لا أرى في قضية الصحراء المغربية مجرد ملف دبلوماسي عابر، بل أعتبرها الامتحان الأكثر وضوحًا لقدرة الدولة المغربية على الجمع بين الصبر الاستراتيجي والعمل السياسي الهادئ وتراكم المكاسب الميدانية. وكلما تابعت تطورات هذا الملف خلال السنوات الأخيرة ازددت اقتناعًا بأن الرباط لم تعد تتحرك بمنطق ردود الأفعال، وإنما وفق رؤية بعيدة المدى تجعل الزمن حليفًا لها، وتجعل الوقائع على الأرض أكثر بلاغة من الشعارات التي ترددها الأطراف الأخرى.
لقد اختار المغرب طريق البناء بدل طريق الضجيج، وطريق التنمية بدل صناعة الأزمات، وطريق الدبلوماسية الهادئة بدل الانفعال الإعلامي. لذلك لم يكن مستغربًا أن تتوالى المواقف الدولية التي تنظر إلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسًا جادًا وذا مصداقية للتوصل إلى تسوية سياسية واقعية. فالدول لا تبني مواقفها على الخطابات الحماسية، وإنما على قراءة دقيقة لموازين القوى، ولمدى قابلية كل مشروع للتطبيق والاستمرار.
وأنا أراقب هذا التحول الدولي، ألاحظ أن الكفة لم تعد تميل إلى الخطاب التقليدي الذي ظل يردد الشعارات نفسها منذ عقود، بل أصبحت تميل إلى الحلول العملية التي تنهي حالة الجمود وتفتح الباب أمام الاستقرار الإقليمي. فالعالم يعيش اليوم تحت ضغط أزمات أمنية واقتصادية متلاحقة، ولم يعد مستعدًا لإدامة نزاعات مفتوحة بلا أفق سياسي واضح.
ومن هنا تبدو مبادرة الحكم الذاتي المغربية، في نظري، أكثر انسجامًا مع منطق السياسة الحديثة، لأنها تجمع بين احترام الخصوصيات المحلية والمحافظة على الوحدة الترابية للدولة، بينما تبدو الأطروحات المقابلة أسيرة تصورات تعود إلى زمن الحرب الباردة، وكأن التاريخ توقف عند مرحلة لم يعد لها وجود إلا في ذاكرة بعض الأنظمة التي ما زالت تعيش على أوهام الماضي.
ومن أبرز المؤشرات التي أراها معبرة عن هذا التحول تزايد عدد الدول التي أعلنت تأييدها للمبادرة المغربية. فهذه المواقف ليست مجاملات دبلوماسية عابرة، ولا بيانات بروتوكولية تصدر ثم تختفي، بل هي قرارات سياسية تعكس اقتناعًا متزايدًا بأن الواقعية أصبحت تفرض نفسها على حساب الخطابات الإيديولوجية التي استنفدت قدرتها على الإقناع.
وليس من قبيل المصادفة أيضًا أن تتحول مدينتا العيون والداخلة إلى فضاء دبلوماسي يستقبل القنصليات العامة للدول الشقيقة والصديقة. فالقنصلية ليست مجرد بناية ترفع فوقها راية دولة أجنبية، وإنما هي إعلان عملي عن الاعتراف بأهمية هذا المجال الجغرافي، ورسالة سياسية تقول إن التعامل مع الأقاليم الجنوبية للمغرب يتم باعتبارها فضاءً طبيعيًا للتعاون والاستثمار والانفتاح.
وأرى أن القيمة الرمزية لافتتاح هذه القنصليات لا تقل أهمية عن قيمتها الدبلوماسية، لأنها تعني أن عددا متزايدا من الدول اختار التعامل مع الواقع بدل الارتهان لخطابات لا تجد ترجمة لها في الحياة الدولية. فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تُقاس بما يقال في المؤتمرات، وإنما بما يُنجز على الأرض.
وفي مقابل هذا المسار المتصاعد، تبدو السياسة الجزائرية، في تقديري، وكأنها تدور داخل حلقة مفرغة لا تنتج سوى مزيد من التوتر. فمنذ عقود والسلطات الجزائرية تكرر الخطاب نفسه، وتستثمر الموارد نفسها، وتدافع عن الخيارات ذاتها، بينما تتغير موازين العالم من حولها بسرعة هائلة. إن الإصرار على تجاهل التحولات الدولية لا يصنع انتصارًا سياسيا، بل يعمق العزلة ويزيد الفجوة بين الخطاب والواقع.
وأكثر ما يلفت انتباهي أن الخطاب الرسمي الجزائري يحاول تقديم نفسه بوصفه مجرد طرف غير معني بالنزاع، بينما تكشف الوقائع السياسية والدبلوماسية حضوره الدائم في مختلف تفاصيل الملف. وهذا التناقض يجعل الرواية الرسمية أقل قدرة على الإقناع كلما ازدادت المعطيات الدولية وضوحًا.
أما جبهة البوليساريو، فأراها تعيش أزمة تتجاوز الجانب السياسي إلى أزمة في الرؤية ذاتها. فمنظمة ظلت لعقود تبشر بالمشروع نفسه، دون أن تتمكن من تحويله إلى واقع معترف به دوليًا، تجد نفسها اليوم أمام مشهد دولي يتغير بوتيرة متسارعة، بينما تظل هي حبيسة خطاب لم يعد قادرًا على استقطاب التأييد الذي كان يحظى به في مراحل تاريخية مختلفة.
إن استمرار الجبهة في تسويق الاتهامات ذاتها، والرهان على التصعيد الإعلامي، لا يغير من حقيقة أن الزمن السياسي لا ينتظر أحدًا. فالدول التي تعيد تقييم مواقفها لا تفعل ذلك تحت تأثير الضغوط، وإنما بعد مراجعة دقيقة لمصالحها الاستراتيجية، ولمدى قابلية الحلول المطروحة للحياة.
وأرى أيضًا أن بعض الدول التي لا تزال تساند أطروحة الجزائر والبوليساريو تبدو وكأنها تقرأ الملف بعين الماضي لا بعين الحاضر. فالعلاقات الدولية لم تعد تدار بمنطق الاصطفافات الإيديولوجية القديمة، وإنما بمنطق الشراكات الاقتصادية والاستقرار الأمني والمصالح المتبادلة. ومن يصر على تجاهل هذه الحقيقة يغامر بأن يجد نفسه خارج حركة التاريخ.
ولذلك فإن هذه الدول، بدل أن تشجع على إطالة أمد الخلاف، كان الأولى بها أن تدعم كل مبادرة واقعية يمكن أن تقرب وجهات النظر وتخفف من معاناة السكان وتفتح آفاق التنمية في المنطقة. أما التشبث بمواقف جامدة لم تحقق أي اختراق طوال عقود، فلا يخدم السلام ولا يعزز الأمن الإقليمي.
وأعتقد أن قوة المغرب في هذا الملف لم تعد تكمن فقط في دفاعه السياسي عن وحدته الترابية، بل في قدرته على تحويل الأقاليم الجنوبية إلى فضاء للاستثمار والبنية التحتية والمشاريع الاقتصادية الكبرى، وهو ما يجعل الخطاب المغربي مدعومًا بوقائع ملموسة، لا بمجرد شعارات.
إن المدن التي تتوسع، والموانئ التي تُنجز، والطرق التي تُعبد، والاستثمارات التي تتدفق، كلها عناصر تمنح أي موقف سياسي قوة إضافية، لأن العالم يميل بطبيعته إلى تصديق الوقائع أكثر مما يميل إلى تصديق البيانات والخطب.
ومن هنا أرى أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط داخل أروقة المنظمات الدولية، وإنما أيضًا داخل ميادين التنمية والاقتصاد والاستثمار. فمن ينجح في بناء المستقبل يفرض منطقه على الآخرين، بينما يبقى أسير الماضي منشغلًا بتكرار الروايات القديمة دون أن يضيف إليها جديدًا.
وأخلص إلى أن ميزان هذا الملف يشهد تحولًا تدريجيًا، لا بسبب تبدل الشعارات، بل نتيجة تراكم الوقائع السياسية والدبلوماسية والتنموية. وفي المقابل، فإن استمرار الجزائر والبوليساريو وبعض الجهات الداعمة لهما في تبني المقاربة نفسها، رغم تغير البيئة الدولية، يبدو أقرب إلى الإصرار على مقاومة حركة التاريخ منه إلى بناء أفق سياسي جديد.
وأنا أنظر إلى هذا المشهد، أزداد اقتناعًا بأن المستقبل لا تصنعه الأصوات المرتفعة ولا الحملات الدعائية، وإنما تصنعه الرؤية الواضحة، والعمل المتواصل، والقدرة على تحويل المبادرات إلى حقائق ماثلة أمام أنظار العالم. ولذلك أرى أن المغرب اختار طريقًا يراهن على الواقعية والإنجاز، بينما يظل خصومه، في تقديري، عالقين في خطاب يزداد ابتعادًا عن موازين السياسة الدولية كلما تقدمت السنوات.







0 التعليقات:
إرسال تعليق