الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، سبتمبر 05، 2026

لماذا يُبنى السجن في تنزروفت قبل أن نرى البارونات؟ عبده حقي


هناك شيء غير طبيعي في أن نسمع عن السجن قبل أن نسمع بوضوح عن السجناء، وأن نرى الحديث عن الزنازين والأسوار والحراسة والعزلة الصحراوية يسبق الحديث عن الملفات والمحاكمات والأسماء وشبكات الأموال والتهريب. عندما يقال لنا إن منشأة عسكرية نائية في أقصى الجنوب الجزائري ستتحول إلى سجن مخصص لـ«بارونات المخدرات»، فإن أول سؤال يخطر ببالي ليس كيف سيكون شكل السجن ولا كم يبلغ ارتفاع أسواره، بل سؤال أبسط وأكثر إزعاجًا: أين هم هؤلاء البارونات؟ من هم؟ كم عددهم؟ أين محاكماتهم؟ من كشف شبكاتهم؟ ومن كان يحميهم كل هذه السنوات حتى أصبحنا اليوم بحاجة، كما يقال، إلى سجن خاص بهم في قلب واحدة من أقسى صحارى المنطقة؟

أنا لا أقتنع بسهولة بلغة الاستعراض الأمني. فمحاربة المخدرات لا تبدأ ببناء السجون، بل تبدأ بتكسير شبكات المال والنفوذ، وبكشف رؤوس التهريب، وتتبع الحسابات البنكية، ومصادرة الممتلكات، وفضح كل من استعمل منصبه أو سلطته أو علاقاته لحماية الجريمة المنظمة. أما أن يظهر السجن أولًا، بينما يبقى «البارون» مجرد كلمة ضخمة تُرمى في وجه الرأي العام، فهنا يصبح من حقي أن أشك، ومن حق كل مواطن أن يسأل: هل نحن أمام حرب حقيقية على المخدرات أم أمام مسرحية سياسية جديدة عنوانها الحزم، وديكورها الأسلاك الشائكة والصحراء؟

إذا كانت الدولة قد قبضت فعلًا على عشرات من كبار تجار المخدرات، فلتعلن ذلك، وليُعرف من هم، وليُحاكموا وفق القانون، وليُكشف للرأي العام كيف راكموا الثروات، وكيف تحركت شحناتهم، وكيف عبرت شبكاتهم الحدود، ومن وفر لهم الحماية والغطاء. أما أن يُقال إن هناك سجنًا سيُخصص لـ«البارونات» من دون أن يعرف الناس من هم هؤلاء البارونات أصلًا، فذلك يشبه بناء قفص ضخم ثم مطالبة الناس بالتصديق أن الوحوش في الطريق.

ثم لماذا تنزروفت؟ لماذا هذه البقعة الصحراوية القاسية، البعيدة، النائية، التي يعرف كل من عاش في الجنوب معنى الوصول إليها ومعنى البقاء فيها؟ نحن لا نتحدث عن سجن قرب العاصمة ولا عن مؤسسة سجنية بجوار مدينة كبيرة تتوفر فيها الطرق والمستشفيات والإدارات ووسائل النقل. نحن نتحدث عن فضاء يمكن أن تتحول فيه المسافة نفسها إلى عقوبة، ويمكن أن يصبح فيه الموقع الجغرافي جدارًا أكثر قسوة من جدران السجن.

حين يُوضع سجين على بعد مئات الكيلومترات من أسرته، فإن الدولة لا تعاقب السجين وحده. إنها تجعل الأم أو الأب أو الزوجة أو الأبناء يدفعون هم أيضًا ثمن المسافة. كم ستحتاج الأسرة من مال حتى تزوره؟ كم ستستغرق الرحلة؟ أين ستقيم؟ وكيف سيصل المحامي؟ وكيف ستصل الجمعيات الحقوقية؟ وكيف ستتم الرقابة على ظروف الاعتقال إذا أصبح مجرد الوصول إلى السجن مهمة مرهقة؟ هنا لا تعود الصحراء مجرد جغرافيا. تصبح جزءًا من فلسفة العقاب.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع السجين الهرب؟ بل: هل يريد صاحب القرار أن يكون السجين بعيدًا عن العيون؟

هذه هي النقطة التي يجب ألا نخاف من طرحها. لا أقول إن السجن سيُستخدم حتمًا ضد المعارضين أو الخصوم السياسيين، ولا أملك دليلًا يسمح لي بالجزم بذلك، لكن وجود مؤسسة سجنية شديدة العزلة في قلب الصحراء يفرض أسئلة لا يمكن إسكاتها بالشعارات. من سيُرسل إليها مستقبلًا؟ هل ستبقى مخصصة فعلًا لما يسمى بارونات المخدرات؟ هل يمكن أن تستقبل معتقلين في قضايا الإرهاب أو الأمن القومي؟ هل يمكن أن تتغير وظيفتها مع تغير الظروف السياسية؟ وأين هي الضمانات القانونية والحقوقية التي تمنع أن تتحول العزلة الجغرافية إلى عزلة قضائية وإنسانية؟

إذا كانت السلطة واثقة من مشروعية القرار، فلماذا لا تضع التفاصيل أمام الناس؟ ما طبيعة السجن؟ كم تبلغ طاقته الاستيعابية؟ ما الفئات القانونية التي سيستقبلها؟ كيف ستتم الزيارات؟ ما النظام الطبي؟ ما آليات الرقابة؟ وهل تستطيع المؤسسات الحقوقية دخوله؟ الصمت لا يحمي الدولة، بل يصنع الشائعات. والغموض لا يعزز الثقة، بل يفتح الباب لألف تأويل.

ثم إن هناك مفارقة أمنية مضحكة ومقلقة في الوقت نفسه. إذا كان الذين سيُسجنون هناك فعلًا بارونات حقيقيين يملكون الأموال والرجال والعلاقات وشبكات التهريب، فهل مجرد وضعهم في الصحراء يجعلهم بلا خطر؟ كبار المجرمين لا يصبحون فجأة أشخاصًا بلا نفوذ لأن أبواب الزنازين أغلقت عليهم. فإذا كان أحدهم يملك شبكة منظمة قادرة على تحريك الأموال والرجال والسيارات والسلاح، فما الذي يمنع محاولة استهداف السجن أو تهريب أحد نزلائه؟ هل ستتحول المنشأة إلى قلعة عسكرية؟ هل ستحتاج إلى قوات كبيرة ومروحيات ومركبات مدرعة ومراقبة دائمة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكم ستكلف هذه المغامرة؟

الصحراء ليست فراغًا كما تبدو في الخرائط. لها أهلها ومسالكها وأسرارها. من يعرفها يستطيع التحرك فيها بطرق لا يعرفها القادم من المدينة. وفي زمن أنظمة تحديد المواقع والاتصالات الحديثة لم تعد العزلة الجغرافية تعني الاستحالة. ولهذا فإن القول إن المكان بعيد وبالتالي آمن ليس جوابًا كافيًا.

لكن الأخطر من كل ذلك هو تحويل «بارونات المخدرات» إلى شماعة سياسية جاهزة. كلمة «بارون» تثير الخوف وتخدم الخطاب الرسمي لأنها تمنح صورة معركة كبرى: دولة قوية في مواجهة وحوش الجريمة. لكنني أريد أن أرى الوحوش لا أن أسمع أسماءها في الخطب. أريد ملفات قضائية، لا شعارات. أريد أرقامًا عن الأموال المحجوزة، لا صورًا للأسوار. أريد أن أعرف كيف تدخل المخدرات إلى الأسواق، ومن يوزعها، ومن يمولها، وكيف تُغسل أرباحها، ومن يصمت مقابل ماذا.

ما يثير الغضب أن الشباب الذين تدمرهم المخدرات معروفون، والعائلات التي تنهار بسبب الإدمان معروفة، والأحياء التي تنتشر فيها المواد المهلوسة معروفة، لكن عندما نصعد إلى أعلى هرم التجارة يبدأ الضباب. الفقير الذي يبيع بضعة أقراص يمكن أن يُعتقل بسرعة، أما الذي يمول شبكات كبيرة فقد يتحول أحيانًا إلى شبح لا اسم له ولا صورة.

ولهذا لا أريد أن أسمع عن «سجن البارونات» قبل أن أرى بارونًا حقيقيًا يُحاكم أمام القضاء.

ولا أريد أن تتحول تنزروفت إلى ديكور ضخم لتسويق صورة القوة، بينما تبقى الأسئلة الأساسية بلا جواب.

فالدولة القوية ليست الدولة التي تبني أبعد السجون، بل الدولة التي لا تخاف من كشف الحقيقة. ليست الدولة التي تنقل السجين إلى آخر الصحراء، بل التي تصل إلى رأس الشبكة مهما كان موقعه ومنصبه ونفوذه. وليست الدولة التي تخيف الناس بكلمة «بارونات»، بل التي تكشف لهم من سرق أمن أبنائهم ومن أغرق شوارعهم بالمخدرات ومن جمع الثروات من خراب العائلات.

إذا كان المشروع حقيقيًا ومخصصًا فعلًا لكبار المجرمين، فلتكن الشفافية بحجم الصحراء التي سيُبنى فيها. أما إذا بقيت الأسماء غامضة، والأهداف ملتبسة، والوظيفة المستقبلية للمكان غير واضحة، فسأظل أقول إن أخطر ما في سجن تنزروفت المحتمل ليس الجدران ولا الحراس ولا الصحراء.

أخطر ما فيه هو أن يُبنى مكان شديد العزلة قبل أن يعرف الشعب بوضوح لماذا بُني، ولمن بُني، ومن سيدخل إليه.

فلا تقولوا لنا إنكم بنيتم سجنًا للبارونات.

أرونا البارونات أولًا.


0 التعليقات: