يُعَدُّ بوريس باسترناك مِنْ أَبْرَزِ أَعْلَامِ الأَدَبِ الرُّوسِيِّ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ، حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ الشِّعْرِ وَالرِّوَايَةِ وَالتَّرْجَمَةِ، وَتَرَكَ بَصْمَةً أَدَبِيَّةً عَمِيقَةً مَا زَالَ صَدَاهَا مُسْتَمِرًّا إِلَى اليَوْمِ.
وُلِدَ بُورِيس لِيُونِيدُوفِيتْش بَاسْتِرْنَاك فِي مَدِينَةِ مَوْسْكُو سَنَةَ 1890، فِي أُسْرَةٍ مُثَقَّفَةٍ؛ فَوَالِدُهُ رَسَّامٌ مَعْرُوفٌ، وَوَالِدَتُهُ عَازِفَةُ بِيَانُو، مِمَّا جَعَلَهُ يَنْشَأُ فِي بِيئَةٍ فَنِّيَّةٍ خِصْبَةٍ أَثَّرَتْ فِي تَكْوِينِهِ الإِبْدَاعِيِّ مُنْذُ صِغَرِهِ .
فِي بَدَايَاتِهِ، اتَّجَهَ إِلَى
دِرَاسَةِ الفَلْسَفَةِ وَالقَانُونِ، لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا وَجَدَ نَفْسَهُ فِي
عَالَمِ الشِّعْرِ، فَنَشَرَ أُولَى مَجْمُوعَاتِهِ فِي عِشْرِينَاتِ القَرْنِ المَاضِي،
وَبَرَزَ كَصَوْتٍ شِعْرِيٍّ حَدَاثِيٍّ مُتَفَرِّدٍ فِي الأَدَبِ الرُّوسِيِّ .
لَكِنَّ شُهْرَتَهُ العَالَمِيَّةَ
لَمْ تَتَحَقَّقْ إِلَّا مَعَ رِوَايَتِهِ الشَّهِيرَةِ دكتور جيفاغو، الَّتِي صَدَرَتْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي إِيطَالْيَا سَنَةَ 1957، بَعْدَ أَنْ رُفِضَ نَشْرُهَا فِي الاِتِّحَادِ
السُّوفْيَاتِيِّ بِسَبَبِ مَضَامِينِهَا النَّاقِدَةِ لِلنِّظَامِ السِّيَاسِيِّ آنَذَاك
. وَتَتَنَاوَلُ الرِّوَايَةُ حَيَاةَ الطَّبِيبِ وَالشَّاعِرِ يُورِي جِيفَاغُو فِي
خِضَمِّ الثَّوْرَةِ الرُّوسِيَّةِ وَالحُرُوبِ، مُجَسِّدَةً مَأْسَاةَ الإِنْسَانِ
بَيْنَ الحُبِّ وَالتَّارِيخِ وَالعُنْفِ .
وَبِفَضْلِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ،
مُنِحَ بَاسْتِرْنَاك جَائِزَةَ نُوبِل لِلأَدَبِ سَنَةَ 1958، غَيْرَ أَنَّهُ اضْطُرَّ
إِلَى رَفْضِهَا تَحْتَ ضُغُوطِ السُّلُطَاتِ السُّوفْيَاتِيَّةِ، فِي حَادِثَةٍ تُعَدُّ
مِنْ أَكْثَرِ اللَّحَظَاتِ دَلَالَةً عَلَى صِرَاعِ الأَدِيبِ مَعَ السُّلْطَةِ .
إِلَى جَانِبِ إِبْدَاعِهِ الرِّوَائِيِّ،
اشْتُهِرَ بَاسْتِرْنَاك بِتَرْجَمَاتِهِ لِأَعْمَالِ كِبَارِ الأُدَبَاءِ مِثْلِ يوهان
فولفغانغ فون غوته وَويليام شكسبير، وَهِيَ تَرْجَمَاتٌ لَقِيَتْ قَبُولًا وَاسِعًا
فِي رُوسِيَا .
تَمَيَّزَ أَدَبُهُ بِالنَّزْعَةِ
الإِنْسَانِيَّةِ وَالتَّأَمُّلِ الفَلْسَفِيِّ فِي قَضَايَا الحَيَاةِ وَالحُرِّيَّةِ
وَالمَعْنَى، حَيْثُ كَانَ يَرَى الأَدَبَ فِعْلًا رُوحِيًّا يُقَاوِمُ القَهْرَ وَيُعَبِّرُ
عَنْ مَأْسَاةِ الإِنْسَانِ فِي عَالَمٍ مُضْطَرِبٍ .
تُوُفِّيَ بَاسْتِرْنَاك سَنَةَ
1960 فِي قَرْيَةِ بَرِيدِلْكِينُو قُرْبَ مَوْسْكُو، بَعْدَ أَنْ عَاشَ حَيَاةً مُثْقَلَةً
بِالصِّرَاعِ وَالعُزْلَةِ، لَكِنَّهُ تَرَكَ إِرْثًا أَدَبِيًّا خَالِدًا جَعَلَهُ
أَحَدَ أَعْظَمِ كُتَّابِ القَرْنِ العِشْرِينَ .
وَبِذَلِكَ يَظَلُّ بُورِيس بَاسْتِرْنَاك
صَوْتًا أَدَبِيًّا يُجَسِّدُ مَعْنَى الكِتَابَةِ كَمُقَاوَمَةٍ، وَكَشَهَادَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ
تَتَجَاوَزُ الحُدُودَ وَالأَزْمِنَةَ.
صدرت هَذِهِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1957، خَارِجَ
الحُدُودِ السُّوفْيَاتِيَّةِ، فِي فِعْلٍ أَدَبِيٍّ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ
رُوحَ التَّمَرُّدِ، لِأَنَّهَا رُفِضَتْ دَاخِلَ الاِتِّحَادِ السُّوفْيَاتِيِّ
بِسَبَبِ نَظْرَتِهَا النَّقْدِيَّةِ لِلثَّوْرَةِ وَتَبِعَاتِهَا . وَمِنْ هُنَا تَبْدَأُ رِحْلَةُ
النَّصِّ، لَا كَرِوَايَةٍ فَقَطْ، بَلْ كَشَهَادَةٍ عَلَى صِرَاعِ الأَدَبِ مَعَ
السُّلْطَةِ.
نَصٌّ يَكْتُبُ التَّارِيخَ بِحِبْرِ الذَّاتِ
تَتَبَّعُ الرِّوَايَةُ حَيَاةَ الطَّبِيبِ
وَالشَّاعِرِ يُورِي جِيفَاغُو، مِنْ طُفُولَتِهِ إِلَى نِهَايَتِهِ، فِي سِيَاقٍ
تَارِيخِيٍّ يَمْتَدُّ مِنَ الثَّوْرَةِ الرُّوسِيَّةِ إِلَى الحُرُوبِ الكُبْرَى . لَكِنَّ هَذَا التَّتَبُّعَ لَا
يَقْتَصِرُ عَلَى سِيرَةٍ فَرْدِيَّةٍ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَلْحَمَةٍ
إِنْسَانِيَّةٍ تَجْعَلُ التَّارِيخَ شَخْصِيَّةً حَيَّةً فِي النَّصِّ .
إِنَّ بَاسْتِرْنَاك لَا يَكْتُبُ التَّارِيخَ
كَمَا يَكْتُبُهُ المُؤَرِّخُونَ، بَلْ كَمَا يَعِيشُهُ الإِنْسَانُ:
مُتَقَطِّعًا، مُؤْلِمًا، وَمُشَحَّنًا بِاللَّحَظَاتِ الحَمِيمِيَّةِ. وَهُنَا
تَكْمُنُ قُوَّةُ النَّصِّ: فِي قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْوِيلِ الحَدَثِ الكُبْرَى
إِلَى تَجْرِبَةٍ دَاخِلِيَّةٍ.
ثُنَائِيَّةُ الحُبِّ وَالتَّارِيخِ
تَتَجَلَّى فِي الرِّوَايَةِ ثُنَائِيَّةٌ
مُؤَلِّمَةٌ بَيْنَ الحُبِّ وَالوَاجِبِ، بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالظُّرُوفِ، حَيْثُ
يَجِدُ جِيفَاغُو نَفْسَهُ مُمَزَّقًا بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ وَبَيْنَ عَالَمَيْنِ . فَالحُبُّ هُنَا لَيْسَ
خَلَاصًا، بَلْ مَأْزِقٌ وُجُودِيٌّ.
وَقَدْ أَبْرَزَ بَاسْتِرْنَاك هَذِهِ
التَّوَتُّرَاتِ مِنْ خِلَالِ التَّنَاقُضِ بَيْنَ العَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ،
حَيْثُ يَتَصَادَمُ الشُّعُورُ مَعَ المَسْؤُولِيَّةِ، وَيَتَحَوَّلُ الحُبُّ
إِلَى اخْتِبَارٍ قَاسٍ لِلذَّاتِ .
إِنَّهُ حُبٌّ مَجْرُوحٌ بِالتَّارِيخِ، وَتَارِيخٌ
مُثْقَلٌ بِالحُبِّ.
انْكِسَارُ الحُلْمِ الثَّوْرِيِّ
لَا تَقِفُ الرِّوَايَةُ عِنْدَ حُدُودِ السَّرْدِ
العَاطِفِيِّ، بَلْ تَخُوضُ فِي نَقْدٍ عَمِيقٍ لِلثَّوْرَةِ الرُّوسِيَّةِ،
خَاصَّةً فِي تَحَوُّلِهَا مِنْ حُلْمٍ جَمَاعِيٍّ إِلَى نِظَامٍ يَقْمَعُ
الفَرْدَ .
يُصَوِّرُ بَاسْتِرْنَاك كَيْفَ تَتَحَوَّلُ
الإِيدِيُولُوجِيَا إِلَى قُوَّةٍ تُحَاصِرُ الإِنْسَانَ، وَتَفْرِضُ عَلَيْهِ
أَنْ يَكُونَ نُسْخَةً مِنَ الجَمَاعَةِ، فِي حِينِ أَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ
فَرَادَتِهِ .
وَهُنَا تَتَجَلَّى جِيفَاغُو كَرَمْزٍ
لِلْمُثَقَّفِ الَّذِي يَرْفُضُ الاِنْخِرَاطَ فِي القَطِيعِ، وَيُصِرُّ عَلَى
حَقِّهِ فِي التَّفْكِيرِ وَالإِحْسَاسِ.
الشِّعْرُ كَمَلَاذٍ وَجُودِيٍّ
لَا يَكْتَفِي بَاسْتِرْنَاك بِبِنَاءِ عَالَمٍ
سَرْدِيٍّ، بَلْ يُدْخِلُ الشِّعْرَ فِي نَسِيجِ الرِّوَايَةِ، جَاعِلًا مِنْهُ
مَلَاذًا رُوحِيًّا فِي وَجْهِ الفَوْضَى. فَالفَنُّ، فِي هَذَا السِّيَاقِ،
يُصْبِحُ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ المُقَاوَمَةِ، وَطَرِيقًا لِحِفْظِ
الإِنْسَانِيَّةِ .
إِنَّ جِيفَاغُو، بِصِفَتِهِ شَاعِرًا، يُمَثِّلُ
ذَلِكَ الصَّوْتَ الدَّاخِلِيَّ الَّذِي يَرْفُضُ أَنْ يَذُوبَ فِي ضَجِيجِ
السِّيَاسَةِ.
بِنْيَةٌ سَرْدِيَّةٌ تَتَحَدَّى النِّظَامَ
مِنَ النَّاحِيَةِ الفَنِّيَّةِ، تَخْرُجُ
الرِّوَايَةُ عَنْ القَوَالِبِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِلرِّوَايَةِ
الاِشْتِرَاكِيَّةِ، وَتَعْتَمِدُ عَلَى التَّشَابُكِ وَالمُصَادَفَاتِ، فِي
بِنْيَةٍ تُجَسِّدُ فَوْضَى الوَاقِعِ وَعَدَمَ قَابِلِيَّتِهِ لِلتَّنْظِيمِ الصَّارِمِ
.
وَهَذِهِ الفَوْضَى لَيْسَتْ عَيْبًا فَنِّيًّا،
بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ رُؤْيَةِ بَاسْتِرْنَاك لِلعَالَمِ: عَالَمٌ لَا يُمْكِنُ
اخْتِزَالُهُ فِي مَعَادَلَاتٍ إِيدِيُولُوجِيَّةٍ.
وَحْدَةُ الإِنْسَانِ فِي زَمَنِ الجَمَاعَةِ
تُقَدِّمُ الرِّوَايَةُ صُورَةً مُؤَلِّمَةً
لِلوَحْدَةِ، حَيْثُ يَجِدُ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ مَقْطُوعًا عَنْ جُذُورِهِ،
وَعَاجِزًا عَنْ إِيجَادِ مَكَانٍ آمِنٍ فِي عَالَمٍ مُتَغَيِّرٍ .
إِنَّهَا وَحْدَةٌ لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً فَقَطْ،
بَلْ وُجُودِيَّةٌ: وَحْدَةُ مَنْ يَعِيشُ خَارِجَ التَّوَافُقِ مَعَ العَالَمِ.
خَاتِمَةٌ: الرِّوَايَةُ كَشَهَادَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ
إِنَّ دكتور جيفاغو لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ
تَارِيخِيَّةٍ أَوْ غَرَامِيَّةٍ، بَلْ هِيَ نَصٌّ يُعِيدُ طَرْحَ سُؤَالِ
الإِنْسَانِ فِي مُوَاجَهَةِ التَّارِيخِ: هَلْ نَحْنُ صُنَّاعُهُ أَمْ
ضَحَايَاهُ؟
بِأُسْلُوبٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الشِّعْرِيَّةِ
وَالتَّأَمُّلِ، يَكْتُبُ بَاسْتِرْنَاك رِوَايَةً تَتَجَاوَزُ زَمَنَهَا،
وَتُثْبِتُ أَنَّ الأَدَبَ لَا يَكُونُ عَظِيمًا إِلَّا حِينَ يَكُونُ صَادِقًا
فِي مُوَاجَهَةِ الحَقِيقَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُؤْلِمَةً.







.jpeg)
0 التعليقات:
إرسال تعليق