في السياسة، كما في الأدب الساخر، هناك لحظات يصبح فيها التصريح أغرب من الخيال، ويصبح الرد عليه أشبه بقراءة قصيدة سريالية كتبها الواقع نفسه. من هذا النوع التصريح الذي تداولته منصات التواصل الاجتماعي لوزير جزائري يعلن فيه، بنبرة المنتصر في معركة وهمية، أن بلاده فرضت التأشيرة على المغاربة لأن "الجميع يريد الهجرة إلى الجزائر".
لو كان الأمر نكتة في مقهى شعبي لضحكنا قليلاً ثم نسيناها. لكن حين تصدر هذه العبارة عن مسؤول رسمي، فإنها تتحول إلى مادة دسمة للتحليل السياسي… وربما أيضاً لعلم النفس السياسي.
لنبدأ من السؤال البسيط
الذي يطرحه المنطق قبل السياسة:
أي مغربي يريد الهجرة
إلى الجزائر؟
ليس في السؤال تهكم،
بل هو سؤال واقعي تماماً. فالهجرة، كما يعرف خبراء الاقتصاد والاجتماع، تتجه دائماً
نحو البلدان التي توفر فرص العمل والاستقرار الاقتصادي والحريات. ولهذا يهاجر ملايين
البشر كل عام نحو أوروبا وأمريكا الشمالية والخليج. أما الجزائر، رغم إمكاناتها النفطية،
فهي بلد يعرف الجميع أنه يعيش منذ سنوات أزمة اقتصادية خانقة: تضخم، بطالة مرتفعة بين
الشباب، وانغلاق اقتصادي يكاد يجعلها جزيرة معزولة عن محيطها.
إن فكرة أن المغاربة
يتزاحمون على الحدود للهجرة إلى الجزائر تشبه إلى حد بعيد روايات الخيال العلمي: جميلة
في المخيلة، لكنها لا تصمد أمام أبسط اختبار للواقع.
المفارقة أن الجزائر
نفسها تعيش منذ سنوات موجات هجرة معاكسة. آلاف الشباب الجزائريين يخاطرون بحياتهم في
قوارب الهجرة غير النظامية نحو إسبانيا وإيطاليا. كلمة "الحراقة" أصبحت جزءاً
من القاموس الاجتماعي الجزائري. في المقابل، لا أحد تقريباً يتحدث عن قوارب مغربية
تتجه نحو السواحل الجزائرية.
هنا يكمن جوهر المفارقة:
بلد يعاني من هجرة أبنائه إلى الخارج يتحدث عن خوفه من هجرة جيرانه إليه.
ربما المشكلة ليست
في الواقع، بل في الرواية السياسية التي تحاول السلطة في الجزائر تسويقها. فمنذ سنوات،
تقوم الدبلوماسية الجزائرية على فكرة مركزية واحدة: صناعة عدو دائم اسمه المغرب. وكلما
ظهرت أزمة داخلية—اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية—يتم استدعاء هذا العدو لتفسير كل
شيء.
هذه التقنية ليست جديدة
في علم السياسة. إنها ما يسميه الباحثون "سياسة تحويل الانتباه". حين تتعقد
المشاكل الداخلية، يتم خلق قصة خارجية لصرف الأنظار.
لكن حتى هذه التقنية
تحتاج إلى قدر من الإقناع. وهنا بالضبط يفشل الخطاب الذي يتحدث عن "هجرة المغاربة
إلى الجزائر".
لننظر إلى الأرقام
البسيطة التي يعرفها أي متابع للمنطقة. المغرب اليوم يستقطب آلاف الطلبة الأفارقة للدراسة
في جامعاته. مدن مثل الرباط والدار البيضاء ومراكش أصبحت فضاءات متعددة الثقافات. كما
أن المغرب تحول في السنوات الأخيرة إلى منصة اقتصادية إفريقية، حيث تستثمر الشركات
المغربية في عشرات البلدان جنوب الصحراء.
في المقابل، الجزائر
ما تزال اقتصاداً مغلقاً يعتمد بشكل شبه كامل على صادرات الغاز والنفط. الشركات الأجنبية
تواجه صعوبات كبيرة في الاستثمار هناك بسبب القوانين المعقدة والبيروقراطية الثقيلة.
بكلمات أخرى: من الصعب
إقناع الناس بأن المغاربة يحلمون بالهجرة إلى اقتصاد مغلق بينما يعيشون في بلد أصبح
بوابة اقتصادية لإفريقيا.
لكن ربما يكمن سر هذا
التصريح في بعد آخر: البعد الرمزي. فالخطاب السياسي في الجزائر، منذ عقود، يعتمد على
نوع من "اللغة التعبوية". إنها لغة تشبه خطابات الحرب حتى في زمن السلم.
ولذلك كثيراً ما نسمع تصريحات تبدو وكأنها موجهة إلى جمهور داخلي أكثر مما هي موجهة
إلى الواقع.
في هذا السياق، يصبح
فرض التأشيرة ليس إجراءً إدارياً بل إعلاناً سياسياً: رسالة تقول إن الجزائر تحمي نفسها
من "تدفق" غير موجود أصلاً.
المشكلة أن العالم
اليوم لم يعد يعيش في عصر الخطابات المغلقة. المعلومات تنتقل بسرعة الضوء، والناس تقارن
بين التصريحات والوقائع بضغطة زر. ولهذا يصبح من الصعب تسويق رواية لا تجد لها سنداً
في الواقع.
والواقع يقول ببساطة
إن العلاقات بين المغرب والجزائر أكبر بكثير من هذه التصريحات. فالشعبان تجمعهما روابط
التاريخ والجغرافيا واللغة والعائلة. آلاف العائلات موزعة بين البلدين. الحدود المغلقة
منذ عقود ليست سوى جرح سياسي في جسد اجتماعي واحد.
ولهذا فإن تحويل قضية
إنسانية مثل التنقل بين الشعوب إلى مادة للمزايدة السياسية لا يخدم أحداً. بل على العكس،
يعمق سوء الفهم ويغذي خطاب الكراهية الذي لا يستفيد منه سوى دعاة الصراع.
السياسة الحكيمة لا
تقوم على تضخيم المخاوف الوهمية، بل على بناء الجسور الواقعية. والجزائر، مثل المغرب،
تحتاج اليوم إلى تعاون إقليمي أكثر من حاجتها إلى خطابات إعلامية مثيرة.
فشمال إفريقيا منطقة
تملك كل مقومات التكامل: طاقات بشرية شابة، موارد طبيعية كبيرة، موقع جغرافي استراتيجي
بين أوروبا وإفريقيا. لكن هذه الإمكانات تظل معطلة بسبب صراعات سياسية قديمة.
ربما كان من الأجدى،
بدلاً من الحديث عن "هجرة المغاربة إلى الجزائر"، أن نتحدث عن حلم أكبر:
حرية التنقل بين شعوب المغرب الكبير. حلم كان قائماً في زمن الآباء المؤسسين لاتحاد
المغرب العربي.
أما اليوم، فإن تصريحات
من هذا النوع لا تفعل سوى إضافة فصل جديد إلى مسرحية سياسية طويلة… مسرحية يعرف الجمهور
نهايتها مسبقاً.
وفي النهاية، يبقى
الواقع أقوى من أي خطاب. فالهجرة لا تتحرك بالشعارات، بل بالفرص. والتاريخ لا يكتبه
من يرفع صوته أعلى، بل من يبني مستقبلاً أكثر عقلانية لشعوب المنطقة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق