الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، يوليو 21، 2026

الإصدارات الجديدة في الأدب الرقمي: القصيدة تُلعب والرواية تتحول إلى فضاء تفاعلي: إعداد عبده حقي


شهد مجال الأدب الرقمي خلال الأيام القليلة الماضية حركة لافتة أعادت إلى الواجهة أعمالًا تجمع بين الكتابة والبرمجة والصوت والصورة والواقع الافتراضي. وجاءت هذه الحركة مدفوعة باختتام المؤتمر السنوي لمنظمة الأدب الإلكتروني، الذي نُظّم عبر الإنترنت بين 15 و18 يوليو 2026، ثم إعلان جوائز المنظمة يوم 19 يوليو. وقد أتاح المؤتمر معرضًا دوليًا محكّمًا يمكن تصفح أعماله إلكترونيًا، إلى جانب تسجيل الجلسات والعروض وحفظها ضمن أرشيف مفتوح للباحثين والقراء. 

ولا يُقصد بالأدب الرقمي في هذا السياق مجرد الكتب الورقية المحوّلة إلى ملفات إلكترونية، بل الأعمال التي تستثمر خصائص الحاسوب والشبكات في صميم بنائها الجمالي، مثل الرواية التشعبية، والقصيدة المتحركة، والسرد التفاعلي، والأعمال المولّدة حاسوبيًا، والنصوص التي تتغير استجابة لاختيارات القارئ. وتؤكد منظمة الأدب الإلكتروني أن هذا النوع يختلف عن الكتاب الإلكتروني التقليدي لأن الوسيط الرقمي يشكل جزءًا من العمل ولا يؤدي وظيفة الوعاء المحايد فقط. 

«لحم ودم»: الرواية التي تضبط إيقاعها قبل قراءتها

تصدر عمل «لحم ودم»، للفنان والكاتب الرقمي كريس جوزيف، المشهد بعد فوزه بجائزة روبرت كوفر لأفضل عمل في الأدب الإلكتروني لعام 2026. وكانت منظمة الأدب الإلكتروني قد أعلنت النتيجة يوم 19 يوليو، متقدمةً بالعمل على مجموعة من التجارب التي توزعت بين الشعر القابل للعب والواقع الافتراضي والسرد المولّد حاسوبيًا. 

لا يبدأ القارئ «لحم ودم» بفتح الصفحة الأولى، بل بضبط شروط التجربة: اختيار الخط بين نمط مخيف وآخر يحاكي الكتابة اليدوية وثالث أكثر ملاءمة للقراءة، وتحديد طول النص، وتشغيل المؤثرات البصرية أو إيقافها، والتحكم في صوت الموسيقى والمؤثرات السمعية. كما يطلب العمل استخدام الهاتف في الوضع العمودي، وهو ما يجعل الجهاز جزءًا من هندسة القراءة، لا مجرد شاشة عارضة للنص. 

يعود إنتاج النسخة الأساسية من العمل إلى سنة 2025، لكنه دخل خلال يوليو 2026 مرحلة جديدة من الانتشار والاعتراف النقدي بعد تتويجه الدولي. وهذا التفصيل ضروري لأن الحديث عن جديد الأدب الرقمي يشمل أحيانًا أعمالًا حديثة الإنتاج، ويشمل أحيانًا أخرى أعمالًا أُعيد اكتشافها بعد عرضها في مهرجان أو فوزها بجائزة مرموقة. وكان «لحم ودم» قد وصل أيضًا إلى القائمة القصيرة لجائزة الكتابة بالوسائط الجديدة، قبل حصوله على جائزة منظمة الأدب الإلكتروني. 

«يو في بي 76»: قصيدة لا تُقرأ فقط

من أبرز الأعمال التي برزت خلال الأيام الماضية قصيدة «يو في بي 76: أثر شعري» للفنان الإسباني باو رودريغيث، التي حصلت على مركز الوصافة في جائزة روبرت كوفر. يقدم صاحب العمل تجربته بعبارة مفارقة تؤكد أن الشعر يُقرأ عادة، لكن هذه القصيدة صُممت لكي تُلعب أيضًا. 

تستند التجربة إلى محطة البث الإذاعي الغامضة المعروفة باسم «يو في بي 76»، وتحوّل الإشارات والترددات والتشويش إلى استعارة عن الوحدة البشرية وانتظار صوت قد يأتي من الجهة الأخرى. يرسل الجهاز إشارات، ويرسل المستخدم بدوره استجابات، فتتشكل القصيدة داخل المسافة الفاصلة بين الاتصال والصمت، وبين الأمل في وصول الرسالة واحتمال ضياعها.

نُشر العمل بالإنجليزية والكتالانية، وصُمم بواسطة محرك «غودو» ليعمل مباشرة في المتصفح بتقنية صفحات الويب التفاعلية. ويشير صاحبه بوضوح إلى أنه لم يستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاجه، وهي إشارة تكشف حضور مسألة مصدر النص وشفافية أدوات الكتابة داخل النقاش المعاصر حول الأدب الرقمي. 

«مليون فعل عشوائي»: أدب يتناسل بلا نهاية

حل عمل «مليون فعل عشوائي» للكاتب والمبرمج الأمريكي مارك سامبل في مركز الوصافة أيضًا. ويتكون من شبكة هائلة تتوالد داخلها آلاف القصص القصيرة جدًا انطلاقًا من عناوين الأخبار ومفردات العنف والرقابة والمقاومة والاضطراب السياسي والاجتماعي. وقد عاد العمل إلى دائرة الضوء بعد إعلان نتائج جوائز يوليو، رغم أن نسخته الأولى ظهرت خلال سنة 2025. 

لا يعتمد سامبل على نموذج لغوي تجاري يكتب النصوص بحرية، بل أنشأ نموذجًا لغويًا صغيرًا وقواعد تركيبية خاصة يملؤها بعبارات وكلمات منتقاة. وتسمح البنية المتداخلة بإنتاج عدد هائل من الاحتمالات النصية، بحيث تختلف الصفحة في كل زيارة ويبقى من المتعذر على قارئ واحد استنفاد جميع القصص الممكنة.

لا يمتلك العمل بداية محددة أو خاتمة نهائية. يستطيع القارئ التحرك داخل الشبكة، والتكبير والتصغير، والتوقف عند شذرات منفردة تبدو مثل أخبار أو اعترافات أو مشاهد عنف عابرة. وتتحول القراءة إلى محاولة لترتيب عالم تتكاثر داخله الحوادث أسرع من قدرة الإنسان على فهمها. وقد استُخدمت في بناء التجربة لغتا تنسيق وبرمجة صفحات الويب، إلى جانب مكتبتين برمجيتين تسمحان بتوليد اللغة ورسم الشبكة التفاعلية. 

«حقل الديوكسين»: الشعر داخل الواقع الافتراضي

حصل عمل «حقل الديوكسين» للشاعرة والفنانة كوليير نوغيز على تنويه خاص من لجنة جائزة روبرت كوفر. وينتمي إلى مشروع أوسع للقصائد الغامرة بالواقع الافتراضي، يستكشف المواقع العسكرية والمنشآت المهجورة والمناظر البيئية التي تحمل آثار الاستعمار والحروب والتلوث.

يرتبط «حقل الديوكسين» بجزيرة أوكيناوا اليابانية، ويضع المتلقي داخل فضاء يمكن التجول فيه بدل الاكتفاء بمشاهدة صورة ثابتة أو قراءة قصيدة موزعة على أسطر. تصبح الأرض أرشيفًا، وتتحول الحركة الجسدية داخل البيئة الافتراضية إلى وسيلة لقراءة ما أخفته المنشآت العسكرية والمشاهد الطبيعية.

تسأل التجربة عن الماضي الذي يمكن الإحساس به داخل هذه المواقع، وعن المستقبلات التي يمكن تخيلها لها. وهكذا ينتقل الشعر من الصفحة إلى المكان الافتراضي، وتغدو المسافة والاتجاه والصوت عناصر توازي الوزن والصورة والاستعارة في القصيدة التقليدية. 

«رحلة فوق أوتياروا ـ نيوزيلندا»: رسائل الأطفال في كتاب فيديو

منحت لجنة الجوائز تنويهًا خاصًا أيضًا لمشروع «رحلة فوق أوتياروا ـ نيوزيلندا» الذي أنجزته الباحثة والمبدعة جيزيلا دي كاسترو. وهو كتاب فيديو تفاعلي يربط الأدب بالجغرافيا والرسوم المتحركة والذاكرة البيئية. 

يضم المشروع اثنتين وعشرين حكاية قصيرة متحركة، تستند إلى رسائل كتبها أطفال تتراوح أعمارهم بين أربع وخمس عشرة سنة. وقد جُمعت سبعون رسالة من خمس عشرة منطقة من أصل ست عشرة منطقة في نيوزيلندا، وتحدث فيها الأطفال عن مدنهم وسواحلهم وبيئاتهم المحلية وتطلعاتهم للمستقبل. 

تعمل المنصة بوصفها كتابًا تفاعليًا وكبسولة زمنية رقمية تحفظ أصوات الأطفال للأجيال القادمة. كما تستعين بطائر «تارا إيتي»، وهو أحد أكثر الطيور النيوزيلندية تعرضًا لخطر الانقراض، شخصيةً ترشد القارئ داخل الرحلة. يلتقي في هذا الإصدار الحس البيئي بالتربية الأدبية، وتتحول رسائل الأطفال المكتوبة بخط اليد إلى سرد متعدد الوسائط قابل للاستكشاف عبر الشاشة.

«عالم وحيد واحد»: العزلة بصفتها فضاءً تفاعليًا

دخل العمل النرويجي «عالم وحيد واحد» لفيغارد فوتلاند قائمة التنويهات الخاصة. وهو تجربة شعرية تفاعلية تجعل المستخدم يتحرك داخل بيئة رقمية ترتبط بالوحدة والانفصال والبحث عن التواصل. وكان العمل قد ظهر في قوائم جائزة الكتابة بالوسائط الجديدة قبل أن يعود إلى الواجهة ضمن نتائج منظمة الأدب الإلكتروني لعام 2026. 

تكشف هذه العودة عن خاصية مهمة في تداول الأدب الرقمي؛ فالعمل لا ينتهي بعد نشره الأول، بل يستطيع الانتقال بين المنصات والمعارض والجوائز، ويتغير تلقيه مع تحديث البرمجيات والأجهزة والسياقات السياسية والثقافية.

عروض جديدة تمزج النص بالصوت والخوارزمية

لم تقتصر مستجدات الأسبوع على الأعمال الفائزة. فقد شهد مؤتمر الأدب الإلكتروني تقديم «إنسان. آلة. نص» لجيمس باردو، وهو تركيب سمعي بصري يُنتج في الوقت الفعلي، ويعيد تفكيك كلمات الفيلسوف الفرنسي جوليان أوفري دو لامتري في كتابه «الإنسان آلة». يحوّل النظام النص الفلسفي إلى قصيدة مقطّعة وسحابة من الجسيمات المتحركة، لتصبح اللغة مادة بصرية وسمعية تتغير أمام الجمهور. 

كما تضمن البرنامج أعمال أداء وتجارب بعنوان «نقش»، و**«ميدوسا الضاحكة الكامنة»، و«شخصيات السلطة»**، إلى جانب نصوص تناقش الكتابة بواسطة النماذج اللغوية، والخيال الخوارزمي، والذاكرة الرقمية، وتأثير الذكاء الاصطناعي في مفهوم المؤلف. وقد حُفظت جلسات المؤتمر وعروضه ضمن أرشيف رقمي بعد انتهائه، وهو ما يمنح هذه التجارب حياة تتجاوز لحظة العرض المباشر. 

المجموعة العالمية الخامسة ما زالت قيد الإعداد

رافق المؤتمر تقديم مستجدات المجموعة الخامسة للأدب الإلكتروني، وهي مشروع دولي منتظر لجمع نماذج مختارة من الأدب المولود رقميًا. لكن المجموعة لم تصدر بصورتها النهائية حتى 21 يوليو 2026؛ إذ تؤكد المنظمة أن عملية المراجعة والإعداد والنشر ما زالت جارية. 

وتتميز هذه الدورة باتساعها اللغوي، فقد أُتيحت دعوة المشاركة بست عشرة لغة، من بينها العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية واليابانية والصينية والبرتغالية والبنغالية والعبرية والروسية. ويعكس هذا التعدد محاولة لتجاوز الهيمنة الإنجليزية على أرشيف الأدب الإلكتروني، وفتح المجال أمام تجارب قادمة من بيئات لغوية وثقافية متباينة.

أما على المستوى العربي، فلم يكشف الرصد في المواقع المفهرسة خلال الأيام القليلة الماضية عن إصدار عربي تفاعلي جديد موثق بوضوح يوازي هذه الأعمال. ولا يعني ذلك غياب التجارب العربية، بل يشير إلى ضعف الإعلان عنها، وتشتتها بين مواقع شخصية ومنصات سريعة الزوال، وافتقارها إلى أرشيف متخصص يتابع الإصدارات ويحفظها ويقدمها بلغات متعددة.

ملامح مرحلة أدبية جديدة

تكشف حصيلة الأيام الماضية عن انتقال الأدب الرقمي نحو أربعة اتجاهات أساسية: ازدياد حضور القارئ بوصفه مشاركًا في تشكيل النص، واتساع استخدام الواقع الافتراضي في كتابة الذاكرة البيئية والسياسية، وعودة الأدب التوليدي القائم على القواعد والخوارزميات، وارتفاع الاهتمام بتوثيق الأدوات المستخدمة والتمييز بين الإبداع البشري والإنتاج المعتمد على الذكاء الاصطناعي.

تؤكد هذه الأعمال أن القصيدة تستطيع أن تتحول إلى إشارة إذاعية أو أرض افتراضية، وأن القصة القصيرة يمكن أن تتكاثر داخل شبكة لا نهائية، وأن رسائل الأطفال قادرة على تشكيل كتاب فيديو وجغرافيا أدبية مشتركة. ويصبح سؤال الأدب مرتبطًا بتجربة القراءة ذاتها: أين يوجد النص، ومن يحرّكه، ومن يحدد بدايته ونهايته، وما الجزء الذي يكتبه المؤلف وما الجزء الذي تنتجه الآلة أو تفعّله حركة القارئ؟

لقد وضعت إصدارات يوليو 2026 القارئ أمام أدب لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يطلب أن يُلمس ويُسمع ويُستكشف ويُعاد تشغيله. وهذه التحولات تمنح الأدب الرقمي مكانة متنامية داخل المشهد الإبداعي العالمي، وتضع الثقافة العربية أمام ضرورة الانتقال من النقاش النظري حول هذا الجنس إلى إنتاج أعمال أصلية، وإنشاء منصات تحفظها وتترجمها وتقدمها للجمهور العالمي.




0 التعليقات: