الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، يونيو 03، 2026

أصوات الضحايا تسبق بيانات الحكومات: إعداد عبده حقي


 في كل عام تصدر المنظمات الحقوقية الدولية تقاريرها الدورية حول أوضاع الحريات العامة وحقوق الإنسان في العالم، غير أن ما ميز الأسبوع الماضي هو تزايد التحذيرات الصادرة عن عدد من أبرز الهيئات الدولية، من بينها منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، وهيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) – المرصد الدولي لحقوق الإنسان، وبيت الحرية (Freedom House)، إضافة إلى منظمات أخرى مثل المدافعون في الخط الأمامي (Front Line Defenders) والخدمة الدولية لحقوق الإنسان (International Service for Human Rights) ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (Office of the High Commissioner for Human Rights). وقد رسمت هذه التقارير صورة مقلقة لتراجع الحريات الأساسية في عدة مناطق من العالم، خاصة في شمال إفريقيا وبعض الدول الإفريقية، مع استمرار الضغوط على الصحافيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان. 

في الجزائر، تصدرت قضية الصحافيين المعتقلين واجهة الاهتمام الحقوقي خلال الأسبوع الماضي. فقد دعت منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن عدد من الصحافيين الذين اعتبرتهم المنظمة معتقلين تعسفياً بسبب ممارستهم حقهم في حرية التعبير. ومن بين الأسماء التي وردت في بيان المنظمة الصحافي عبد الوكيل بلام والصحافي حسن بوراس والصحافي الفرنسي كريستوف غليز. وأكدت المنظمة أن السلطات الجزائرية تواصل توظيف القضاء وقوانين مكافحة الإرهاب لتجريم العمل الصحافي المستقل وإسكات الأصوات المنتقدة للسلطة. وتُعد هذه الحالات مثالاً واضحاً على ما تسميه المنظمات الحقوقية "تجريم الرأي" وتحويل الاختلاف السياسي أو الإعلامي إلى ملف أمني وقضائي. 

وتبرز في هذا السياق حالة الصحافي حسن بوراس الذي سبق أن تعرض للاعتقال بسبب تحقيقات وتقارير تتناول قضايا الفساد المحلي، كما عرفت الجزائر خلال السنوات الأخيرة إغلاق عدد من المنابر الإعلامية المستقلة، وهو ما جعل حرية الصحافة إحدى أكثر القضايا إثارة للقلق في تقارير المنظمات الدولية. وتعتبر الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (Arab Network for Human Rights Information) والمنظمة العربية لحقوق الإنسان (Arab Organization for Human Rights) أن تقييد الإعلام المستقل يمثل مؤشراً مباشراً على تراجع المجال العام وتقلص مساحة النقاش الديمقراطي.

أما في تونس، فقد تركزت اهتمامات هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية على ما وصفته المنظمتان بتصاعد الضغوط على المجتمع المدني. فقد أثار قرار تعليق أنشطة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي إحدى أقدم المنظمات الحقوقية في العالم العربي والحائزة ضمن الرباعي الراعي للحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام سنة 2015، موجة واسعة من الانتقادات الدولية. واعتبرت المنظمات الحقوقية أن القرار يندرج ضمن سياسة أوسع لتقليص دور الجمعيات المستقلة وإضعاف الرقابة المدنية على السلطة. 

وفي مثال آخر على التضييق على المجتمع المدني، تابعت المحاكم التونسية خلال الأسبوع الماضي قضية خمسة موظفين من المجلس التونسي للاجئين كانوا يقدمون المساعدة لطالبي اللجوء والمهاجرين. وقد اعتبرت هيومن رايتس ووتش أن هذه المتابعات القضائية تعكس اتجاهاً متزايداً نحو تجريم العمل الإنساني نفسه، بحيث يصبح تقديم المساعدة للاجئين أو الدفاع عن حقوقهم سبباً للملاحقة القضائية. 

وتشير التقارير الحقوقية كذلك إلى استمرار الانتهاكات ضد المهاجرين وطالبي اللجوء في تونس. فقد وثقت منظمات دولية عمليات طرد جماعي نحو الحدود الجزائرية والليبية، إضافة إلى اعتقالات تعسفية وسوء معاملة وحالات عنف جنسي ضد مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء. كما تحدثت التقارير عن وجود أطفال غير مصحوبين بذويهم ضمن ضحايا هذه العمليات، وهو ما أثار قلق منظمة الأمم المتحدة للطفولة – اليونيسف (UNICEF) والدفاع عن الأطفال دولياً (Defence for Children International)

وفي تقييمها السنوي، صنفت بيت الحرية (Freedom House) تونس ضمن فئة "حرة جزئياً" بعد استمرار تراجع مؤشرات الحقوق السياسية والحريات المدنية، مشيرة إلى تنامي الاعتقالات السياسية والقيود المفروضة على الإعلام والقضاء المستقل. 

وعلى المستوى الدولي، أظهر التقرير السنوي الأخير لـ منظمة العفو الدولية أن العالم يشهد موجة متصاعدة من التضييق على الحريات الأساسية، سواء في الأنظمة السلطوية أو حتى في بعض الديمقراطيات الغربية. وأشار التقرير إلى أن الحكومات أصبحت أكثر ميلاً إلى توسيع صلاحيات المراقبة الرقمية، وتقييد حرية الاحتجاج، وفرض قيود على المنظمات غير الحكومية. كما سجل التقرير تزايد استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين والنقابيين في عدد من القارات. 

وفي إفريقيا جنوب الصحراء، رصدت منظمات حقوقية استمرار الانتهاكات ضد المدافعين عن الحقوق المدنية. وتحدثت تقارير المدافعين في الخط الأمامي (Front Line Defenders) عن تعرض ناشطين للملاحقة والاعتقال في عدة دول بسبب نشاطهم الحقوقي. كما حذرت الخدمة الدولية لحقوق الإنسان (International Service for Human Rights) من تزايد استخدام القوانين الجنائية ضد المدافعين عن البيئة وحقوق السكان الأصليين.

أما هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) والصندوق العالمي للنساء (Global Fund for Women) والمساواة الآن (Equality Now) فقد واصلت التحذير من استمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومن ضعف الحماية القانونية للنساء في العديد من الدول، خاصة في مناطق النزاعات المسلحة، حيث تتعرض النساء والفتيات للاغتصاب والاستغلال والتهجير القسري.

وفي مناطق النزاع، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر (International Committee of the Red Cross) استمرار معاناة المدنيين بسبب الحروب الممتدة في السودان وغزة وأجزاء من إفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية. وتحدثت المنظمة عن أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة تشمل نقص الغذاء والدواء والمياه وغياب الحماية الأساسية للمدنيين.

كما أعرب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (United Nations Human Rights Council) عن قلقه من تزايد حالات الإفلات من العقاب، خصوصاً في القضايا المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين. وتواصل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان المطالبة بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الانتهاكات التي ترتكبها الحكومات والجماعات المسلحة على حد سواء.

وتكشف حصيلة الأسبوع الماضي أن الانتهاكات لم تعد مقتصرة على الاعتقال السياسي أو الرقابة الإعلامية فقط، بل امتدت إلى تجريم العمل الإنساني، واستهداف منظمات المجتمع المدني، والتضييق على المدافعين عن الحقوق الأساسية، والاعتداء على حقوق المهاجرين واللاجئين والأطفال والنساء. وبينما تؤكد الحكومات المعنية أن إجراءاتها تدخل في إطار حماية الأمن القومي أو تطبيق القانون، ترى المنظمات الحقوقية الدولية أن هذه المبررات أصبحت تُستخدم بشكل متزايد لتقييد الحريات العامة وإضعاف الرقابة المدنية المستقلة. وهكذا يبدو أن المعركة من أجل حرية التعبير واستقلال المجتمع المدني واحترام الكرامة الإنسانية ما تزال بعيدة عن نهايتها، وأن الأصوات المطالبة بالحقوق الأساسية تواجه اليوم تحديات أكبر من أي وقت مضى في عالم يزداد اضطراباً واستقطاباً. 


0 التعليقات: