الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 09، 2026

ذاكرة الخوارزميات وحدود السيرة الرقمية للراحلين: إعداد عبده حقي

 


لم يعد تاريخ الإنسان محصورًا في الوثائق الورقية أو في ذاكرة العائلة، بل أصبح اليوم موزعًا عبر ملايين الآثار الرقمية التي يتركها الفرد خلال حياته: رسائل إلكترونية، منشورات في شبكات التواصل الاجتماعي، تسجيلات صوتية، مقاطع فيديو، وصور محفوظة في خوادم سحابية. في هذا السياق الجديد، ظهرت ظاهرة معرفية وتقنية مثيرة للجدل يمكن وصفها بـ السيرة الذاتية الرقمية للراحلين، حيث تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لإعادة بناء شخصية الأفراد بعد وفاتهم اعتمادًا على بياناتهم الرقمية. هذه الظاهرة التي يطلق عليها أحيانًا اسم “الإحياء الرقمي” أو “الأشباح الرقمية” أصبحت موضوعًا متناميًا في الدراسات الإعلامية والفلسفية والأخلاقية.

لقد سمحت التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي التوليدي بتحليل كميات ضخمة من البيانات الشخصية، ثم تحويلها إلى نماذج رقمية قادرة على محاكاة أسلوب الكلام والكتابة والتفاعل الاجتماعي للشخص المتوفى. تظهر هذه النماذج في شكل روبوتات محادثة، أو أصوات مستنسخة، أو صور وفيديوهات متحركة تحاكي الشخصية الأصلية. ويطلق الباحثون على هذه الكيانات أحيانًا مصطلحات مثل “griefbots” أو “deadbots”، وهي أنظمة تعتمد على تقنيات معالجة اللغة الطبيعية والتعلم الآلي لمحاكاة شخصية المتوفى وسلوكه اللغوي.

تنبع فكرة السيرة الذاتية الرقمية من التحول العميق في طبيعة الذاكرة البشرية في العصر الرقمي. ففي الماضي، كانت السيرة الذاتية تُكتب بعد الموت عبر كتب أو شهادات تاريخية، أما اليوم فإن الخوارزميات نفسها تستطيع “كتابة” نسخة تفاعلية من حياة الإنسان. فكل تغريدة أو رسالة أو صورة تتحول إلى مادة خام تُغذي النموذج الحسابي الذي يعيد تركيب الشخصية. وبهذا المعنى، يصبح الإنسان المعاصر كائنًا ذا وجودين: وجود بيولوجي ينتهي بالموت، ووجود بياناتي يمكن أن يستمر نظريًا إلى ما لا نهاية.

تُظهر الدراسات الحديثة أن هذه التقنية ليست مجرد تصور خيالي. فهناك بالفعل منصات وشركات تقدم خدمات لإنشاء نسخ رقمية من الأشخاص، بعضها يُدرَّب أثناء حياة الشخص ليواصل التفاعل بعد وفاته. وتشير دراسات حول ما يسمى “الآخرة الرقمية” إلى أن هذه الأنظمة قادرة على التعلم من بيانات المستخدمين وتطوير سلوكها مع مرور الوقت، بحيث يبدو التفاعل معها وكأنه استمرار لشخصية المتوفى.

هذا التحول يطرح سؤالًا فلسفيًا جوهريًا حول طبيعة الهوية الإنسانية. فإذا كانت شخصية الإنسان يمكن تمثيلها خوارزميًا، فهل يصبح هذا التمثيل شكلًا من أشكال الاستمرار الرمزي للحياة؟ أم أنه مجرد محاكاة لغوية لا علاقة لها بالذات الحقيقية؟ هنا يتقاطع النقاش مع أفكار الفيلسوف الفرنسي بول ريكور حول السرد والهوية في كتابه الشهير الزمان والسرد، حيث يرى أن هوية الإنسان تُبنى من خلال القصص التي يرويها عن نفسه. لكن في زمن الذكاء الاصطناعي، لم يعد السرد حكرًا على الإنسان؛ فالآلة أصبحت قادرة على توليد هذه القصص اعتمادًا على آثار الحياة الرقمية.

من زاوية أخرى، تفتح هذه الظاهرة بابًا واسعًا أمام علم النفس. فبعض الباحثين يرون أن هذه النماذج الرقمية قد تساعد في عملية الحداد عبر ما يسمى “الرابطة المستمرة” مع الراحلين، أي الحفاظ على علاقة رمزية معهم بعد الموت. غير أن دراسات أخرى تحذر من أن التفاعل المستمر مع النسخ الرقمية قد يعطل عملية التكيف النفسي مع الفقدان، لأن الشخص الحزين يظل عالقًا في وهم التواصل مع من رحل.

ولعل المثال الأكثر شهرة في الثقافة الشعبية هو الحلقة المعروفة من مسلسل Black Mirror بعنوان “Be Right Back”، حيث تتواصل امرأة مع نسخة رقمية من حبيبها المتوفى بعد أن تم تدريبها على منشوراته ورسائله الإلكترونية. وقد تحولت هذه الفكرة لاحقًا إلى مشاريع حقيقية في شركات التكنولوجيا التي تسعى إلى تطوير ما يمكن تسميته بـ “الذاكرة الاصطناعية للإنسان”.

غير أن الجانب الأكثر إثارة للجدل في هذه التقنية يتعلق بالأخلاقيات والقانون. فمن يملك الحق في إنشاء نسخة رقمية من شخص متوفى؟ وهل يحق للأقارب استخدام بياناته الشخصية لإعادة إنتاج صوته وصورته دون موافقته؟ يشير عدد من الدراسات القانونية إلى أن معظم الناس لم يتركوا تعليمات واضحة حول استخدام بياناتهم بعد الموت، ما يجعل العديد من عمليات “الإحياء الرقمي” تتم دون موافقة صريحة من الشخص المعني.

كما يثير هذا الموضوع أسئلة حول كرامة الموتى وحدود التمثيل الرقمي. فبعض الباحثين في أخلاقيات التكنولوجيا يحذرون من أن إعادة إنتاج شخصية المتوفى قد يؤدي إلى تشويه صورته أو استغلالها تجاريًا، خاصة إذا كانت النسخة الرقمية قادرة على قول أشياء لم يقلها الشخص في حياته. وقد أظهرت دراسات في مجال أخلاقيات الأعصاب أن هذه التكنولوجيا تثير قضايا مرتبطة بالخصوصية العقلية وحقوق الهوية بعد الموت.

من الناحية الثقافية، تختلف ردود الفعل تجاه هذه الظاهرة بين المجتمعات. ففي بعض الثقافات التي تميل إلى رؤية الموت بوصفه نهاية حاسمة للحياة، قد يُنظر إلى هذه التقنيات بوصفها انتهاكًا للحدود المقدسة بين الحياة والموت. بينما في مجتمعات أخرى قد تُفسَّر باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لتقليد تخليد الذكرى عبر الصور والنصب التذكارية. وقد أظهرت دراسات مقارنة أن بعض التقاليد الدينية تنظر بحذر إلى فكرة “التقمص الرقمي” لأنها تتعارض مع مفاهيمها حول الروح والآخرة.

لكن ربما يكمن البعد الأكثر إثارة في هذه الظاهرة في علاقتها بالتاريخ. فبفضل الذكاء الاصطناعي يمكن تخيل مستقبل تُعاد فيه محاكاة شخصيات تاريخية كاملة اعتمادًا على نصوصها وأعمالها. يمكن للطلاب مثلًا أن “يتحدثوا” مع نسخة رقمية من أرسطو أو ابن خلدون، أو أن يستمعوا إلى شاعر كلاسيكي يلقي قصائده بصوته الافتراضي. وقد بدأت بالفعل مشاريع بحثية في تطوير ما يسمى “الأفاتار التراثي”، أي نسخ رقمية للشخصيات الثقافية بهدف حفظ الذاكرة الجماعية.

ومع ذلك، يظل السؤال الأساسي قائمًا: هل يمكن للسيرة الرقمية أن تكون سيرة حقيقية؟ إن السيرة الذاتية التقليدية ليست مجرد تجميع للأحداث، بل هي تفسير شخصي للحياة. أما السيرة التي تنتجها الخوارزميات فهي تعتمد على تحليل الأنماط الإحصائية في البيانات، أي أنها تكتب حياة الإنسان كما تظهر في البيانات لا كما عاشها في الواقع.

من هنا يمكن القول إن ظاهرة السيرة الرقمية للراحلين تكشف عن تحول عميق في مفهوم الذاكرة الإنسانية. فبينما كانت الذاكرة في الماضي مرتبطة بالنسيان والتلاشي، أصبحت اليوم مرتبطة بالتخزين اللامحدود وإمكانية الاستعادة الدائمة. وربما يكون التحدي الحقيقي في المستقبل هو إيجاد توازن بين الرغبة الإنسانية في تخليد الذاكرة، والحاجة الوجودية إلى قبول النهاية.

وهكذا تقف الإنسانية على أعتاب مرحلة جديدة يصبح فيها الموت ليس نهاية مطلقة للحضور، بل بداية لنوع آخر من الوجود: وجود خوارزمي يعيش في أرشيف البيانات، ويتكلم بصوت الآلة، ويكتب سيرته الذاتية بلغة الإحصاء والاحتمال.


0 التعليقات: