الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، يوليو 01، 2026

سجون تتسع وحقوق تضيق: إعداد عبده حقي


خلال الأسبوع الأخير من يونيو/حزيران 2026، بدت خريطة حقوق الإنسان العالمية كأنها سجل مفتوح لانتهاكات متكررة: قمع احتجاجات، اعتقالات تعسفية، تضييق على الصحافة، ضرب لحقوق الأطفال، وملاحقة للمدافعين عن الحقوق. وقد كشفت تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وغيرها أن الأزمة لم تعد محصورة في بلد واحد، بل تمتد من إفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا.

في تركيا، حذرت هيومن رايتس ووتش من حملة قمع سبقت قمة حلف شمال الأطلسي، حيث تحدثت عن اعتقال ما لا يقل عن 209 أشخاص في أنقرة، معتبرة ذلك دليلا على عدم تسامح السلطات مع حرية التعبير والتجمع السلمي. هذا المثال يكشف أن القمع لم يعد ينتظر خروج الشارع، بل يتحرك استباقيا لمنع تشكل الصوت المعارض قبل أن يصل إلى المجال العام. 

وفي السعودية، نبهت منظمة العفو الدولية إلى سجن زوار بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يطرح سؤالا خطيرا حول تمدد العقاب من الفضاء الواقعي إلى الفضاء الرقمي، حيث تصبح التدوينة أو التعليق أو إعادة النشر سببا للاعتقال والمحاكمة. كما انتقدت المنظمة قانون الأمن العام الجديد في إيطاليا، معتبرة أن بعض مواده تتعارض مع التزامات البلاد في القانون الدولي لحقوق الإنسان. 

أما في مالي، فقد وثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات جسيمة ضد المدنيين وسط تجدد القتال منذ أبريل/نيسان 2026، متهمة جماعات مسلحة إسلامية والقوات المالية وحلفاءها بارتكاب اعتداءات خطيرة. هنا تظهر مأساة المدني العالق بين نيران الجماعات المسلحة ونيران الدولة، حيث يصبح الحق في الحياة والأمن مجرد وعد مؤجل. 

وفي السودان، دعت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومنظمات مدنية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى التحرك العاجل إزاء الوضع في الأبيض بولاية شمال كردفان، محذرة من خطر هجوم وشيك لقوات الدعم السريع واحتمال وقوع فظائع جديدة. هذا النداء يعكس خوفا حقيقيا من تكرار مشاهد القتل الجماعي والنزوح والانتهاكات الجنسية والإفلات من العقاب. 

وتكشف قضية باكستان وجها آخر من القمع، إذ أفاد المدافعون في الخط الأمامي بأن قوات الأمن داهمت منزل المدافعة الحقوقية سمي دين بلوچ في كراتشي يوم 28 يونيو/حزيران 2026، وصادرت حاسوبها ووثائقها وأغراضا شخصية، في سياق ذكرى الاختفاء القسري لوالدها. كما أشار المصدر نفسه إلى الحكم بالسجن المؤبد على المدافعين مهرانغ بلوچ وسبغة الله شاهجي. 

وفي تونس، عاد ملف الناشطة سعدية مصباح إلى الواجهة عبر المدافعين في الخط الأمامي، بعد إجراءات قضائية قالت المنظمة إنها مرتبطة بعملها الحقوقي وموسومة باختلالات. هذه الحالة تقدم مثالا عربيا واضحا على استعمال القضاء المالي أو الجنائي لإرهاق الجمعيات والناشطين بدل حمايتهم. 

وفي ملف الأطفال، ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسف أن مجلس الأمن ناقش في 24 يونيو/حزيران 2026 قضية الأطفال والنزاعات المسلحة، بينما أكدت الدفاع عن الأطفال دوليا أن الأطفال الفلسطينيين يواجهون القتل والإصابة وسوء المعاملة أثناء الاعتقال، إضافة إلى آثار الهجمات على المدارس والرعاية الصحية.

وتشير بيت الحرية في تقريرها لسنة 2026 إلى أن الحرية العالمية تراجعت للسنة العشرين على التوالي، مع تدهور الحقوق السياسية والحريات المدنية في 54 بلدا مقابل تحسنها في 35 بلدا فقط. هذا الرقم يمنح المقال خلفية واسعة: ما نراه في الأخبار اليومية ليس حوادث معزولة، بل اتجاها عالميا نحو السلطوية وتضييق المجال المدني. 

أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر فذكّرت بأن تجاهل القانون الإنساني الدولي يجعل المدنيين يتحملون الكلفة الكبرى للحروب، من سقوط الضحايا إلى استهداف الرعاية الصحية واستعمال الغذاء والماء كسلاح وتدمير الخدمات الأساسية. 

خلاصة هذا الأسبوع أن الحقوق لم تعد تُنتهك فقط في السجون والمعتقلات، بل أيضا في قوانين الأمن، وفي المحاكم، وفي الحدود، وفي الهواتف، وفي المدارس، وفي المجال الرقمي. لذلك تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى صحافة يقظة، ومنظمات مستقلة، وقضاء لا يتحول إلى أداة ترهيب، ومجتمع مدني قادر على تحويل الخوف إلى شهادة، والشهادة إلى مساءلة.


0 التعليقات: