هناك كتبٌ تقرأ العالم كما هو، وكتبٌ أخرى تحاول أن تعيد اختراعه. أما كتاب «البقاء مع المتاعب»، الصادر سنة 2016 للمفكرة الأمريكية دونا هاراواي، فإنه ينتمي إلى فئة ثالثة أكثر جرأة؛ فهو لا يكتفي بوصف الأزمة البيئية أو الحضارية التي يعيشها الإنسان، بل يدعونا إلى تغيير الطريقة التي نفكر بها في الوجود نفسه. إننا، بحسب هاراواي، لم نعد نعيش داخل عالم يمكن تقسيمه إلى طبيعة وثقافة، أو إلى إنسان وحيوان، أو إلى ذات وموضوع، بل أصبحنا جزءًا من شبكة كثيفة من العلاقات المتشابكة التي لا يمكن فهم أي عنصر فيها بمعزل عن العناصر الأخرى.
وأنا أقرأ هذا العمل، شعرت أنني لا أتنقل بين صفحات كتاب فلسفي تقليدي، وإنما داخل مختبر مفتوح للأسئلة. فالمؤلفة لا تقدم أجوبة جاهزة، ولا تقيم نسقًا نظريًا مغلقًا، بل تمارس نوعًا من التفكير المتحرك الذي يربط بين البيولوجيا، والأنثروبولوجيا، والأدب، والفن، والتاريخ، والفلسفة، والعلوم البيئية، في محاولة لتأسيس لغة جديدة تصف الكوكب وهو يمر بإحدى أكثر مراحله هشاشة.
منذ الصفحات الأولى، ترفض هاراواي الخطاب السائد الذي يتحدث عن نهاية العالم أو انهيار الحضارة بوصفه قدرًا محتومًا. إنها ترى أن الإفراط في التشاؤم لا يقل خطورة عن التفاؤل الساذج، لأن كلا الموقفين يعفي الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية. لذلك تقترح شعارًا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه بالغ العمق في دلالته: البقاء مع المتاعب. أي أن نتوقف عن البحث الدائم عن حلول نهائية، وأن نتعلم العيش داخل التعقيد، وأن نبتكر أشكالًا جديدة من التعاون مع كل أشكال الحياة.
هذه الفكرة تمثل في نظري أحد أكثر عناصر الكتاب إثارة. فالثقافة الحديثة اعتادت أن تنظر إلى الأزمات باعتبارها مشكلات تقنية يمكن حلها بواسطة العلم أو الاقتصاد أو السياسة. أما هاراواي فتعتبر أن الأزمة البيئية ليست خللًا تقنيًا فحسب، بل هي نتيجة رؤية فلسفية جعلت الإنسان مركز الكون، ومنحت بقية الكائنات دورًا ثانويًا أو وظيفيًا.
ومن هنا يأتي نقدها العنيف لمفهوم العصر الأنثروبوسيني، الذي يحمّل "الإنسان" بصورة عامة مسؤولية التغيرات البيئية. فهي ترى أن هذا المفهوم يخفي تفاوتات تاريخية وسياسية واقتصادية، إذ ليس جميع البشر مسؤولين بالقدر نفسه عن تدمير البيئة. لذلك تقترح مفهومًا آخر أكثر تركيبًا، هو الكتشولوسين، الذي يركز على التشابك بين الكائنات والعلاقات بدلاً من تمجيد الإنسان بوصفه الفاعل الوحيد في التاريخ.
هذا التحول المفاهيمي ليس مجرد لعبة لغوية، كما قد يظن بعض القراء، بل يمثل محاولة لإعادة بناء المخيلة الإنسانية. فالأسماء، في رأي هاراواي، ليست محايدة، بل تحدد الطريقة التي نرى بها العالم. وعندما نغير الاسم، فإننا نغير زاوية النظر، وربما نغير أيضًا شكل الفعل.
غير أن أكثر ما شدني في هذا الكتاب هو احتفاؤه بما يمكن تسميته أخلاق التشارك. فالعالم، في تصور المؤلفة، ليس ملكًا للبشر وحدهم، وإنما هو فضاء تعيش فيه النباتات والحيوانات والبكتيريا والفطريات والحشرات والأنهار والغابات، ولكل منها دور في استمرار الحياة. ومن هنا يصبح مستقبل الإنسان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمصير الكائنات الأخرى.
ولعل هذا ما يجعل الكتاب قريبًا، على نحو غير مباشر، من بعض التصورات البيئية التي عرفتها الثقافات التقليدية، والتي كانت ترى الإنسان جزءًا من الطبيعة لا سيدًا عليها. إلا أن هاراواي تمنح هذه الفكرة بعدًا علميًا وفلسفيًا جديدًا، مستفيدة من أحدث الاكتشافات في البيولوجيا والعلوم المعرفية.
ومع ذلك، فإن هذا الثراء الفكري يتحول أحيانًا إلى عبء على القارئ. فالكتاب مكتوب بلغة كثيفة، تتداخل فيها المصطلحات العلمية مع المجازات الشعرية، والإحالات الفلسفية مع السرد الأدبي. وقد يشعر القارئ بأنه ينتقل باستمرار بين مستويات معرفية مختلفة دون أن يحصل على خيط سردي واضح.
ولا أخفي أنني توقفت أكثر من مرة أمام بعض المقاطع التي بدت لي أقرب إلى متاهة لغوية منها إلى حجاج فلسفي. فهاراواي تؤمن بأن اللغة نفسها ينبغي أن تكسر أنماط التفكير التقليدية، ولذلك تبتكر مفاهيم جديدة، وتعيد تركيب الكلمات، وتمزج بين السرد والأسطورة والبحث الأكاديمي. غير أن هذا الخيار يجعل الكتاب أقل قابلية للوصول إلى القارئ غير المتخصص.
ومن زاوية أخرى، يمكن التساؤل عما إذا كانت المؤلفة تمنح الخيال مساحة أكبر مما ينبغي. فهي تراهن كثيرًا على السرديات الجديدة، وعلى إعادة تخيل العلاقات بين الكائنات، لكنها لا تقدم دائمًا آليات عملية تسمح بترجمة هذه الرؤية إلى سياسات بيئية أو اقتصادية واضحة. فبين الحلم النظري والتطبيق الواقعي تبقى هناك فجوة يصعب تجاهلها.
ومع ذلك، فإن قيمة الكتاب لا تكمن في تقديم برنامج سياسي جاهز، وإنما في زعزعة المسلمات التي حكمت الفكر الغربي طوال قرون. فهو يدفع القارئ إلى إعادة التفكير في معنى الإنسانية، وفي حدود التقنية، وفي العلاقة بين المعرفة والمسؤولية، وفي مستقبل الكوكب الذي لم يعد يحتمل استمرار النموذج الاستهلاكي القائم.
ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في هذا العمل هو قدرته على الجمع بين النقد الفلسفي والخيال الأدبي. فهاراواي لا تخاطب العقل وحده، وإنما تخاطب المخيلة أيضًا، وكأنها تدرك أن الأزمات الكبرى لا تُحل بالبيانات والإحصاءات وحدها، بل تحتاج إلى قصص جديدة تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم.
وأثناء القراءة، وجدت نفسي أقارن بين أطروحات هذا الكتاب وبين التحولات التي يشهدها عصر الذكاء الاصطناعي. فإذا كانت هاراواي قد دعت إلى تجاوز الحدود الصلبة بين الإنسان والكائنات الأخرى، فإن النقاش الراهن يضيف عنصرًا جديدًا هو الخوارزمية، التي أصبحت بدورها شريكًا في إنتاج المعرفة، وفي اتخاذ القرار، بل وفي تشكيل الذوق الثقافي. ومن هنا يبدو الكتاب، رغم صدوره قبل سنوات، أكثر راهنية مما كان عليه عند ظهوره.
إنني أعتقد أن أهمية «البقاء مع المتاعب» لا تكمن فقط في موضوعه البيئي، وإنما في دعوته إلى التواضع المعرفي. فهو يذكرنا بأن الإنسان ليس سيد الكون، بل أحد سكانه، وأن بقاءه لن يتحقق عبر المزيد من الهيمنة، وإنما عبر المزيد من الشراكة.
في النهاية، لا يخرج القارئ من هذا الكتاب وهو يحمل أجوبة نهائية، بل يخرج وهو يحمل أسئلة أكثر تعقيدًا، وربما أكثر صدقًا. وهذه، في تقديري، إحدى علامات الكتب الكبرى؛ فهي لا تغلق باب التفكير، بل تفتحه على مصراعيه، وتترك القارئ يعيد النظر في يقينياته، وفي موقعه داخل هذا العالم الهش الذي لا يزال يطالبنا، كل يوم، بأن نبقى معه داخل المتاعب، لا أن نهرب منها.
إذا رغبت، أستطيع أيضًا إعادة كتابة هذه القراءة بأسلوب أقرب إلى أسلوبك الصحفي المعتاد، بجمل أطول ونبرة تأملية أكثر كثافة، كما في مقالاتك المنشورة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق