الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، يوليو 01، 2026

العدالة الحقوقية تبحث عن موطئ قدم بين الأزمات المتلاحقة: عبده حقي

 


تشهد أوضاع حقوق الإنسان في شمال إفريقيا والاتحاد الأوروبي خلال الأيام القليلة الماضية تطورات متسارعة تكشف استمرار التحديات التي تواجه حماية الحقوق والحريات الأساسية، سواء تعلق الأمر بحرية التعبير واستقلال القضاء، أو بحقوق المهاجرين واللاجئين، أو بمعاملة المدافعين عن حقوق الإنسان. وقد أظهرت تقارير المنظمات الدولية والهيئات الأممية، إلى جانب التحقيقات الصحفية الصادرة خلال الأسبوع الأخير، أن المنطقة لا تزال تعيش حالة من التوتر بين الاعتبارات الأمنية والسياسية من جهة، والالتزامات القانونية الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان من جهة أخرى. 

في شمال إفريقيا، استمرت تونس في استقطاب اهتمام المنظمات الحقوقية الدولية بسبب ما تصفه هذه المنظمات بتراجع أوضاع الحريات العامة خلال السنوات الأخيرة. ففي رسالة مفتوحة نشرتها مجموعة واسعة من منظمات المجتمع المدني الدولية قبل أيام، دعت هذه المنظمات المفوضية الأوروبية إلى إعادة تقييم مذكرة التفاهم الموقعة مع الحكومة التونسية سنة 2023، معتبرة أن التعاون الأوروبي لم ينجح في جعل احترام حقوق الإنسان شرطاً أساسياً في العلاقات الثنائية. وأشارت الرسالة إلى استمرار التضييق على الصحفيين والقضاة ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى ما وصفته بحالات الاعتقال التعسفي والانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون القادمون من إفريقيا جنوب الصحراء، بما في ذلك عمليات الطرد الجماعي والمعاملة السيئة أثناء الاحتجاز. 

ومن أبرز الأمثلة التي أثارت اهتمام الهيئات الدولية استمرار الجدل حول أوضاع الناشطين الحقوقيين في تونس، حيث اعتبرت منظمات حقوقية أن محاكمة وسجن بعض المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء المدنيين تعكس تقلص مساحة العمل المدني. كما أعيد خلال الأشهر الأخيرة التذكير بقضية الناشطة التونسية سعدية مصباح، المؤسسة لجمعية مكافحة العنصرية، والتي أثارت محاكمتها انتقادات واسعة من منظمات دولية اعتبرت القضية مؤشراً على الضغوط المتزايدة التي تواجهها منظمات المجتمع المدني. 

أما ليبيا، فما تزال تمثل إحدى أكثر بؤر القلق الحقوقي في المنطقة. فعلى الرغم من مرور سنوات على توثيق الانتهاكات داخل مراكز احتجاز المهاجرين، فإن المنظمات الدولية تؤكد أن العديد من المشكلات البنيوية ما تزال قائمة، ومنها الاحتجاز التعسفي، وسوء المعاملة، والاكتظاظ، وغياب الرعاية الصحية الكافية، إضافة إلى تعرض بعض المحتجزين للتعذيب والعنف الجنسي والعمل القسري. وتواصل الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية مطالبة السلطات الليبية بإغلاق مراكز الاحتجاز غير الإنسانية وإنشاء منظومة لجوء تتوافق مع القانون الدولي.

وتبرز قضية المهاجرين في ليبيا بوصفها مثالاً حقيقياً على تعقيد العلاقة بين السياسات الأوروبية لإدارة الهجرة واحترام حقوق الإنسان، إذ ترى منظمات عديدة أن دعم بعض برامج مراقبة الحدود الليبية لم يمنع استمرار الانتهاكات ضد آلاف المهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط نحو أوروبا. وقد أعادت تقارير حديثة التذكير بأن عمليات الإرجاع القسري إلى ليبيا تظل مثار انتقاد واسع بسبب المخاطر التي يتعرض لها المرحلون فور إعادتهم إلى الأراضي الليبية. 

وفي المغرب، ورغم استمرار التعاون مع المؤسسات الأممية في عدد من الملفات الحقوقية، لا تزال بعض المنظمات الدولية تتابع عن كثب قضايا تتعلق بحرية الصحافة وحرية التعبير والمحاكمات ذات الطابع السياسي، إلى جانب أوضاع المهاجرين غير النظاميين على الحدود الشمالية. كما يواصل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التأكيد على أهمية احترام المعايير الدولية في معالجة ملفات الهجرة واللجوء وضمان حماية الفئات الأكثر هشاشة. 

وفي الجزائر، ما تزال منظمات حقوق الإنسان تدعو إلى توسيع هامش الحريات العامة وتعزيز استقلال القضاء، مع استمرار المتابعة الدولية لعدد من القضايا المرتبطة بحرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير. وتؤكد التقارير الحقوقية أن الإصلاحات القانونية ينبغي أن ترافقها ضمانات عملية تكفل حماية المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنشطاء السياسيين. 

أما داخل الاتحاد الأوروبي، فقد احتلت سياسات الهجرة واللجوء صدارة النقاش الحقوقي خلال الأيام الأخيرة. فقد حذرت منظمة العفو الدولية من أن بعض المقترحات الأوروبية الجديدة المتعلقة بإدارة الهجرة قد تؤدي إلى تقليص الضمانات القانونية الممنوحة لطالبي اللجوء، داعية إلى الحفاظ على الالتزامات الأوروبية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للاجئين. كما شددت المنظمة على ضرورة ألا تتحول مكافحة الهجرة غير النظامية إلى مبرر للمساس بالحقوق الأساسية للأفراد. 

ومن القضايا التي أثارت اهتماماً واسعاً أيضاً استمرار الانتقادات الموجهة إلى الاتفاقيات التي يبرمها الاتحاد الأوروبي مع بعض دول شمال إفريقيا للحد من تدفقات الهجرة. وترى منظمات حقوقية أن هذه الاتفاقيات، رغم أهدافها الأمنية، قد تؤدي عملياً إلى دعم أنظمة أو أجهزة أمنية متهمة بارتكاب انتهاكات بحق المهاجرين، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية والطرد الجماعي وسوء المعاملة. وقد دعت هذه المنظمات إلى جعل احترام حقوق الإنسان شرطاً إلزامياً في جميع برامج التعاون المتعلقة بإدارة الحدود والهجرة. 

وفي السويد، برز تطور حقوقي لافت بعدما طالبت اللجنة الأوروبية للحقوق الاجتماعية السلطات السويدية بإنهاء ما وصفته بنظام الرعاية الصحية ذي المستويين، معتبرة أن وجود تفاوت في فرص الحصول على العلاج قد يتعارض مع الالتزامات الأوروبية المتعلقة بالحقوق الاجتماعية، وهو ما يعكس أن التحديات الحقوقية داخل الاتحاد الأوروبي لا تقتصر على قضايا الهجرة فقط، بل تمتد أيضاً إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين والمقيمين. 

كما واصل المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين التحذير من ظاهرة "إخراج إدارة الهجرة إلى خارج الحدود"، وهي السياسة التي تعتمد على نقل مسؤوليات استقبال طالبي اللجوء أو اعتراضهم إلى دول ثالثة. ويرى التقرير الأممي أن هذه السياسات قد تزيد من مخاطر الانتهاكات، خصوصاً عندما تُنفذ في دول لا تتوافر فيها ضمانات قضائية أو مؤسسات مستقلة لحماية الحقوق الأساسية، داعياً إلى تعزيز الشفافية والمساءلة القانونية في جميع اتفاقيات الهجرة الدولية. 

وتكشف حصيلة الأيام القليلة الماضية أن ملف حقوق الإنسان في شمال إفريقيا والاتحاد الأوروبي ما يزال يرتبط بثلاث قضايا مركزية: حماية حرية التعبير والعمل المدني، وضمان استقلال القضاء وسيادة القانون، واحترام حقوق المهاجرين واللاجئين. وبينما تؤكد الحكومات أن الاعتبارات الأمنية ومكافحة الهجرة غير النظامية تفرض إجراءات استثنائية، تصر المنظمات الحقوقية على أن الالتزام بالمعايير الدولية يجب أن يظل أساس أي سياسة عامة. وتبقى الأمثلة الحديثة، من أوضاع المهاجرين في ليبيا وتونس، إلى الجدل الأوروبي حول سياسات اللجوء والرعاية الاجتماعية، شاهداً على أن حقوق الإنسان لا تزال تمثل أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في الضفتين الجنوبية والشمالية للبحر الأبيض المتوسط. 


0 التعليقات: