عندما صدر كتاب «ثقافة التقارب: حيث تتصادم الوسائط القديمة والجديدة» (Convergence Culture: Where Old and New Media Collide) سنة 2006، لم يكن الباحث الأمريكي Henry Jenkins يكتب مجرد دراسة أكاديمية عن الإعلام الرقمي، بل كان يرسم خريطة فكرية لعالم جديد بدأ يتشكل أمام أعيننا. عالم لم تعد فيه الصحيفة منفصلة عن التلفزيون، ولا التلفزيون منفصلاً عن الإنترنت، ولا الجمهور مجرد متلقٍ سلبي ينتظر ما تقدمه المؤسسات الإعلامية.
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه صدر قبل انفجار منصات التواصل الاجتماعي بصورتها الحالية. فقد سبق ظهور «تيك توك» و«إنستغرام» وهيمنة البث الرقمي، ومع ذلك استطاع جنكينز أن يستشرف التحولات العميقة التي ستغير علاقة الإنسان بالمعلومة والصورة والسرد. لقد رأى مبكراً أن المستقبل لن يكون للوسيط الواحد، بل لتدفق المحتوى بين وسائط متعددة، وأن الجمهور سيصبح شريكاً في إنتاج المعنى لا مجرد مستهلك له.
ينطلق الكتاب من ثلاثة مفاهيم محورية: التقارب الإعلامي، والثقافة التشاركية، والذكاء الجماعي. فالتقارب عند جنكينز لا يعني مجرد اندماج الأجهزة التكنولوجية، بل يشير إلى انتقال المحتوى عبر منصات متعددة وتفاعل الصناعات الإعلامية المختلفة مع جمهور يبحث عن التجربة الكاملة أينما وجدها.
من هنا تأتي إحدى أهم أطروحات الكتاب: نهاية عصر الجمهور الصامت. فالقارئ أو المشاهد أو المستمع لم يعد ذلك الفرد المنعزل الذي يتلقى الرسائل الإعلامية من الأعلى إلى الأسفل. لقد أصبح منتجاً ومعلقاً ومصححاً وناشراً. ويستشهد جنكينز بثقافات المعجبين حول الأعمال التلفزيونية والسينمائية الكبرى، حيث يشارك الجمهور في تفسير النصوص وإعادة إنتاجها وتوسيع عوالمها السردية.
غير أن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن فقط في وصفه لهذه التحولات، بل في قدرته على كشف التوتر القائم بين قوتين متعارضتين: المؤسسات الإعلامية الكبرى من جهة، والجماهير الرقمية من جهة أخرى. فالشركات تسعى إلى توسيع أسواقها وتعظيم أرباحها عبر توزيع المحتوى على منصات متعددة، بينما يسعى الجمهور إلى مزيد من الحرية والمشاركة وإعادة الاستخدام. أحياناً يتعاون الطرفان، وأحياناً يدخلان في صراع مفتوح حول الملكية الفكرية والسيطرة على السرد.
ومن منظور نقدي، يمكن القول إن جنكينز وقع أحياناً في قدر من التفاؤل تجاه الثقافة الرقمية. فقد بدا مقتنعاً بأن المشاركة الواسعة للجمهور ستقود بالضرورة إلى فضاء أكثر ديمقراطية. لكن التجربة اللاحقة أظهرت أن المنصات الرقمية نفسها يمكن أن تتحول إلى أدوات للاحتكار والتضليل والاستقطاب. لقد ظهر أن المشاركة ليست دائماً مرادفاً للحرية، وأن الذكاء الجماعي قد يتحول أحياناً إلى فوضى جماعية أو إلى آلية لإعادة إنتاج الشائعات والمعلومات المضللة.
كما أن الكتاب يركز أساساً على التجربة الأمريكية وعلى نماذج مستمدة من الثقافة الشعبية الغربية، مثل عالم «هاري بوتر» وسلسلة «الماتريكس» وبرامج تلفزيون الواقع. وهذا ما يجعل بعض استنتاجاته بحاجة إلى إعادة قراءة عند تطبيقها على البيئات الثقافية العربية، حيث تختلف البنى الإعلامية ومعدلات المشاركة الرقمية وشروط حرية التعبير.
ومع ذلك، فإن ما يثير الإعجاب في هذا العمل هو قدرته على تجاوز الطابع التقني البحت. فجنكينز لا يتحدث عن أجهزة أو برامج، بل عن تحولات ثقافية عميقة تمس مفهوم السلطة والمعرفة والهوية. إنه يرى أن التكنولوجيا ليست سوى واجهة لثورة أكبر تتعلق بطريقة إنتاج المعنى وتداوله داخل المجتمع. ولهذا السبب ظل الكتاب مرجعاً أساسياً في دراسات الإعلام الرقمي والثقافة التشاركية حتى اليوم.
وبالنسبة للقارئ العربي، تزداد أهمية هذا الكتاب في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية فضاءً رئيسياً للصحافة والأدب والنشر والتأثير السياسي. فالكثير من الظواهر التي نعيشها اليوم ـ من صعود المؤثرين إلى انتشار الصحافة المواطنية والرواية التفاعلية والبودكاست والسرد العابر للمنصات ـ تجد جذورها النظرية في الأفكار التي صاغها جنكينز قبل ما يقرب من عقدين.
لقد أدرك هنري جنكينز مبكراً أن المعركة الحقيقية في العصر الرقمي لن تكون حول التكنولوجيا ذاتها، بل حول من يملك حق رواية القصة، ومن يشارك في إنتاجها، ومن يتحكم في تداولها. لذلك يبقى كتاب «ثقافة التقارب» أكثر من مجرد دراسة إعلامية؛ إنه وثيقة فكرية تشرح ولادة الإنسان المتصل بالشبكات، ذلك الإنسان الذي لم يعد يكتفي بقراءة النص، بل صار يشارك في كتابته أيضاً.








0 التعليقات:
إرسال تعليق