الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، سبتمبر 05، 2026

نص سردي مفتوح : عبده حقي


أتركُ التلفاز كلَّ ليلةٍ يتحدّث إلى جثته المضيئة، كأنّ أحدًا قد نسي في الغرفة فمًا كهربائيًا لا يعرف أنه مات، وأجلس إلى جواره متخفّيًا في جسدي، أرقب القهوة وهي تبرد على مهل، تنسحب منها حرارةٌ صغيرة كروح حشرةٍ شتوية، فيما النافذة، تلك العين التي فقأتها المدينة ثم أعاد الزجاج تركيب بؤبؤها، تسكب عليَّ ضوءًا عجوزًا له رائحة الغبار والحديد والسنوات التي لم تقع بعد.

في الخارج لا أحد.

الشارع فارغ إلى الحد الذي أسمع معه الأحجار تتذكّر أقدام العابرين، وأكاد أرى الأرصفة وهي تتقلب في نومها تحت أعمدة الإنارة، لكن هاتفي يشتعل فجأة في يدي، فتتكاثر داخله الوجوه، مئة وجه، ألف وجه، وجوه بلا أعناق، ابتسامات بلا أفواه، عيون معلّقة في مربعات صغيرة كحشرات محنطة في متحف للحنين، فأمرّر إصبعي فوقها واحدًا واحدًا، ولا ألمس أحدًا.

يا لهذه العمارات  الزجاجية التي نحملها في أكفنا.

نبني فيها مذابح من الإشعارات، ونصلّي أمام أيقوناتنا الصغيرة، ونقدّم قرابين أعمارنا إلى آلهة لا أجساد لها، معتقدين أن العالم اقترب، بينما هو يتراجع وراء كل ضغطة إصبع مسافة غابة أخرى، ويمضي إلى وراءٍ لا نراه، تاركًا إيانا نتبادل أشباحنا بحماسة الأحياء.

وأنا أمشي.

لا أعرف أين.

أمشي في موجة لا ماء فيها.

موجة مصنوعة من الإسمنت والزجاج والذبذبات والأسلاك والصور التي تتناسل من صور، تضربني في ممر طويل لا بحر عند نهايته، فأصبح تارة سمكة من غبار، وتارة بابًا نسي البيتُ أن يعلقه على مفاصله، وتارة ذلك الغريب الذي يراه المرء في انعكاس واجهة متجر فيلتفت فلا يجد أحدًا.

الناس حولي كثيرون إلى حد الوحشة.

يمرون بمحاذاتي مثل كواكب أطفأتها مسافاتها، يحمل كل واحد منهم ليله في كفّه، وينحني على شاشة كما ينحني ناسك على بئر سحيقة، وأرى أصابعهم تهبط وتصعد فوق الزجاج، كأنهم يستنطقون موتاهم أو يربّتون على جباه أطفال لم يولدوا قط.

لا أحد يصطدم بأحد.

لا أحد ينظر طويلًا في وجه أحد.

إنهم يعبرونني ولا يعبرون إليّ.

وأعبرهم ولا أصل.

فنحن، على نحو لا أفهمه، صرنا متجاورين في الغياب، جماعةً هائلة من المنفيين الذين يسكن كل منهم منفاه المحمول في جيبه.

ثم أجدني أمام قاعة سينما مهجورة.

لا أعرف كيف دخلتها.

ربما كانت القاعة نائمة داخل رأسي منذ طفولتي، وربما كنت أنا الفيلم الذي تأخر عشرات السنين عن موعد عرضه.

أفتح بابًا تفوح منه رائحة المخمل والرطوبة، فتستيقظ المقاعد الحمراء واحدًا تلو الآخر، صفوفًا من أفواه مطبقة تنتظر جمهورًا مات قبل العرض، ويشتعل الستار الأبيض في آخر العتمة.

هناك أرى نفسي.

أصغر.

أخفّ.

أركض تحت المطر وأضحك.

أيكون ذلك أنا حقًا؟

أرفع يدي ناحية الشاشة، فيرفع الصبي يده في الجهة الأخرى من الزمن، فأشعر للحظة أن جلدينا سوف يتلامسان عبر الغبار، لكن أصابعي تصطدم بالهواء، ويركض هو بعيدًا داخل الصورة.

أناديه.

لا يسمع.

أنادي اسمي القديم.

ولا يلتفت.

أفهم عندئذٍ أن الذاكرة ليست بابًا إلى الماضي كما خدعونا، بل جدار شفاف يعرض علينا ما لن نسترده، وأن كل ما نتذكره مسمار آخر تدقّه الأيام في جدار القلب.

أخرج من السينما وأنا أحمل طفولتي كحيوان نافق على كتفي.

في الممر أسمع البحر.

لكن لا بحر هناك.

الإسمنت وحده يصطخب.

الجدران تتقاذف هديرًا أزرق.

أبواب المصاعد تنفتح كخياشيم حيتان معدنية، ومن جوفها يخرج رجال ونساء يحملون شاشاتهم أمام وجوههم، حتى أخال أن الوجوه نفسها قد انقرضت وأن البشرية استعاضت عنها بهذه المربعات المضيئة.

أواصل المشي.

أبحث عن شاطئ بين موجتين لا ماء فيهما.

عن شق صغير في الخرسانة تستطيع منه عشبة واحدة أن تقول إن الأرض لم تُهزم بعد.

عن يد لا تحتاج إلى كلمة مرور.

عن عينين لا تمرّان سريعًا فوق عينيّ كما تمر إصبع على خبر عابر.

أبحث، ربما، عن إنسان.

وفي محطة مترو متأخرة أراها.

امرأة بمعطف طويل تمشي في مكان ليس هو المحطة.

أراها في زجاج النافذة تمشي فوق صحراء لا آخر لها، وتجرّ خلفها شريطًا أحمر كأنه جرح الأرض وقد استطال حتى الأفق.

فوق رأسها غيمة مربوطة بخيط.

نعم، غيمة على مقود.

لكن المطر لا ينزل منها.

إنه يصعد.

قطرات سوداء تنهض من الرمل نحو السماء، كأن الأرض هي التي تبكي هذه المرة والسماء هي التي تتلقى الدموع.

أراقب المرأة.

كل خطوة تخطوها توقظ مدينة نائمة تحت الرمل.

مآذن مقلوبة.

أجراس مدفونة.

خيول من ملح.

أطفال بلا ظلال.

وفي كل مرة ترفع قدمها يخرج من موضعها صوت باب يُفتح في بيت بعيد.

ثم تمرّ صورة النفق فوق الزجاج، فتختفي الصحراء.

أجد وجهي مكانها.

وجهي أنا.

وأفزع.

ففي زاويتي عينيّ تلك الكوكبة نفسها التي كانت في عيني المرأة: نجوم التعب المتناثرة حول سواد لا اسم له.

المقاعد فارغة.

السماء فوق المدينة كهربائية.

ونحن جميعًا وحيدون معًا.

أيُّ اختراع عجيب هذا الذي جمع وحداتنا في شبكة واحدة ولم يجمعنا؟

أشعر أن قلبي صار قمرًا صناعيًا تائهًا، يدور حول كوكب هجره سكانه، يرسل نداءات متكررة إلى فراغ بارد:

هل من صوت يشبه البيت؟

هل من أحد؟

هل بقي أحد؟

ولا يجيبه إلا الصدى الرقمي، مصقولًا، مهذبًا، ميتًا.

أهبط في محطة لا أعرف اسمها.

أدخل مطعمًا صغيرًا تتدلّى فوق بابه ساعة متوقفة، فأجد شيخًا يجلس وحيدًا قرب آلة موسيقى لا تعمل.

يحرّك ملعقته في فنجان قهوة باردة.

دائرة بعد دائرة.

كأنه يحاول أن يعيد الأمس بالدوران المعاكس.

خارج الزجاج تقف سيارة صدئة نبتت الزهور من هيكلها، وتخرج فراشات غريبة من تجاويف مصابيحها المحطمة، فراشات زرقاء بلون غرفة فقدها الرجل يومًا، وخضراء بلون باب بيت بيع بعد رحيل أهله، وصفراء بلون قميص امرأة ماتت أو غادرت أو ربما لم توجد إلا في ذاكرته.

يمسك هاتفه.

يمرّر إصبعه فوق صور أولاده وأحفاده وأصدقائه.

قلوب حمراء.

وجوه ضاحكة.

زهور رقمية.

ثلاثون علامة محبة.

مئة تحية.

ألف ابتسامة.

ولا أحد يفتح الباب.

أنظر إليه، فينظر إليّ للحظة.

عين إلى عين.

وفجأة يحدث شيء أخافني أكثر من كل شاشات العالم:

أشعر بوجوده.

لثانية واحدة فقط.

وجود كامل، ثقيل، بشري، غير قابل للإرسال أو النسخ أو المشاركة.

ثم يخفض بصره.

وأخفض بصري.

فنعود قمرين صناعيين.

أتساءل: متى كانت آخر مرة نظرنا فيها حقًا إلى عيون بعضنا؟

ليس النظر العابر الذي نوزعه على وجوه الناس كما نوزع البقشيش، بل النظر الذي يمكث، الذي يغامر، الذي يقول للآخر: أنا هنا، وأعرف أنك هناك.

متى صار التحديق في وجه إنسان أكثر صعوبة من التحديق عشر ساعات في شاشة؟

متى صرنا نخشى الصمت بين شخصين إلى هذا الحد؟

ربما لأن الصمت الحقيقي مرآة.

والمرآة لا تضع مرشحات على الروح.

أخرج.

الليل يجرّ المدينة من شعرها.

الأبراج تبرق مثل أسنان وحش أسطوري نائم تحت السحاب.

الهوائيات فوق السطوح قرون وعول سوداء.

الأقمار الصناعية تعبر السماء ببطء، تحمل رسائل العشاق والمصارف والحروب وأعياد الميلاد والفواتير وصور القطط وأخبار الموتى في حزمة الضوء نفسها.

وفجأة أتخيل صباحًا آخر.

صباحًا تخبو فيه الأبراج.

تتعطل الشاشات.

تصمت الهواتف.

ينهار هذا الكهنوت الإلكتروني في لحظة واحدة.

فنفتح الأبواب مذعورين من ظهور العالم.

يخرج جار لم نكن نعرف اسمه.

ثم امرأة تحمل طفلًا.

ثم رجل عجوز يحمل كرسيًا.

ثم شاب لم نره قط رغم أنه يسكن قبالتنا منذ خمس سنوات.

نقف جميعًا في الشارع.

لا شبكة.

لا إشارة.

لا شيء يحجبنا عن بعضنا.

وفي البداية لا نعرف ماذا نفعل بأيدينا.

تبدو الأيدي فجأة أعضاءً أثرية استخرجها علماء الحفريات من زمن بعيد.

ثم يمد أحدنا يده.

يلمس كتف الآخر.

ويحدث الأمر.

ذلك الأمر البدائي العظيم.

اللمس.

جلد يلمس جلدًا.

دفء يعبر من كائن إلى كائن بلا وسيط.

عظمة صغيرة تحت راحة اليد تقول: هذا جسد يمكن أن يفنى.

نبضة تقول: هذا إنسان.

ارتجافة تقول: أنا خائف مثلك.

وأفهم، أو يخيل إليّ أنني أفهم، أن الحب ربما لم يكن قط ذلك البرق الذي وعدتنا به القصائد، ولا الفردوس الذي يصعد إليه اثنان متعانقان، بل ربما كان شجاعة أبسط وأشد فداحة: أن يجلس وحيدان جنبًا إلى جنب ولا يهرب أحدهما من وحدة الآخر.

أن نحرس هشاشتنا معًا.

أن نمشي أحدنا بالآخر إلى البيت.

أن نقص حكاية غير متقنة دون أن نخشى الملل.

أن نبكي دون تسجيل.

أن نضحك دون نشر.

أن نترك بعض اللحظات تموت بعد حدوثها، كي تظل لنا وحدنا.

وأمشي.

لا تزال الموجة من حولي.

الإسمنت يعلو ويهبط مثل بحر مصاب بالحمى.

الشاشات تفتح عيونها في النوافذ.

المدينة تصفر داخل أسلاكها.

لكنني أرى بعيدًا، أو أتوهم أنني أرى، بابًا مفتوحًا على طريق صغير مهجور.

ومن خلال الباب يسقط ضوء ذهبي.

لا مدينة وراءه.

لا أبراج.

طريق فقط.

عشب.

بحر حقيقي أزرق لا يعرف شيئًا عن الصور التي التقطت له.

وشخص ما يمشي من الجهة الأخرى.

لا أرى وجهه.

ربما امرأة.

ربما رجل.

ربما أنا الذي لم أصل إليَّ بعد.

أرفع يدي.

يرفع يده.

وبيننا تتساقط الهواتف من السماء كنيازك سوداء، وتتحول الأبراج إلى أشجار، والأسلاك إلى أفاعٍ تهرب نحو الجبال، والمقاعد الخالية تنهض من القاعات وتمشي في الشوارع بحثًا عمن يجلس عليها، فيما القهوة الباردة التي تركتها منذ سنوات عند النافذة تبدأ فجأة بالغليان.

عندها أعرف أنني لم أكن طوال هذا العمر أبحث عن اليابسة.

كنت أبحث عن غريق آخر.

غريق يستطيع أن يقول لي وهو يطفو بمحاذاتي:

لا تخف.

لسنا الشاطئ.

لكننا، ما دمنا نسمع صوت بعضنا وسط هذا البحر الذي لا ماء فيه، نستطيع أن نؤجل الغرق قليلًا.

فأمشي نحوه.

ويقترب.

ويزداد الضوء حتى تتشقق المدينة.

ومن شقوقها تخرج آلاف اليراعات، تحمل كل واحدة منها اسم إنسان نسي أن ينظر في عيني إنسان آخر.

وأمد يدي داخل ذلك الضوء، ولا أعرف إن كنت سأجد يدًا، أم موجة، أم مرآة، أم عظمةً صغيرة في كفّ الكون.

لكنني هذه المرة لا ألمس الشاشة.

أمد يدي إلى الخارج.


0 التعليقات: