الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يونيو 05، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع رواية «إلى المنارة» لِفِيرْجِينِيَا وُولْف: إعداد عبده حقي

 


يسرّني أن أقدّم لك نصًّا جاهزًا لبودكاست أدبي حول رواية «إلى المنارة» للكاتبة البريطانية فيرجينيا وولف.

إِلَى الْمَنَارَةِ: رِحْلَةٌ فِي أَعْمَاقِ الزَّمَنِ وَالذَّاكِرَةِ

أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ وَالْمُسْتَمِعَاتِ، أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِنَا الْأَدَبِيِّ، حَيْثُ نُبْحِرُ مَعًا فِي عَوَالِمِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي غَيَّرَتْ وَجْهَ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ. نَحُطُّ الرِّحَالَ الْيَوْمَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ رَوَائِعِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَهِيَ رِوَايَةُ «إِلَى الْمَنَارَةِ» الصَّادِرَةُ سَنَةَ 1927 لِلْكَاتِبَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ الْكَبِيرَةِ فِيرْجِينِيَا وُولْف.

وُلِدَتْ فِيرْجِينِيَا وُولْف سَنَةَ 1882، وَتُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ أَعْلَامِ الْحَدَاثَةِ الْأَدَبِيَّةِ فِي الْعَالَمِ. لَمْ تَكُنْ رِوَائِيَّةً فَقَطْ، بَلْ كَانَتْ أَيْضًا مُفَكِّرَةً وَنَاقِدَةً وَاحِدَةً مِنَ الْأَصْوَاتِ الَّتِي أَعَادَتْ تَعْرِيفَ الْكِتَابَةِ السَّرْدِيَّةِ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ سَعَتْ فِي أَعْمَالِهَا إِلَى اسْتِكْشَافِ الْعَالَمِ الدَّاخِلِيِّ لِلْإِنْسَانِ، وَتَتَبُّعِ حَرَكَةِ الْوَعْيِ وَالذَّاكِرَةِ وَالزَّمَنِ.

تَدُورُ أَحْدَاثُ «إِلَى الْمَنَارَةِ» حَوْلَ عَائِلَةِ رَامْزِي الَّتِي تَقْضِي عُطْلَتَهَا فِي جَزِيرَةٍ اسْكُتْلَنْدِيَّةٍ هَادِئَةٍ. يَحْلُمُ الطِّفْلُ جَيْمْس بِزِيَارَةِ الْمَنَارَةِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي تَلُوحُ فِي الْأُفُقِ، لَكِنَّ وَالِدَهُ يُحَطِّمُ ذَلِكَ الْحُلْمَ حِينَ يُؤَكِّدُ أَنَّ سُوءَ الْأَحْوَالِ الْجَوِّيَّةِ سَيَمْنَعُ الرِّحْلَةَ. وَمِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْبَسِيطَةِ تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ فِي التَّشَعُّبِ وَالتَّعَمُّقِ، لَيْسَ فِي الْأَحْدَاثِ بَقَدْرِ مَا فِي الْمَشَاعِرِ وَالذِّكْرَيَاتِ وَالتَّأَمُّلَاتِ.

وَمَعَ تَقَدُّمِ الصَّفَحَاتِ نَكْتَشِفُ أَنَّ الْمَنَارَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ بِنَاءٍ حَجَرِيٍّ يَقِفُ فِي الْبَحْرِ، بَلْ رَمْزٌ لِلْأَحْلَامِ الْبَعِيدَةِ، وَلِلْمَعْنَى الَّذِي يَسْعَى الْإِنْسَانُ إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يُدْرِكَ أَنَّ الزَّمَنَ يُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ.

جَاءَتِ الرِّوَايَةُ فِي سِيَاقٍ تَارِيخِيٍّ وَفِكْرِيٍّ مُضْطَرِبٍ أَعْقَبَ الْحَرْبَ الْعَالَمِيَّةَ الْأُولَى. فَقَدْ كَانَ الْعَالَمُ الْأُورُوبِّيُّ يُعِيدُ النَّظَرَ فِي قِيَمِهِ وَمُسَلَّمَاتِهِ، وَكَانَ الْأُدَبَاءُ يَبْحَثُونَ عَنْ أَشْكَالٍ جَدِيدَةٍ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الْقَلَقِ الْإِنْسَانِيِّ وَالاغْتِرَابِ وَتَفَكُّكِ الْيَقِينَاتِ الْقَدِيمَةِ. وَهُنَا اخْتَارَتْ فِيرْجِينِيَا وُولْف أَنْ تَتَخَلَّى عَنِ السَّرْدِ التَّقْلِيدِيِّ، وَأَنْ تَسْتَبْدِلَهُ بِتَيَّارِ الْوَعْيِ، أَيْ بِتَدَفُّقِ الْأَفْكَارِ وَالذِّكْرَيَاتِ وَالانْطِبَاعَاتِ دَاخِلَ عُقُولِ الشَّخْصِيَّاتِ.

وَقَدِ اعْتُبِرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ خَالِدَةً لِأَسْبَابٍ عِدَّةٍ. أَوَّلُهَا أَنَّهَا نَقَلَتِ الرِّوَايَةَ مِنْ وَصْفِ الْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ إِلَى اسْتِكْشَافِ الْعَالَمِ الدَّاخِلِيِّ. وَثَانِيهَا أَنَّهَا قَدَّمَتْ مَعَالَجَةً فَنِّيَّةً فَذَّةً لِمَوْضُوعِ الزَّمَنِ، حَيْثُ تَمُرُّ سَنَوَاتٌ كَامِلَةٌ فِي بَعْضِ الصَّفَحَاتِ الْقَلِيلَةِ، بَيْنَمَا تَسْتَغْرِقُ لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ صَفَحَاتٍ عَدِيدَةً مِنَ التَّأَمُّلِ وَالْوَعْيِ. أَمَّا السَّبَبُ الثَّالِثُ فَهُوَ قُدْرَتُهَا عَلَى تَحْوِيلِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ الْعَادِيَّةِ إِلَى تَجْرِبَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ عَمِيقَةٍ.

وَقَدْ تَرَكَتِ الرِّوَايَةُ أَثَرًا كَبِيرًا فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، وَأَصْبَحَتْ مَرْجِعًا لِأَجْيَالٍ مِنَ الرِّوَائِيِّينَ الَّذِينَ سَعَوْا إِلَى تَجْدِيدِ أَشْكَالِ السَّرْدِ. كَمَا أَثَّرَتْ فِي الدِّرَاسَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذَّاكِرَةِ وَالذَّاتِ وَإِدْرَاكِ الزَّمَنِ، وَتَحَوَّلَتْ إِلَى أَعْمَالٍ دِرَامِيَّةٍ وَسِينَمَائِيَّةٍ عِدَّةٍ، أَشْهَرُهَا الْفِيلْمُ الَّذِي أُنْتِجَ سَنَةَ 2017.

وَمِنْ أَشْهَرِ اقْتِبَاسَاتِ الرِّوَايَةِ قَوْلُ السَّيِّدَةِ رَامْزِي: «نَعَمْ، طَبْعًا، إِذَا كَانَ الطَّقْسُ مُنَاسِبًا.» وَهِيَ جُمْلَةٌ تَبْدُو بَسِيطَةً، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ فِي أَعْمَاقِهَا أَمَلَ الْإِنْسَانِ الدَّائِمَ فِي تَحْقِيقِ أَحْلَامِهِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ عَوَائِقِ الْوَاقِعِ وَتَقَلُّبَاتِ الْحَيَاةِ.

أَمَّا أَنَا، فَكُلَّمَا عُدْتُ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ شَعَرْتُ أَنَّنِي لَا أَقْرَأُ قِصَّةً عَنْ عَائِلَةٍ تَعِيشُ قُرْبَ الْبَحْرِ، بَلْ أَقْرَأُ سِفْرًا أَدَبِيًّا عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي يَمْضِي دُونَ أَنْ نَلْحَظَهُ، وَعَنِ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ يُغَادِرُونَ حَيَاتَنَا وَيَبْقَوْنَ فِي ذَاكِرَتِنَا، وَعَنِ الْأَحْلَامِ الَّتِي نُطَارِدُهَا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً ثُمَّ نَكْتَشِفُ أَنَّ قِيمَتَهَا كَانَتْ فِي السَّعْيِ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ بُلُوغِهَا.

أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ، نَصِلُ إِلَى نِهَايَةِ حَلْقَتِنَا الْيَوْمَ، عَلَى أَمَلِ أَنْ نَلْتَقِيَ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ رَوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ رَوَائِعِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، رِوَايَةٍ سَتَأْخُذُنَا إِلَى عَالَمٍ آخَرَ مِنَ الْأَحْلَامِ وَالْأَسْئِلَةِ وَالْمَصَائِرِ الْإِنْسَانِيَّةِ. إِلَى ذَلِكَ الْمَوْعِدِ، تَقَبَّلُوا أَطْيَبَ التَّحِيَّاتِ.



0 التعليقات: