يُعَدُّ الرِّوَائِيُّ الإِيرْلَنْدِيُّ Bram Stoker (1847–1912) أَحَدَ أَبْرَزِ أَعْلَامِ الأَدَبِ الْقُوطِيِّ فِي أَوَاخِرِ الْعَصْرِ الْفِيكْتُورِيِّ، وَصَاحِبَ الأَثَرِ السَّرْدِيِّ الْخَالِدِ Dracula الَّذِي أَعَادَ تَشْكِيلَ مُخَيِّلَةِ الرُّعْبِ الْعَالَمِيَّةِ. وُلِدَ فِي ضَاحِيَةِ كْلُونْتَارْفْ بِمَدِينَةِ دُوبْلِنْ بِإِيرْلَنْدَا فِي الثَّامِنِ مِنْ نُونَبِرْ 1847، وَنَشَأَ فِي أُسْرَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ، كَانَ وَالِدُهُ فِيهَا مُوَظَّفًا حُكُومِيًّا، فِي حِينِ امْتَلَكَتْ وَالِدَتُهُ حِسًّا حِكَائِيًّا شَعْبِيًّا سَيُؤَثِّرُ فِيمَا بَعْدُ فِي تَشَكُّلِ خَيَالِهِ الْأَدَبِيِّ .
لَقَدْ عَانَى سْتُوكَرْ فِي طُفُولَتِهِ
مِنْ مَرَضٍ غَامِضٍ جَعَلَهُ طَرِيحَ الفِرَاشِ حَتَّى سِنِّ السَّابِعَةِ، وَهُوَ
مَا مَنَحَ خَيَالَهُ فُسْحَةً مُبَكِّرَةً لِلتَّأَمُّلِ فِي الْعَوَالِمِ الْخَفِيَّةِ
وَالْقِصَصِ الْغَرَائِبِيَّةِ . غَيْرَ أَنَّهُ تَجَاوَزَ هَذَا الضَّعْفَ لِيُصْبِحَ
فِي شَبَابِهِ رِيَاضِيًّا مُتَفَوِّقًا فِي Trinity College Dublin، حَيْثُ دَرَسَ الرِّيَاضِيَّاتِ وَتَخَرَّجَ سَنَةَ 1867 .
وَبَيْنَ مَهَامِّهِ كَمُوَظَّفٍ
فِي الْخِدْمَةِ الْمَدَنِيَّةِ، وَنَاشِطٍ فِي النَّقْدِ الْمَسْرَحِيِّ، تَعَرَّفَ
سْتُوكَرْ عَلَى الْمُمَثِّلِ الشَّهِيرِ Henry Irving، لِيُصْبِحَ
فِيمَا بَعْدُ مُدِيرًا لِمَسْرَحِ Lyceum
Theatre بِلَنْدَنَ، وَهُوَ
مَا أَدْخَلَهُ إِلَى أَوْسَاطِ النُّخْبَةِ الثَّقَافِيَّةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ .
وَفِي هَذَا الْفَضَاءِ الْمُشْبَعِ بِالْمَسْرَحِ وَالْأَسْطُورَةِ، تَخَمَّرَتْ بُذُورُ
رِوَايَتِهِ الأَشْهَرِ.
صَدَرَتْ "دِرَاكُولَا"
سَنَةَ 1897، فَكَانَتْ نَقْلَةً نَوْعِيَّةً فِي أَدَبِ الرُّعْبِ، إِذْ لَمْ تَقْتَصِرْ
عَلَى بِنَاءِ شَخْصِيَّةِ مِصَّاصِ الدِّمَاءِ، بَلْ أَعَادَتْ تَشْكِيلَ مَفْهُومِ
"الآخَرِ" فِي الْمُخَيِّلَةِ الْغَرْبِيَّةِ، وَرَبَطَتْ بَيْنَ الْخَوْفِ
الْبِيُولُوجِيِّ وَالْهَوَاجِسِ الاِسْتِعْمَارِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ .
وَلَمْ يَكُنْ سْتُوكَرْ كَاتِبًا
لِرِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، بَلْ أَلَّفَ أَعْمَالًا أُخْرَى مِثْلَ The Jewel of Seven Stars وَThe Lair of the White Worm، غَيْرَ
أَنَّ اسْمَهُ ظَلَّ مُقْتَرِنًا بِدِرَاكُولَا، كَأَنَّهُ أَسِيرُ خَلْقِهِ الْخُيَالِيِّ .
تُوُفِّيَ بْرَامْ سْتُوكَرْ فِي
لَنْدَنَ سَنَةَ 1912، بَعْدَ أَنْ تَرَكَ إِرْثًا أَدَبِيًّا يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ
قِرَاءَةٍ، وَيُثْبِتُ أَنَّ الأَدَبَ الْعَظِيمَ لَا يَمُوتُ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى
ظِلٍّ طَوِيلٍ يُلَاحِقُ الْإِنْسَانَ فِي مَخَاوِفِهِ الْعَمِيقَةِ.
تُعَدُّ رِوَايَةُ Dracula لِلْكَاتِبِ الأَيْرِلَنْدِيِّ Bram Stoker، الصَّادِرَةُ سَنَةَ 1897، مِنْ أَكْثَرِ النُّصُوصِ السَّرْدِيَّةِ
الَّتِي تَجَاوَزَتْ حُدُودَ زَمَنِهَا، لِتُصْبِحَ مَخْزُونًا رَمْزِيًّا فِي الثَّقَافَةِ
الْعَالَمِيَّةِ، وَمَعْبَرًا خَفِيًّا بَيْنَ الْخِيَالِ الْقُوطِيِّ وَهَوَاجِسِ
الْحَدَاثَةِ الْأُورُوبِّيَّةِ. فَلَيْسَتْ "دِرَاكُولَا" مُجَرَّدَ حِكَايَةِ
رُعْبٍ، بَلْ هِيَ نَصٌّ مُتَعَدِّدُ الطَّبَقَاتِ، يَتَخَفَّى فِيهِ السِّيَاسِيُّ
وَالْأَنْثُرُوبُولُوجِيُّ وَالنَّفْسِيُّ تَحْتَ قِنَاعِ مِصَّاصِ الدِّمَاءِ.
تَنْطَلِقُ الرِّوَايَةُ مِنْ رِحْلَةِ
الْمُحَامِي الشَّابِّ "جُونَاثَان هَارْكَر" إِلَى قَلْعَةٍ مُنْعَزِلَةٍ
فِي تِرَانْسِلْفَانْيَا، حَيْثُ يَلْتَقِي بِالْكُونْتِ دِرَاكُولَا، لِيَكْتَشِفَ
تَدْرِيجِيًّا أَنَّهُ أَسِيرُ قُوَّةٍ غَامِضَةٍ تَتَغَذَّى عَلَى الدِّمَاءِ . وَتَتَشَكَّلُ
الْحِكَايَةُ مِنْ خِلَالِ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الرَّسَائِلِ وَالْمُذَكِّرَاتِ وَالتِّلِغْرَامَاتِ،
مِمَّا يُضْفِي عَلَيْهَا طَابِعًا وَثَائِقِيًّا يُحَاكِي رُوحَ الْعَصْرِ الْفِيكْتُورِيِّ .
هَذَا الشَّكْلُ السَّرْدِيُّ لَا
يَكُونُ مَجَرَّدَ حِيلَةٍ فَنِّيَّةٍ، بَلْ هُوَ تَجْسِيدٌ لِصِرَاعٍ عَمِيقٍ بَيْنَ
مَنْطِقِ الْعِلْمِ وَفَوْضَى الْخُرَافَةِ؛ فَالرِّوَايَةُ تُوَظِّفُ أَدَوَاتِ التَّوْثِيقِ
الْحَدِيثَةِ لِتَسْجِيلِ مَا يَتَجَاوَزُ الْعَقْلَ.
يَسْتَمِدُّ شَخْصُ دِرَاكُولَا جُذُورَهُ
مِنْ شَخْصِيَّاتٍ تَارِيخِيَّةٍ، أَبْرَزُهَا "فْلَاد المُخَوْزِق"، وَهُوَ
أَمِيرٌ رُومَانِيٌّ اشْتُهِرَ بِقَسْوَتِهِ . غَيْرَ أَنَّ سْتُوكَر لَا يَقْتَصِرُ
عَلَى الاسْتِلْهَامِ التَّارِيخِيِّ، بَلْ يُعِيدُ صِيَاغَتَهُ فِي قَالِبٍ رَمْزِيٍّ
يُجَسِّدُ "الآخَر" الْمُخِيفَ: الشَّرْقِيَّ، الْغَرِيبَ، وَالْمُهَدِّدَ
لِحُدُودِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ.
إِنَّهُ لَيْسَ مِصَّاصَ دِمَاءٍ
فَحَسْب، بَلْ اسْتِعَارَةٌ لِغَزْوٍ خَفِيٍّ، يَتَسَلَّلُ إِلَى قَلْبِ لَنْدَنَ لِيُفْسِدَ
نَقَاءَهَا الْمُتَخَيَّل.
تَكْشِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ هَوَاجِسِ
الْمُجْتَمَعِ الْفِيكْتُورِيِّ، خُصُوصًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِنْسِ وَالْهُوِيَّةِ
وَالْمَرَضِ. فَتَحَوُّلُ "لُوسِي" إِلَى مِصَّاصَةِ دِمَاءٍ لَا يُمْكِنُ
قِرَاءَتُهُ خَارِجَ سِيَاقِ الْخَوْفِ مِنَ الاِنْحِلَالِ الْأَخْلَاقِيِّ، وَكَذَلِكَ
الْهَلَعِ مِنَ الْعَدْوَى، خَاصَّةً فِي زَمَنٍ شَهِدَ انْتِشَارَ أَمْرَاضٍ غَامِضَةٍ.
وَبِهَذَا، تُصْبِحُ الدِّمَاءُ فِي
الرِّوَايَةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عُنْصُرٍ رُعْبِيٍّ، بَلْ رَمْزًا لِانْتِقَالِ الْقُوَّةِ
وَالْهُوِيَّةِ، وَحَتَّى الْعُدْوَى الثَّقَافِيَّةِ.
تَقُومُ الرِّوَايَةُ عَلَى صِرَاعٍ
كَلَاسِيكِيٍّ بَيْنَ قُوَى النُّورِ وَالظَّلَامِ، يُجَسِّدُهُ الْبُرُوفِيسُور
"فَان هِلْسِنْغ" وَرِفَاقُهُ فِي مُوَاجَهَةِ دِرَاكُولَا. وَهُوَ صِرَاعٌ
لَا يُحْسَمُ بِالْعِلْمِ وَحْدَهُ، بَلْ بِمَزِيجٍ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ
وَالإِرَادَةِ الْجَمَاعِيَّةِ .
وَهُنَا، يَكْمُنُ بُعْدٌ فِلْسَفِيٌّ:
فَالْإِنْسَانُ الْحَدِيثُ، عَلَى رَغْمِ تَقَدُّمِهِ، لَا يَزَالُ فِي حَاجَةٍ إِلَى
مَخْزُونِهِ الرُّوحِيِّ لِمُوَاجَهَةِ مَخَاوِفِهِ الْعَمِيقَةِ.
إِنَّ اسْتِخْدَامَ الرِّسَائِلِ
وَالْمُذَكِّرَاتِ لَا يَخْلُو مِنْ دَلَالَةٍ جَمَالِيَّةٍ؛ فَهُوَ يُقَطِّعُ السَّرْدَ
إِلَى أَصْوَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، تُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ تَوَتُّرٍ دَاخِلِيٍّ مُتَصَاعِدٍ.
وَهَذَا التَّشَظِّي يُحَاكِي تَشَظِّي الْوَعْيِ الْحَدِيثِ، الَّذِي لَمْ يَعُدْ
قَادِرًا عَلَى اسْتِيعَابِ الْعَالَمِ مِنْ خِلَالِ صَوْتٍ وَاحِدٍ.
لَمْ تَبْقَ "دِرَاكُولَا"
حَبِيسَةَ الْأَدَبِ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى أَيْقُونَةٍ ثَقَافِيَّةٍ أَثَّرَتْ فِي
السِّينِمَا وَالْمَسْرَحِ وَالْفُنُونِ الْبَصَرِيَّةِ، حَتَّى غَدَتْ أَصْلًا لِأَدَبِ
مَصَّاصِي الدِّمَاءِ كُلِّهِ .
إِنَّهَا رِوَايَةٌ تَكْتُبُ خَوْفَ
الْإِنْسَانِ مِنَ الآخَرِ، وَمِنْ نَفْسِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ وَفِي ذَلِكَ تَكْمُنُ
عَظَمَتُهَا: أَنَّهَا لَا تُخِيفُنَا فَقَط، بَلْ تَكْشِفُنَا.







0 التعليقات:
إرسال تعليق