الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، يونيو 22، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع رِوَايَةِ « المحاكمة لفرانز كافكا: إعداد عبده حقي


السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَعِزَّاءَنَا الْمُسْتَمِعِينَ. نَصْحَبُكُمْ الْيَوْمَ فِي رِحْلَةٍ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ إِثَارَةً لِلْأَسْئِلَةِ فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةُ «الْمُحَاكَمَة» لِلْكَاتِبِ التَّشِيكِيِّ الأَلْمَانِيِّ اللُّغَةِ فرانتس كافكا. وَهِيَ رِوَايَةٌ لَمْ تُنْشَرْ فِي حَيَاةِ مُؤَلِّفِهَا، بَلْ صَدَرَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ سَنَةَ 1925 بِفَضْلِ صَدِيقِهِ ماكس برود الَّذِي خَالَفَ وَصِيَّتَهُ بِإِحْرَاقِ مَخْطُوطَاتِهِ، فَأَنْقَذَ بِذَلِكَ إِحْدَى أَعْظَمِ تُحَفِ الْأَدَبِ الْحَدِيثِ.

تَقْدِيمُ الرِّوَايَةِ وَكَاتِبِهَا

وُلِدَ فرانتس كافكا فِي مَدِينَةِ براغ سَنَةَ 1883، وَعَاشَ حَيَاةً مَطْبُوعَةً بِالْقَلَقِ الْوُجُودِيِّ وَالشُّعُورِ بِالْعُزْلَةِ وَالصِّرَاعِ مَعَ السُّلْطَةِ الْأُسَرِيَّةِ وَالْمُؤَسَّسَاتِيَّةِ. وَقَدْ تَجَسَّدَتْ هَذِهِ التَّجَارِبُ فِي أَعْمَالِهِ، خُصُوصًا فِي «الْمُحَاكَمَة» وَ«الْقَلْعَةِ» وَ«الْمَسْخِ».

تَدُورُ رِوَايَةُ «الْمُحَاكَمَة» حَوْلَ رَجُلٍ عَادِيٍّ يُدْعَى يُوزِف ك. يَجِدُ نَفْسَهُ ذَاتَ صَبَاحٍ مُتَّهَمًا فِي قَضِيَّةٍ غَامِضَةٍ مِنْ دُونِ أَنْ يَعْرِفَ جُرْمَهُ أَوْ سَبَبَ اتِّهَامِهِ.

مُلَخَّصٌ سَرْدِيٌّ جَذَّابٌ

يَسْتَيْقِظُ يُوزِف ك. فِي يَوْمِ مِيلَادِهِ الثَّلَاثِينَ لِيَجِدَ رَجُلَيْنِ يَدْخُلَانِ غُرْفَتَهُ وَيُبَلِّغَانِهِ بِأَنَّهُ مُعْتَقَلٌ. لَكِنَّ هَذَا الِاعْتِقَالَ غَرِيبٌ؛ فَهُوَ لَا يُسْجَنُ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الذَّهَابِ إِلَى عَمَلِهِ، بَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَنْتَظِرَ إِجْرَاءَاتِ الْقَضِيَّةِ.

يَبْدَأُ الرَّجُلُ رِحْلَةً مُرْهِقَةً فِي مَتَاهَةِ الْمَحَاكِمِ وَالْمَكَاتِبِ وَالْمَوَظَّفِينَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَلَا يُفْصِحُونَ عَنْ شَيْءٍ. يَحْضُرُ جَلَسَاتٍ لَا يَفْهَمُ طَبِيعَتَهَا، وَيَتَنَقَّلُ بَيْنَ مُحَامِينَ وَوُسَطَاءَ وَشُهُودٍ غَامِضِينَ، وَكُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنَ الْحَقِيقَةِ ازْدَادَ غُمُوضُهَا.

وَمَعَ تَقَدُّمِ الْأَحْدَاثِ يَتَحَوَّلُ الِاتِّهَامُ مِنْ مَسْأَلَةٍ قَضَائِيَّةٍ إِلَى حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ وَوُجُودِيَّةٍ تَسْتَوْلِي عَلَى الرَّجُلِ كُلِّهِ. وَفِي النِّهَايَةِ يَأْتِي رَجُلَانِ لِيَأْخُذَاهُ إِلَى مَكَانٍ مَهْجُورٍ حَيْثُ يُقْتَلُ بِطَرِيقَةٍ بَارِدَةٍ وَعَبَثِيَّةٍ، وَهُوَ لَا يَزَالُ يَجْهَلُ جَرِيمَتَهُ.

الْخَلْفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ وَالْفِكْرِيَّةُ

كُتِبَتِ الرِّوَايَةُ فِي فَتْرَةٍ كَانَتْ أُورُوبَّا تَعِيشُ فِيهَا تَحَوُّلَاتٍ كُبْرَى فِي بِنْيَةِ الدَّوْلَةِ الْحَدِيثَةِ وَالْبِيرُوقْرَاطِيَّةِ. وَكَانَ الْإِنْسَانُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ أَصْبَحَ رَقْمًا فِي آلِيَّةٍ ضَخْمَةٍ تَتَجَاوَزُ فَهْمَهُ وَقُدْرَتَهُ عَلَى التَّأْثِيرِ فِيهَا.

تَعْكِسُ «الْمُحَاكَمَة» أَيْضًا أَزْمَةَ الْإِنْسَانِ الْحَدِيثِ أَمَامَ السُّلْطَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَتُجَسِّدُ مَشَاعِرَ الذَّنْبِ وَالْقَلَقِ وَالْعَجْزِ الَّتِي شَكَّلَتْ لَاحِقًا أَسَاسًا لِلْفِكْرِ الْوُجُودِيِّ.

وَقَدْ رَأَى كَثِيرٌ مِنَ النُّقَّادِ أَنَّ كَافْكَا تَنَبَّأَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنْظِمَةِ الْقَمْعِ الْحَدِيثَةِ وَبِالْبِيرُوقْرَاطِيَّاتِ الْعَمْيَاءِ الَّتِي سَتَتَضَخَّمُ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ.

لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ رِوَايَةً خَالِدَةً؟

اخْتَلَفَتْ «الْمُحَاكَمَة» عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَنَّهَا لَا تُقَدِّمُ أَجْوِبَةً، بَلْ تَزْرَعُ الْأَسْئِلَةَ فِي ذِهْنِ الْقَارِئِ. فَمَا هِيَ الْجَرِيمَةُ؟ وَمَنْ هِيَ الْجِهَةُ الَّتِي تُدِيرُ الْمَحْكَمَةَ؟ وَهَلِ الْإِنْسَانُ مُذْنِبٌ بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ؟

كَذَلِكَ تَمْتَازُ الرِّوَايَةُ بِقُدْرَتِهَا الْمُدْهِشَةِ عَلَى التَّجَدُّدِ. فَكُلُّ جِيلٍ يَقْرَؤُهَا يَجِدُ فِيهَا مَعْنًى جَدِيدًا يَتَّصِلُ بِهَمُومِهِ وَمَخَاوِفِهِ. وَمِنْ هُنَا وُلِدَ الْوَصْفُ الشَّهِيرُ «كَافْكَاوِيٌّ» الَّذِي يُسْتَعْمَلُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَوَاقِفِ الْعَبَثِيَّةِ وَالْمُرْبِكَةِ الَّتِي يَجِدُ فِيهَا الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ أَمَامَ سُلْطَةٍ غَامِضَةٍ.

أَثَرُهَا فِي الْأَدَبِ وَالسِّينَمَا وَالْفَلْسَفَةِ

تَرَكَتْ «الْمُحَاكَمَة» أَثَرًا هَائِلًا فِي أَدَبِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ. فَقَدْ أَثَّرَتْ فِي كُتَّابٍ كُثُرٍ مِنْهُمْ ألبير كامو وَجان بول سارتر وَخورخي لويس بورخيس.

أَمَّا فِي السِّينَمَا فَقَدْ حَوَّلَهَا الْمُخْرِجُ أورسون ويلز إِلَى فِيلْمٍ شَهِيرٍ سَنَةَ 1962، مُحَافِظًا عَلَى أَجْوَائِهَا الْخَانِقَةِ وَمَشَاهِدِهَا السُّرْرِيَالِيَّةِ.

وَفِي الْفَلْسَفَةِ أَصْبَحَتِ الرِّوَايَةُ نَصًّا مَرْجِعِيًّا فِي دِرَاسَاتِ الْعَبَثِ وَالْوُجُودِ وَعَلَاقَةِ الْإِنْسَانِ بِالسُّلْطَةِ وَالْقَانُونِ.

اقْتِبَاسٌ شَهِيرٌ

مِنْ أَشْهَرِ عِبَارَاتِ الرِّوَايَةِ:

«لا بُدَّ أَنَّ أَحَدًا قَدِ افْتَرَى عَلَى يُوزِف ك.، فَمِنْ دُونِ أَنْ يَرْتَكِبَ شَيْئًا سَيِّئًا جِدًّا، جَرَى اعْتِقَالُهُ ذَاتَ صَبَاحٍ

وَهِيَ جُمْلَةٌ افْتِتَاحِيَّةٌ أَصْبَحَتْ مِنْ أَشْهَرِ الِافْتِتَاحَاتِ فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ.

رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ

كُلَّمَا عُدْتُ إِلَى «الْمُحَاكَمَة» أَشْعُرُ أَنَّنِي أَقْرَأُ نَصًّا كُتِبَ الْيَوْمَ وَلَيْسَ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ. فَالْعَالَمُ الَّذِي صَوَّرَهُ كَافْكَا لَمْ يَخْتَفِ، بَلْ أَخَذَ أَشْكَالًا جَدِيدَةً فِي الْإِدَارَاتِ وَالْمُنَصَّاتِ الرَّقْمِيَّةِ وَالْأَنْظِمَةِ الْمُعَقَّدَةِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي حَيَاتِنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ نَرَاهَا مُبَاشَرَةً.

وَمَا يُدْهِشُنِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا لَا تَعْتَمِدُ عَلَى الْإِثَارَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ، بَلْ عَلَى صُنْعِ قَلَقٍ دَاخِلِيٍّ يَبْقَى مَعَ الْقَارِئِ طَوِيلًا بَعْدَ إِغْلَاقِ الصَّفَحَةِ الْأَخِيرَةِ.

وَهَكَذَا نَصِلُ إِلَى خِتَامِ حَلْقَتِنَا الْيَوْمَ. فِي اللِّقَاءِ الْمُقْبِلِ سَنَفْتَحُ مَعًا أَبْوَابَ عَالَمٍ رِوَائِيٍّ آخَرَ لَا يَقِلُّ غَرَابَةً وَعُمْقًا، وَسَنَكْتَشِفُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْخَيَالُ إِلَى مِرْآةٍ تَعْكِسُ أَسْئِلَةَ الْإِنْسَانِ الْكُبْرَى.

إِلَى أَنْ نَلْتَقِي، تَقَبَّلُوا تَحِيَّاتِي، أَنَا الْكَاتِبُ الْمَغْرِبِيُّ عَبْدُو حَقِّي.



0 التعليقات: