أقرأ كتاب «أوبيرا أبرتا» (الأثر المفتوح)، الذي نشره Umberto Eco سنة 1962، فأشعر أنني لا أقف أمام كتاب في النقد الأدبي فحسب، بل أمام بيان فكري أعاد ترتيب العلاقة بين النص والقارئ، وبين المؤلف والعالم، وبين العمل الفني والزمن الذي يولد فيه. لقد سبق هذا الكتاب كثيرًا من التحولات التي ستعرفها البنيوية والتفكيكية ونظريات التلقي، حتى بدا وكأنه يفتح نافذة واسعة على مستقبل لم يكن قد تشكل بعد.
لا يتعامل إيكو مع العمل الفني بوصفه بناءً مغلقًا، له بداية تنتهي عند نية المؤلف وخاتمة تستقر عند معنى واحد، وإنما يراه كائنًا حيًا يحتفظ بطاقة دائمة لإنتاج الدلالات. إن العمل، في نظره، ليس شيئًا مكتملًا بمجرد نشره، وإنما يصبح حدثًا متجددًا كلما اقترب منه قارئ جديد، يحمل معه ثقافته وتجربته وأفق انتظاره.
هذا التصور كان، في مطلع ستينيات القرن العشرين، انقلابًا على تقاليد نقدية طويلة اعتادت البحث عن "المعنى الصحيح" وكأنه قطعة أثرية مدفونة لا تحتاج إلا إلى من يعثر عليها. أما إيكو فيقترح طريقًا آخر؛ فالمعنى ليس شيئًا يُكتشف، بل عملية تُنجز باستمرار.
وأنا أقرأ صفحات هذا الكتاب، كنت ألاحظ أن صاحبه لا يدعو إلى الفوضى التأويلية كما قد يتوهم بعض القراء، بل يميز بدقة بين الانفتاح والانفلات. فالنص مفتوح، نعم، لكنه ليس بلا حدود. إنه يسمح بتعدد القراءات، لكنه يقاوم القراءات التي تتناقض مع بنيته الداخلية.
هذه الفكرة تبدو لي من أكثر الأفكار عمقًا في تاريخ النقد الحديث؛ لأنها تحرر القارئ دون أن تلغي مسؤولية القراءة. فكل تفسير يجب أن يجد ما يبرره داخل النسيج النصي، لا خارجه.
يضرب إيكو أمثلة من الموسيقى الحديثة والفنون التشكيلية والأدب، ليبين أن بعض الأعمال صارت تُبنى منذ البداية على فكرة المشاركة. المؤلف لم يعد يفرض مسارًا واحدًا، وإنما يهيئ فضاءً يسمح للمتلقي بأن ينجز جزءًا من العمل أثناء التلقي نفسه.
وهنا أتوقف طويلًا أمام هذه النقطة، لأنني أرى أنها أصبحت أكثر حضورًا اليوم مع الأدب الرقمي، والروايات التفاعلية، وألعاب السرد، والذكاء الاصطناعي. لقد كان إيكو يتحدث عن مستقبل أصبح حاضرنا اليوم.
لقد أدرك مبكرًا أن الفن سيتحول من منتج مغلق إلى نظام مفتوح، وأن القارئ لن يبقى مستهلكًا سلبيًا، بل سيصبح شريكًا في إنتاج المعنى.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفت انتباهي في هذا الكتاب هو دفاعه غير المباشر عن ذكاء القارئ. فالقارئ عند إيكو ليس شخصًا يستهلك الرسائل الجاهزة، وإنما عقل يفاوض النص، ويختبر احتمالاته، ويعيد ترتيب إشاراته.
ولعل هذا ما يجعل الكتاب يحتفظ براهنيته حتى اليوم.
لقد تغيرت التكنولوجيا آلاف المرات منذ سنة 1962، لكن سؤال إيكو بقي هو نفسه: من يصنع المعنى؟
في رأيي، لم يعد الجواب بسيطًا كما كان.
ففي عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد لدينا مؤلف واحد ولا قارئ واحد، بل أصبحت الخوارزميات نفسها تشارك في كتابة النصوص، وترتيب الأخبار، واقتراح الروايات، وإنتاج الصور، بل وحتى صياغة القصائد.
وهنا أجد نفسي مضطرًا إلى مساءلة مفهوم "الأثر المفتوح" من جديد.
لقد كان إيكو يتصور قارئًا إنسانيًا يفتح العمل.
أما اليوم، فإن الذي يفتح العمل أحيانًا هو خوارزمية.
وهذا التحول يفرض علينا مراجعة المفهوم كله.
فالانفتاح لم يعد مجرد تعدد للتأويل، بل أصبح تعددًا للمؤلفين أيضًا.
النص الواحد قد يكتبه إنسان، أو آلة، أو الاثنان معًا.
وهنا أعتقد أن مشروع "الكاتب الهجين" الذي أدافع عنه يلتقي مع إيكو في نقطة، ثم يفترق عنه في نقطة أخرى.
يلتقي معه في رفض مركزية المؤلف.
ويفترق عنه لأن القارئ نفسه لم يعد دائمًا إنسانًا.
فالخوارزميات تقرأ النصوص، وتلخصها، وتترجمها، وتعيد إنتاجها، وتقترح معانيها.
وهذا ما لم يكن ممكنًا سنة 1962.
إن "الأثر المفتوح" اليوم أصبح "أثرًا هجينًا".
ولم يعد الانفتاح قائمًا فقط بين المؤلف والقارئ، وإنما بين الإنسان والآلة أيضًا.
ومن هنا أرى أن نظرية إيكو تحتاج اليوم إلى امتداد جديد، لا إلى نقضها.
إنها تحتاج إلى الانتقال من "النص المفتوح" إلى "المنظومة المفتوحة"، حيث يصبح إنتاج المعنى نتيجة تفاعل مستمر بين الكاتب، والقارئ، والخوارزمية، والبيانات، والمنصات الرقمية.
وهذا ما أسميه في أبحاثي بالنقد ما بعد الخوارزمي.
لقد كان إيكو يكتب داخل ثقافة الورق.
أما نحن فنكتب داخل ثقافة البيانات.
وكان القارئ عنده يعيد بناء النص.
أما اليوم فإن المنصات الرقمية تعيد بناء القارئ نفسه.
وهذا تحول أكثر خطورة.
ورغم مرور أكثر من ستة عقود على صدور الكتاب، فإنني أعتبره واحدًا من أكثر الكتب النقدية قدرة على مقاومة الزمن؛ لأنه لم يقدم وصفة جاهزة لقراءة الأدب، بل منحنا طريقة جديدة للتفكير في الأدب نفسه.
لقد علّمنا أن النص لا يعيش داخل صفحاته، وإنما يعيش داخل القراءات التي يولدها.
وعلّمنا أن الإبداع الحقيقي لا يكتمل لحظة الكتابة، بل يبدأ من تلك اللحظة.
غير أنني أضيف، من موقعي ككاتب يعيش زمن الذكاء الاصطناعي، أن العمل المفتوح لم يعد يكتفي باستقبال قراءات متعددة، بل صار يولد نسخًا متعددة، وكتابات متعددة، ومؤلفين متعددين، وقراء متعددين، بعضهم بشر، وبعضهم خوارزميات.
ولذلك فإن أعظم تكريم يمكن أن نقدمه لأمبرتو إيكو اليوم ليس الاكتفاء بتكرار أفكاره، وإنما مواصلة الأسئلة التي بدأها، ونقلها إلى أفق جديد، أفق لم يكن في استطاعته أن يتخيله، لكنه مهّد له من حيث لا يدري. لقد فتح إيكو بابًا واسعًا أمام نظرية النص، وبقي علينا أن نفتح الباب التالي، حيث لا يعود السؤال: ما معنى النص؟ بل يصبح: من الذي يصنع هذا المعنى في عصر الشراكة بين الإنسان والآلة؟








0 التعليقات:
إرسال تعليق