أَعِزَّاءَنَا مُسْتَمِعِي البُودْكَاسْتِ الأَدَبِيِّ، نَصْحَبُكُمْ فِي هَذِهِ الحَلْقَةِ إِلَى عَالَمِ رِوَايَةٍ تُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْجَبَهُ الأَدَبُ الحَدَاثِيُّ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ، وَهِيَ رِوَايَةُ «السَّيِّدَةُ دالُواي» لِلرَّوَائِيَّةِ البِرِيطَانِيَّةِ فِيرْجِينِيَا وُولْف، الَّتِي صَدَرَتْ سَنَةَ 1925، وَأَصْبَحَتْ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ مَعْلَمًا أَسَاسِيًّا فِي تَارِيخِ الرِّوَايَةِ العَالَمِيَّةِ. تَرْوِي الرِّوَايَةُ يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ حَيَاةِ كْلَارِيسَا دالُواي، السَّيِّدَةِ الأَرِسْتُقْرَاطِيَّةِ الَّتِي تَسْتَعِدُّ لِإِقَامَةِ حَفْلَةٍ مَسَائِيَّةٍ فِي لَنْدَنَ بَعْدَ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الأُولَى، غَيْرَ أَنَّ هَذَا اليَوْمَ البَسِيطَ يَتَحَوَّلُ إِلَى رِحْلَةٍ عَمِيقَةٍ فِي الذَّاكِرَةِ وَالوَعْيِ وَمَعْنَى الوُجُودِ.
وُلِدَتْ فِيرْجِينِيَا وُولْف سَنَةَ 1882، وَتُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ أَعْلَامِ الحَدَاثَةِ الأَدَبِيَّةِ. تَمَيَّزَتْ أَعْمَالُهَا بِالسَّعْيِ إِلَى كَشْفِ الحَيَاةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِلإِنْسَانِ بَدَلًا مِنَ الاِكْتِفَاءِ بِوَصْفِ الأَحْدَاثِ الخَارِجِيَّةِ. وَفِي «السَّيِّدَةُ دالُواي» بَلَغَتْ هَذِهِ التِّقْنِيَةُ ذُرْوَتَهَا مِنْ خِلَالِ مَا يُعْرَفُ بِتَيَّارِ الوَعْيِ، حَيْثُ يَنْتَقِلُ السَّرْدُ بَيْنَ أَفْكَارِ الشَّخْصِيَّاتِ وَذِكْرَيَاتِهَا وَهَوَاجِسِهَا بِانْسِيَابٍ شِعْرِيٍّ فَرِيدٍ.
تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ بِجُمْلَةٍ أَصْبَحَتْ مِنْ أَشْهَرِ الاِفْتِتَاحِيَّاتِ فِي الأَدَبِ العَالَمِيِّ: «قَالَتِ السَّيِّدَةُ دالُواي إِنَّهَا سَتَشْتَرِي الزُّهُورَ بِنَفْسِهَا». وَمِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ البَسِيطَةِ تَخْرُجُ كْلَارِيسَا إِلَى شَوَارِعِ لَنْدَنَ، وَبَيْنَمَا تَتَحَرَّكُ فِي المَدِينَةِ تَنْفَتِحُ أَبْوَابُ الذَّاكِرَةِ عَلَى حُبُوبٍ قَدِيمَةٍ وَاخْتِيَارَاتٍ مَصِيرِيَّةٍ وَأَحْلَامٍ لَمْ تَكْتَمِلْ. فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ نُوَاكِبُ شَخْصِيَّةَ سِبْتِيمُوس وَارِن سْمِيث، الجُنْدِيَّ السَّابِقَ الَّذِي يَعَانِي صَدْمَاتِ الحَرْبِ وَاضْطِرَابَاتٍ نَفْسِيَّةً حَادَّةً. وَبِطَرِيقَةٍ غَايَةٍ فِي البَرَاعَةِ تَرْبِطُ وُولْف بَيْنَ عَالَمِ كْلَارِيسَا المُرَفَّهِ وَعَالَمِ سِبْتِيمُوس المُعَذَّبِ، لِتَكْشِفَ أَنَّ الفَرَحَ وَالأَلَمَ، وَالحَيَاةَ وَالمَوْتَ، وَالعُزْلَةَ وَالرَّغْبَةَ فِي التَّوَاصُلِ، تَتَجَاوَرُ جَمِيعُهَا فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ.
تَنْتَمِي الرِّوَايَةُ إِلَى مَرْحَلَةٍ تَارِيخِيَّةٍ حَاسِمَةٍ جَاءَتْ بَعْدَ نِهَايَةِ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الأُولَى. كَانَ المُجْتَمَعُ البِرِيطَانِيُّ يَعِيشُ وَقْعَ التَّغَيُّرَاتِ الكُبْرَى، وَكَانَ الإِنْسَانُ الأُورُوبِّيُّ يَحْمِلُ أَسْئِلَةً مُؤْلِمَةً حَوْلَ الجُرْحِ الَّذِي خَلَّفَتْهُ الحَرْبُ. لِهَذَا لَا تَتَحَدَّثُ الرِّوَايَةُ عَنْ المَعَارِكِ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ، بَلْ عَنْ آثَارِهَا النَّفْسِيَّةِ وَالاِجْتِمَاعِيَّةِ. كَمَا أَنَّهَا تُجَسِّدُ رُوحَ الحَدَاثَةِ الَّتِي سَعَتْ إِلَى كَسْرِ الأَشْكَالِ السَّرْدِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَالِاهْتِمَامِ بِالعَالَمِ الدَّاخِلِيِّ لِلشَّخْصِيَّاتِ.
وَلَعَلَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَطْرَحُهُ كَثِيرٌ مِنَ القُرَّاءِ هُوَ: لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ خَالِدَةً؟ الجَوَابُ يَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى تَحْوِيلِ يَوْمٍ عَادِيٍّ إِلَى مَرْآةٍ كُبْرَى لِلْوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ. فَلَيْسَتِ الأَهَمِّيَّةُ فِي مَا يَحْدُثُ، بَلْ فِي كَيْفِيَّةِ شُعُورِ الشَّخْصِيَّاتِ بِمَا يَحْدُثُ. وَهُنَا تَكْمُنُ عَبْقَرِيَّةُ وُولْف؛ فَهِيَ تَجْعَلُ الذَّاكِرَةَ شَخْصِيَّةً فَاعِلَةً، وَتَجْعَلُ الزَّمَنَ سَائِلًا يَتَدَفَّقُ بَيْنَ المَاضِي وَالحَاضِرِ، وَتُحَوِّلُ الأَفْكَارَ وَالأَحَاسِيسَ إِلَى حَدَثٍ رِوَائِيٍّ مُكْتَمِلٍ. وَلِذَلِكَ ظَلَّتِ الرِّوَايَةُ مَوْضُوعًا لِلدِّرَاسَةِ وَالإِعْجَابِ بَعْدَ مِئَةِ عَامٍ مِنْ صُدُورِهَا.
أَمَّا أَثَرُهَا فِي الأَدَبِ وَالسِّينِمَا وَالفَلْسَفَةِ فَقَدْ كَانَ عَمِيقًا. فَقَدْ أَثَّرَتْ فِي أَجْيَالٍ مِنَ الرِّوَائِيِّينَ الَّذِينَ اهْتَمُّوا بِاسْتِكْشَافِ الوَعْيِ الإِنْسَانِيِّ. وَأَلْهَمَتْ أَعْمَالًا أَدَبِيَّةً وَسِينِمَائِيَّةً عَدِيدَةً، أَشْهَرُهَا رِوَايَةُ وَفِيلْمُ «السَّاعَاتُ»، الَّذَانِ أَعَادَا قِرَاءَةَ عَالَمِ فِيرْجِينِيَا وُولْف وَشَخْصِيَّاتِهَا. كَمَا أَنَّ الرِّوَايَةَ طَرَحَتْ قَضَايَا فَلْسَفِيَّةً مِثْلَ الهُوِيَّةِ وَالزَّمَنِ وَالحُرِّيَّةِ وَالعُزْلَةِ وَمَعْنَى الحَيَاةِ أَمَامَ حَتْمِيَّةِ المَوْتِ.
وَمِنْ أَشْهَرِ الاِقْتِبَاسَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الرِّوَايَةِ: «يَا لَهَا مِنْ خَسَارَةٍ كَبِيرَةٍ أَلَّا يَقُولَ الإِنْسَانُ مَا يَشْعُرُ بِهِ». وَهُوَ قَوْلٌ يُلَخِّصُ بِدِقَّةٍ هَاجِسَ التَّوَاصُلِ الإِنْسَانِيِّ الَّذِي يَسْرِي فِي جَمِيعِ صَفَحَاتِ الرِّوَايَةِ.
أَمَّا رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ، فَإِنَّ «السَّيِّدَةُ دالُواي» لَيْسَتْ رِوَايَةً تُقْرَأُ لِمَعْرِفَةِ مَا سَيَحْدُثُ، بَلْ لِمَعْرِفَةِ مَا يَحْدُثُ فِي دَاخِلِنَا نَحْنُ القُرَّاءَ. كُلَّمَا أَعَدْتُ التَّفْكِيرَ فِي هَذَا العَمَلِ ازْدَدْتُ اقْتِنَاعًا بِأَنَّ الأَدَبَ العَظِيمَ لَا يَصِفُ العَالَمَ فَقَطْ، بَلْ يُعِيدُ خَلْقَهُ فِي أَعْمَاقِنَا. وَقَدْ نَجَحَتْ فِيرْجِينِيَا وُولْف فِي أَنْ تَجْعَلَ مِنْ نُزْهَةٍ صَبَاحِيَّةٍ وَحَفْلَةٍ مَسَائِيَّةٍ مَلْحَمَةً دَاخِلِيَّةً عَنْ الحُبِّ وَالوَحْدَةِ وَالذَّاكِرَةِ وَالمَصِيرِ.
وَهُنَا نَصِلُ إِلَى خِتَامِ حَلْقَتِنَا. فِي الحَلْقَةِ المُقْبِلَةِ سَنَرْحَلُ مَعًا إِلَى عَالَمِ رِوَايَةٍ أُخْرَى غَيَّرَتْ وَجْهَ السَّرْدِ العَالَمِيِّ، وَسَنَكْتَشِفُ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ الأَدَبُ أَنْ يَحْفَظَ ذَاكِرَةَ الإِنْسَانِ وَهُوَ يُوَاجِهُ تَقَلُّبَاتِ الزَّمَنِ. فَإِلَى لِقَاءٍ جَدِيدٍ مَعَ كِتَابٍ خَالِدٍ وَحِكَايَةٍ لَا تَنْتَهِي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق