الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أبريل 17، 2026

إصدارات جديدة تعيد تشكيل الوعي خارج يقيناته القديمة: إعداد عبده حقي

 


في هذا الأفق الثقافي الذي يتبدّل كل أسبوع كما لو أنه صفحة ماء تُعاد كتابتها، لا تعود عناوين الكتب مجرد إشارات ببليوغرافية باردة، بل تتحول إلى خرائط دقيقة لوعي عربي يتشكّل في صمت، بين سؤال الهوية وتحوّلات العالم. ومن خلال تتبّع ما نشرته منصّات مثل الضفة الثالثة والقدس العربي وميدل إيست أونلاين، إلى جانب ما أعلنته دور نشر مثل دار الساقي ودار الآداب ودار طوبقال ودار التوحيدي خلال الأسبوع الماضي، يمكننا أن نرصد أرشيفًا حيًا لعناوين جديدة تحمل قلق المرحلة ورهاناتها.

في موقع الضفة الثالثة، برزت مجموعة من الإصدارات التي تعكس انشغال الكتابة العربية بأسئلة الذات والتاريخ والتكنولوجيا. من بين هذه العناوين:

  • “حليب أسود” لأليف شافاك (في ترجمة عربية جديدة)
  • “نظرات في الأندلس: من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر”
  • “أشواك حديقة تورينغ” لرنا حايك
  • “الاشتغال في الشعر العربي الحديث” لعلي لفتة سعيد

هذه الكتب لا تكتفي بإعادة إنتاج المعارف، بل تعيد مساءلة علاقة الكاتب بذاته وبالعالم، حيث تتحول الأندلس إلى استعارة للذاكرة، والتكنولوجيا إلى فضاء سردي مضطرب.

أما في القدس العربي، فقد ظهرت عناوين تميل إلى تفكيك التاريخ وإعادة كتابته من موقع الهامش، مثل:

  • “غواية المهزوم: ماذا عن التاريخ الذي لا يكتبه المنتصر؟”
  • “معركة الاستنباط”
  • “أم أربعة وأربعين”

هنا، تصبح الكتابة فعلاً نقدياً، لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يفضح آليات إنتاجها، ويقترح سرديات بديلة تقاوم مركزية المنتصر.

وفي ميدل إيست أونلاين، وإن لم تُعرض قوائم دقيقة، إلا أن التغطيات الثقافية أشارت إلى صدور كتب جديدة في الفكر السياسي والترجمة الفلسفية، تتناول:

  • تحولات الدولة العربية
  • علاقة الدين بالسياسة
  • إعادة طرح الأسئلة الفلسفية في سياق عربي معاصر

كأن هذه الإصدارات تكتب في منطقة تماس بين الفلسفة والواقع، حيث لا يعود الفكر ترفًا بل ضرورة لفهم الانهيارات الجارية.

على مستوى دور النشر، تكشف دار الساقي عن عناوين جديدة تنتمي إلى الفكر والسياسة وعلم النفس، من بينها:

  • “الحداثة والنقد الثقافي” لعبد الإله بلقزيز
  • “حل جيد لمزاج سيئ” لأوليفيا ريميس
  • “لماذا أنا متعب؟” لكارينا أنترام
  • “قرن من الاشتراكية” لحازم صاغية

هذه الإصدارات تعكس توجهاً واضحاً نحو مساءلة الإنسان العربي المعاصر، بين أزماته النفسية وتحولاته السياسية.

أما دار الآداب، فقد واصلت رهانها على الرواية بوصفها مرآة للزمن العربي، مقدّمة عناوين جديدة مثل:

  • “مشقة العادي” لساري موسى
  • “الريح تعرف اسمي” لإيزابيل ألليندي
  • “خلوة النقص” لعالية ممدوح
  • “غزة الناجية الوحيدة” لغادة الخوري
  • “حائكات الأزل” لبسمة الخطيب
  • “غريب الديار” لواسيني الأعرج
  • “أغنية التمر والتين” لعبد الله الحواس
  • “أيتها القبرة” للحبيب السالمي

إنها روايات تنسج الألم الفردي داخل النسيج الجماعي، حيث تتحول المدن إلى شخصيات، والذاكرة إلى بطل خفي.

في المغرب، تواصل دار طوبقال حضورها النوعي عبر إصدارات فكرية وترجمات، ومن بين ما طُرح حديثاً:

  • “نجمة نائية” لمصطفى النيسابوري (ترجمة محمد بنيس)

وهو عمل يندرج ضمن مشروع ثقافي يسعى إلى إعادة وصل القارئ المغربي بأسئلة الحداثة والهوية.

أما دار التوحيدي، فقد واصلت تقديم عناوين تمزج بين الفكر والسرد، مع إعادة نشر نصوص كلاسيكية في طبعات جديدة، في محاولة لخلق توازن بين الذاكرة والترجمة، بين التراث وأسئلة الحاضر

ما يمكن استخلاصه من هذه الحصيلة الأسبوعية ليس فقط تعدد العناوين، بل تحوّل طبيعة الكتابة العربية نفسها. فالرواية لم تعد مجرد حكاية، بل مختبر للهوية، والدراسة الفكرية لم تعد تنظيراً مجرداً، بل محاولة لفهم الانهيار وإعادة البناء.

هناك خيط خفي يجمع بين كل هذه الكتب: شعور جماعي بأن العالم يتغير بسرعة أكبر من قدرة اللغة على اللحاق به. لذلك تندفع الكتابة نحو التجريب، نحو كسر الحدود بين الأجناس، نحو إعادة تعريف معنى أن نكتب اليوم.

إنها كتب تُكتب تحت ضغط اللحظة، لكنها في العمق تحاول أن تنجو من اللحظة، أن تترك أثراً أبعد من الأسبوع الذي وُلدت فيه. وربما لهذا السبب، تبدو هذه العناوين، رغم حداثتها، وكأنها رسائل مؤجلة من مستقبل لم يُكتب بعد.


0 التعليقات: