفقدها، الشوارع التي عبرها، والأسئلة التي ظلت بلا جواب في حياته. لكل
إنسان مكتبته الداخلية، حتى وإن لم تكن رفوف بيته عامرة بالكتب.
أما القارئ الهجين، فقد أصبحت له ذاكرتان.
ذاكرة بشرية محدودة، انتقائية، عاطفية، كثيرة
النسيان؛ وذاكرة آلية هائلة تستدعي له في ثوانٍ الأسطورة والتاريخ والفلسفة
والسيرة والتفسير والمقارنة والترجمة.
وبين الذاكرتين تولد قراءة لم يعرفها تاريخ الأدب
من قبل.
يمكن لقارئ كافكا، وهو يتوقف أمام التحول الغريب
لغريغور سامسا، أن يسأل الذكاء الاصطناعي عن عشرات التأويلات الممكنة: الاغتراب،
العائلة، الرأسمالية، المرض، السلطة الأبوية، العبث، أو الشعور بالذنب. ويمكن
لقارئ قصيدة عربية قديمة أن يستعيد معنى مفردة اندثرت من الاستعمال، وأن يقارن في
لحظات بين شروح متعددة. ويمكن لمن يقرأ دوستويفسكي أن يستحضر خلفية روسيا
القيصرية، أو أفكار نيتشه، أو تصورات التحليل النفسي، من دون أن يغادر الصفحة.
يبدو الأمر للوهلة الأولى انتصارًا معرفيًا خالصًا.
لكن الأدب يعلمنا الحذر من الانتصارات الكاملة.
فالقراءة لم تكن يومًا جمعًا للمعلومات حول النص.
ولو كانت كذلك لكان ملخص رواية في صفحتين مساويًا لقراءتها في خمسمائة صفحة.
القراءة تجربة زمنية ووجدانية، رحلة يدخل فيها الإنسان إلى اللغة ببطء، يتعثر،
يشك، يعود، ينسى، يتذكر، ويصنع من هذا كله معنى لا يمكن اختزاله في «إجابة صحيحة».
لهذا يصبح حضور الذكاء الاصطناعي داخل فعل القراءة
سؤالًا فلسفيًا قبل أن يكون مسألة تقنية.
لقد منح النقد الحديث القارئ حرية واسعة بعدما ظل
المؤلف طويلًا جالسًا على عرش المعنى. تحدث هانس روبرت ياوس عن «أفق الانتظار»،
ورأى وولفغانغ إيزر أن النص يترك فراغات يتولى القارئ ملأها، بينما أصبح تحرير
النص من نوايا مؤلفه أحد التحولات الكبرى في الفكر النقدي الحديث.
غير أن سؤالًا جديدًا يطل الآن من خلف الشاشة:
ماذا يحدث عندما تسارع الخوارزمية إلى ملء تلك
الفراغات قبل أن يملأها القارئ بنفسه؟
هنا يبدأ ما يمكن تسميته «التأويل الهجين».
يقرأ شخص نهاية غامضة لرواية، فتقترح عليه الآلة
خمسة احتمالات. ربما لم يكن قد خطر في ذهنه أي منها. يعود إلى الصفحات السابقة
فتتغير أمامه الإشارات والشخصيات والرموز. لقد أنتج معنى جديدًا، لكنه لا يستطيع
الجزم إن كان هذا المعنى قد وُلد منه أم من اقتراح الخوارزمية.
لقد صار المعنى ثمرة منطقة ثالثة، لا هي بشرية
خالصة ولا آلية خالصة.
وهذه المنطقة الثالثة تستحق أن تصبح موضوعًا للنقد
الأدبي القادم.
لكن الوجه الأكثر إثارة للقلق يظهر عندما تتحول
المساعدة إلى وصاية.
فالخوارزمية مغرية لأنها تجيب بسرعة، بينما الأدب
كثيرًا ما يطالبنا بالصبر على غياب الجواب. الخوارزمية تميل إلى التنظيم، بينما
بعض أعظم النصوص تقوم على الفوضى والالتباس والتردد. الآلة تريد أن تقول لنا: «قد
يعني النص كذا»، بينما قد تكون قيمة النص الحقيقية في أنه يرفض أن يعني شيئًا
واحدًا.
الغموض ليس مرضًا في الأدب حتى نطلب من الذكاء
الاصطناعي علاجه.
هناك قصائد ينبغي أن تبقى غامضة قليلًا لكي تستمر
في الحياة. وهناك شخصيات ينبغي ألا نفهمها بالكامل. وهناك نهايات روائية تفقد
جمالها إذا أغلقنا أبوابها كلها بتفسير مقنع.
إن أحد أخطار القارئ الهجين هو أن يتحول من قارئ
يعيش النص إلى مستهلك لتفسير النص.
فبدل أن يسأل نفسه: «ماذا شعرت؟ ماذا فهمت؟ لماذا
أقلقتني هذه العبارة؟» قد يبادر إلى السؤال: «ماذا تعني هذه العبارة؟»
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين القراءة والشرح.
من هنا أرى أن المسألة الكبرى التي سيواجهها القارئ
في عصر الذكاء الاصطناعي ليست المعرفة، بل السيادة التأويلية: من يملك القرار الأخير في إنتاج
المعنى؟
فالخوارزمية قد تختار الكتاب الذي يظهر أمامنا عبر
أنظمة التوصية، وقد تلخصه قبل أن نقرأه، وتشرح رموزه ونحن نقرأه، وتقترح علينا بعد
النهاية ما ينبغي أن نقرأه لاحقًا. وإذا لم ننتبه، فإنها لن تصبح مجرد مساعد على
القراءة، بل مهندسًا خفيًا لمسارنا الثقافي كله.
عندئذ يبرز نموذج القارئ التابع: ذلك الذي لا يحتمل
حيرته الخاصة، فيفوض إلى الآلة مهمة التفكير نيابة عنه.
وفي الجهة المقابلة يظهر قارئ آخر أكثر نضجًا،
يستخدم الذكاء الاصطناعي كما كان أسلافه يستخدمون المعاجم والموسوعات والهوامش،
ولكن من دون أن يمنحه سلطة الحكم النهائي. يسأله عن التاريخ، ولا يسأله ماذا ينبغي
أن يشعر. يستعين به لفهم المرجع، ولا يسمح له بإغلاق المعنى. يستعمل الآلة لتوسيع
أفق القراءة، لا لتقليص المسافة بين السؤال والجواب.
هذا هو القارئ الهجين الذي أراهن عليه.
قارئ يستطيع أن ينتقل بين لغات وآداب وثقافات كانت
مغلقة أمامه، وأن يقارن الترجمات، ويستعيد السياقات التاريخية، ويفكك البنيات
السردية، ثم يحتفظ لنفسه بذلك الجزء الذي لا تستطيع أي خوارزمية امتلاكه: التجربة
الإنسانية للنص.
فالأدب لا يحدث في الكلمات وحدها، بل فيما تفعله
الكلمات بنا.
يمكن للآلة أن تخبرني بأن شخصية ما مأساوية، لكنها
لا تستطيع أن تحزن مكاني. يمكنها تحليل صورة شعرية، لكنها لا تستطيع أن تعيد إليَّ
ذكرى شخص ميت أيقظتها تلك الصورة. ويمكنها أن تقدم عشرة تفسيرات لجملة واحدة،
لكنها لا تعرف لماذا اختارت ذاكرتي، من بين تلك المعاني كلها، معنى بعينه.
تلك المساحة هي حصن القارئ الأخير.
ربما تتغير لذلك الثلاثية القديمة التي حكمت نظرية
الأدب طويلًا: المؤلف ـ النص ـ القارئ. فنحن نتجه نحو مشهد أشد تركيبًا:
كاتب + خوارزمية → نص → قارئ + خوارزمية.
وبين الطرفين قد تدخل خوارزميات التوصية والترجمة
والتلخيص والتعليق وإعادة الكتابة، حتى يصبح الأدب نفسه شبكة من العلاقات البشرية
والآلية.
لكن سؤال الأدب سيظل، في جوهره، إنسانيًا.
ليس المهم كم تعرف الآلة عن الرواية التي أقرؤها،
بل ماذا يحدث لي أنا أثناء قراءتها.
ولعل المهمة الكبرى للقارئ القادم ألا يقاوم الذكاء
الاصطناعي ولا يستسلم له، وإنما أن يتعلم فن المسافة منه؛ أن يعرف متى يسأله، ومتى
يشك في جوابه، ومتى يغلق النافذة ويبقى وحيدًا أمام الصفحة.
فالقراءة تحتاج أحيانًا إلى المعرفة، لكنها تحتاج
أيضًا إلى العزلة.
وفي لحظة ما من كل كتاب عظيم، ينبغي أن تختفي
الخوارزمية، ويبقى الإنسان والكلمات والصمت.
هناك، في تلك اللحظة تحديدًا، يستعيد القارئ حريته.
عبده حقي








0 التعليقات:
إرسال تعليق