أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ وَالْمُسْتَمِعَاتِ، أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، حَيْثُ نَسْتَضِيفُ الْيَوْمَ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ تَأْثِيرًا فِي التَّارِيخِ الْحَدِيثِ، رِوَايَةً لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ عَمَلٍ تَخَيُّلِيٍّ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى مِرْآةٍ لِلْعَالَمِ الْمُعَاصِرِ، وَإِلَى تَحْذِيرٍ مُبَكِّرٍ مِنْ أَخْطَارِ السُّلْطَةِ الْمُطْلَقَةِ. إِنَّهَا رِوَايَةُ «أَلْفٌ وَتِسْعُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ».
تَقْدِيمُ الرِّوَايَةِ وَكَاتِبِهَا
صَدَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ أَلْفٍ
وَتِسْعِمِائَةٍ وَتِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَكَانَتْ آخِرَ أَعْمَالِ الْكَاتِبِ
الْبِرِيطَانِيِّ جُورْج أُورْوِلْ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ.
وَاسْمُهُ الْحَقِيقِيُّ إِرِيكْ آرْثُرْ بْلَيْرْ. اشْتُهِرَ بِدِفَاعِهِ عَنِ الْحُرِّيَّةِ
وَبِنَقْدِهِ اللَّاذِعِ لِأَنْظِمَةِ الْقَمْعِ وَالِاسْتِبْدَادِ.
فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَبْنِي أُورْوِلْ
عَالَمًا مُرْعِبًا تُهَيْمِنُ عَلَيْهِ دَوْلَةٌ شُمُولِيَّةٌ تَرَاقِبُ
الْأَفْرَادَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، وَتُعِيدُ كِتَابَةَ التَّارِيخِ، وَتُحَاوِلُ
السَّيْطَرَةَ حَتَّى عَلَى الْأَفْكَارِ وَالْمَشَاعِرِ.
مُلَخَّصٌ سَرْدِيٌّ جَذَّابٌ
تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ حَوْلَ شَخْصِيَّةِ
وِينْسْتُونْ سْمِيثْ، وَهُوَ مُوَظَّفٌ يَعْمَلُ فِي وِزَارَةٍ
مُخَصَّصَةٍ لِتَزْوِيرِ التَّارِيخِ وَتَعْدِيلِ الْوَثَائِقِ بِمَا يَخْدِمُ
الْحِزْبَ الْحَاكِمَ.
يَعِيشُ وَيِنْسْتُونْ فِي مُجْتَمَعٍ يَخْضَعُ
لِرِقَابَةٍ دَائِمَةٍ مِنْ شَخْصِيَّةٍ غَامِضَةٍ تُدْعَى «الأَخُ الْأَكْبَرُ»،
وَهُوَ الزَّعِيمُ الَّذِي تَنْتَشِرُ صُوَرُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مَعَ الشِّعَارِ
الشَّهِيرِ: «الأَخُ الْأَكْبَرُ يُرَاقِبُكَ».
يَبْدَأُ وَيِنْسْتُونْ فِي التَّشْكِيكِ فِي
الْحَقِيقَةِ الرَّسْمِيَّةِ، وَيَقَعُ فِي الْحُبِّ مَعَ فَتَاةٍ تُدْعَى
جُولِيَا، وَيُحَاوِلُ التَّمَرُّدَ عَلَى النِّظَامِ. وَلَكِنَّ الطَّرِيقَ
الَّذِي يَخْتَارُهُ لِلْحُرِّيَّةِ يَقُودُهُ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَكْثَرِ
النِّهَايَاتِ إِيلَامًا وَصَدْمَةً فِي تَارِيخِ الرِّوَايَةِ الْعَالَمِيَّةِ.
الْخَلْفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ
وَالْفِكْرِيَّةُ
كُتِبَتِ الرِّوَايَةُ بَعْدَ الْحَرْبِ
الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَفِي ظِلِّ صُعُودِ الْأَنْظِمَةِ الشُّمُولِيَّةِ
فِي أُورُوبَّا. وَكَانَ أُورْوِلْ قَدْ شَهِدَ بِنَفْسِهِ أَشْكَالًا
مُخْتَلِفَةً مِنَ الدِّعَايَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَتَزْوِيرِ الْحَقَائِقِ.
لَمْ يَكُنْ هَدَفُهُ مُهَاجَمَةَ نِظَامٍ
بِعَيْنِهِ، بَلْ التَّحْذِيرُ مِنْ كُلِّ سُلْطَةٍ تُحَاوِلُ احْتِكَارَ
الْحَقِيقَةِ وَمُصَادَرَةَ حُرِّيَّةِ الْإِنْسَانِ.
كَذَلِكَ قَدَّمَ مَفْهُومًا مُثِيرًا لِلْفِكْرِ
هُوَ «اللُّغَةُ الْجَدِيدَةُ»، وَهِيَ لُغَةٌ مُصَمَّمَةٌ لِتَقْلِيصِ
الْمُفْرَدَاتِ حَتَّى يُصْبِحَ التَّفْكِيرُ النَّاقِدُ مُسْتَحِيلًا. وَهِيَ
فِكْرَةٌ مَا زَالَتْ تُثِيرُ النِّقَاشَ حَوْلَ عِلَاقَةِ اللُّغَةِ بِالْفِكْرِ
وَالسُّلْطَةِ.
لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ رِوَايَةً
خَالِدَةً؟
لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ حَبِيسَةَ زَمَنِهَا.
فَكُلَّمَا تَطَوَّرَتْ وَسَائِلُ الْمُرَاقَبَةِ الرَّقْمِيَّةِ وَازْدَادَ
نُفُوذُ الشَّبَكَاتِ وَالْخَوَارِزْمِيَّاتِ، عَادَ الْقُرَّاءُ إِلَى هَذِهِ
الرِّوَايَةِ لِيَكْتَشِفُوا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ تَحْذِيرَاتِهَا لَمْ تَعُدْ
خَيَالًا خَالِصًا.
كَمَا أَنَّهَا تَطْرَحُ أَسْئِلَةً إِنْسَانِيَّةً
عَمِيقَةً: مَا الْحَقِيقَةُ؟ مَا الْحُرِّيَّةُ؟ هَلْ يُمْكِنُ لِلسُّلْطَةِ أَنْ
تُغَيِّرَ ذَاكِرَةَ الْإِنْسَانِ؟ وَهَلْ يَبْقَى الْحُبُّ شَكْلًا مِنْ
أَشْكَالِ الْمُقَاوَمَةِ؟
أَثَرُهَا فِي الْأَدَبِ
وَالسِّينِمَا وَالْفَلْسَفَةِ
أَثَّرَتْ «أَلْفٌ وَتِسْعُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ
وَثَمَانُونَ» فِي أَجْيَالٍ كَامِلَةٍ مِنَ الْكُتَّابِ وَالْمُفَكِّرِينَ.
وَظَهَرَتْ بَصْمَتُهَا فِي عَشَرَاتِ الرِّوَايَاتِ وَالْأَفْلَامِ
وَالْمُسَلْسَلَاتِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ الرَّقَابَةَ وَالِاسْتِبْدَادَ.
وَقَدْ تُرْجِمَتْ إِلَى عَشَرَاتِ اللُّغَاتِ،
وَاقْتُبِسَتْ سِينَمَائِيًّا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. أَمَّا فِي الْفَلْسَفَةِ
وَالْعُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ فَقَدْ أَصْبَحَتْ مَرْجِعًا أَسَاسِيًّا لِفَهْمِ
آَلِيَّاتِ السَّيْطَرَةِ عَلَى الْوَعْيِ الْجَمْعِيِّ.
اقْتِبَاسٌ شَهِيرٌ
مِنْ أَشْهَرِ الْعِبَارَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي
الرِّوَايَةِ:
«مَنْ يُسَيْطِرُ عَلَى الْمَاضِي يُسَيْطِرُ عَلَى
الْمُسْتَقْبَلِ، وَمَنْ يُسَيْطِرُ عَلَى الْحَاضِرِ يُسَيْطِرُ عَلَى الْمَاضِي».
وَهِيَ عِبَارَةٌ تُلَخِّصُ فِلْسَفَةَ
الرِّوَايَةِ بِأَكْمَلِهَا.
رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ
كُلَّمَا عُدْتُ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ
شَعَرْتُ أَنَّنِي لَا أَقْرَأُ نَصًّا عَنْ مُسْتَقْبَلٍ بَعِيدٍ، بَلْ أَقْرَأُ
تَأَمُّلًا مُرْعِبًا فِي حَاضِرِنَا. إِنَّهَا رِوَايَةٌ تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ
الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ مَكْسَبًا نِهَائِيًّا، بَلْ مَسْؤُولِيَّةٌ دَائِمَةٌ.
وَكَمَا أَنَّ الْكِتَابَةَ قَادِرَةٌ عَلَى فَضْحِ
الْقَمْعِ، فَهِيَ أَيْضًا قَادِرَةٌ عَلَى حِفْظِ الذَّاكِرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ
مِنَ النِّسْيَانِ وَالتَّزْيِيفِ.
خَاتِمَةٌ وَتَشْوِيقٌ
لِلْحَلَقَةِ الْمُقْبِلَةِ
هَكَذَا نَصِلُ إِلَى نِهَايَةِ رِحْلَتِنَا مَعَ
رِوَايَةِ «أَلْفٍ وَتِسْعِمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ»، الرِّوَايَةِ
الَّتِي حَوَّلَتِ الْخَوْفَ مِنَ الِاسْتِبْدَادِ إِلَى أَدَبٍ خَالِدٍ.
فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ سَنَنْتَقِلُ إِلَى
عَالَمٍ أَدَبِيٍّ آخَرَ لَا يَقِلُّ إِثَارَةً وَغُمُوضًا، حَيْثُ سَنَكْتَشِفُ
مَعًا أَسْرَارَ رِوَايَةٍ غَيَّرَتْ مَفْهُومَ الْإِنْسَانِ عَنِ الْهُوِيَّةِ
وَالْوَاقِعِ وَالْحُلْمِ.
إِلَى أَنْ نَلْتَقِيَ، تَقَبَّلُوا تَحِيَّاتِي،
أَنَا عَبْدُهُ حَقِّي، وَدُمْتُمْ أَوْفِيَاءَ لِلْكِتَابِ وَالْقِرَاءَةِ
وَالْخَيَالِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق