أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِنَا الْأَدَبِيِّ، حَيْثُ نَفْتَحُ الْيَوْمَ صَفَحَاتِ وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ فِي تَارِيخِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةُ «الْآمَالُ الْعَظِيمَةُ»، لِلرُّوَائِيِّ الْإِنْجِلِيزِيِّ تْشَارْلْزْ دِيكِنْزْ، الَّتِي نُشِرَتْ مُتَسَلْسِلَةً بَيْنَ عَامَيْ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ وَسِتِّينَ وَأَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ وَوَاحِدٍ وَسِتِّينَ، قَبْلَ أَنْ تَصْدُرَ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ. وَتُعَدُّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ أَرْقَى رِوَايَاتِ التَّكْوِينِ الْإِنْسَانِيِّ، لِأَنَّهَا تُتَابِعُ رِحْلَةَ فَتًى فَقِيرٍ نَحْوَ النُّضْجِ، وَتَكْشِفُ أَنَّ الثَّرْوَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَكْمُنُ فِي الْمَالِ، بَلْ فِي اكْتِسَابِ الْحِكْمَةِ وَالضَّمِيرِ.
يُعَدُّ تْشَارْلْزْ دِيكِنْزْ مِنْ
أَعْظَمِ رُوَّادِ الرِّوَايَةِ فِي الْعَصْرِ الْفِيكْتُورِيِّ، وَقَدْ سَخَّرَ
مُعْظَمَ أَعْمَالِهِ لِلدِّفَاعِ عَنِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُهَمَّشِينَ،
وَلِفَضْحِ الْفَوَارِقِ الطَّبَقِيَّةِ وَالْمَظَالِمِ الَّتِي صَاحَبَتِ
الثَّوْرَةَ الصِّنَاعِيَّةَ فِي بَرِيطَانِيَا. وَامْتَازَ أُسْلُوبُهُ
بِالْقُدْرَةِ الْفَائِقَةِ عَلَى رَسْمِ الشَّخْصِيَّاتِ، وَبِنَاءِ الْأَحْدَاثِ
الْمُشَوِّقَةِ، وَالْمَزْجِ بَيْنَ النَّقْدِ الِاجْتِمَاعِيِّ
وَالْإِنْسَانِيَّةِ الْعَمِيقَةِ.
وَتُعَدُّ «الْآمَالُ الْعَظِيمَةُ» آخِرَ رِوَايَاتِهِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ
مَكْتُوبَةٌ بِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى لِسَانِ بَطَلِهَا بِيبْ،
الَّذِي يَسْتَعِيدُ ذِكْرَيَاتِ طُفُولَتِهِ وَشَبَابِهِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ
رَجُلًا يُدْرِكُ مَعْنَى الْخَيْبَةِ وَالنُّضْجِ.
تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ فِي مَقْبَرَةٍ رِيفِيَّةٍ،
حَيْثُ يَقِفُ الطِّفْلُ الْيَتِيمُ بِيبْ أَمَامَ قَبْرَيْ وَالِدَيْهِ،
لِيُفَاجِئَهُ سَجِينٌ هَارِبٌ يَطْلُبُ مِنْهُ الطَّعَامَ وَمِبْرَدًا لِفَكِّ
قُيُودِهِ. وَيُسَاعِدُهُ الصَّبِيُّ بِدَافِعِ الْخَوْفِ وَالرَّحْمَةِ، مِنْ
غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ اللِّقَاءَ الْعَابِرَ سَيُغَيِّرُ مَسَارَ
حَيَاتِهِ إِلَى الْأَبَدِ.
يَنْشَأُ بِيبْ فِي بَيْتِ أُخْتِهِ الْقَاسِيَةِ،
وَإِلَى جَانِبِ زَوْجِهَا الْحَدَّادِ الطَّيِّبِ جُو غَارْجَرِي، قَبْلَ
أَنْ يُدْعَى إِلَى قَصْرِ الْآنِسَةِ هَافِيشَامْ، الْمَرْأَةِ الَّتِي
تَوَقَّفَ زَمَنُهَا يَوْمَ تَرَكَهَا خَطِيبُهَا قَبْلَ الزَّفَافِ، فَعَاشَتْ
بَقِيَّةَ عُمْرِهَا بَيْنَ سَاعَةٍ مُتَوَقِّفَةٍ وَثَوْبِ زِفَافٍ لَمْ
تَنْزِعْهُ قَطُّ.
هُنَاكَ يَلْتَقِي إِسْتِيلَا، الْفَتَاةَ
الْجَمِيلَةَ الَّتِي رُبِّيَتْ عَلَى احْتِقَارِ الرِّجَالِ وَتَحْطِيمِ
قُلُوبِهِمْ، فَيَقَعُ بِيبْ فِي حُبِّهَا، وَيُصْبِحُ هَمُّهُ الْأَكْبَرُ أَنْ
يَتَحَوَّلَ إِلَى رَجُلٍ نَبِيلٍ يَسْتَحِقُّهَا.
وَفَجْأَةً، تَأْتِيهِ ثَرْوَةٌ ضَخْمَةٌ مِنْ
مُحْسِنٍ مَجْهُولٍ، وَيُنْقَلُ إِلَى لَنْدَنَ لِيَعِيشَ حَيَاةَ الْأَثْرِيَاءِ،
فَيَظُنُّ أَنَّ الْآنِسَةَ هَافِيشَامْ هِيَ صَاحِبَةُ الْفَضْلِ، وَأَنَّهَا
تُعِدُّهُ لِلزَّوَاجِ مِنْ إِسْتِيلَا.
غَيْرَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ تَظْهَرُ صَادِمَةً؛
فَالْمُحْسِنُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ السَّجِينُ الْهَارِبُ الَّذِي أَحْسَنَ
إِلَيْهِ وَهُوَ طِفْلٌ. وَعِنْدَئِذٍ يَنْهَارُ الْوَهْمُ الَّذِي بَنَاهُ بِيبْ،
وَيُدْرِكُ أَنَّ الْكَرَامَةَ وَالْوَفَاءَ وَالْإِخْلَاصَ أَثْمَنُ مِنْ كُلِّ
ثَرَوَاتِ الْأَرْضِ.
وُلِدَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي زَمَنٍ شَهِدَ
تَحَوُّلَ بَرِيطَانِيَا إِلَى قُوَّةٍ صِنَاعِيَّةٍ عُظْمَى، لَكِنَّ ذَلِكَ
الِازْدِهَارَ لَمْ يَكُنْ يَعْنِي الْعَدَالَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ. فَقَدِ
اتَّسَعَتِ الْفَوَارِقُ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَانْتَشَرَ
اسْتِغْلَالُ الْأَطْفَالِ، وَتَفَاقَمَتْ مَشَاكِلُ السُّجُونِ وَالْعُقُوبَاتِ.
وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَطْرَحُ
دِيكِنْزْ أَسْئِلَةً عَمِيقَةً عَنْ مَعْنَى النَّجَاحِ، وَعَنْ الْهُوِيَّةِ
الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَعَنْ قُدْرَةِ الْمَالِ عَلَى تَغْيِيرِ الْإِنْسَانِ أَوْ
كَشْفِ حَقِيقَتِهِ.
ولِأَنَّهَا
لَيْسَتْ رِوَايَةً عَنِ الثَّرْوَةِ فَقَطْ، بَلْ عَنْ نُضْجِ الرُّوحِ. فَبِيبْ
لَا يَرْبَحُ الْحَيَاةَ يَوْمَ يَصِيرُ غَنِيًّا، بَلْ يَوْمَ يَعْرِفُ قِيمَةَ
الْإِنْسَانِ الْبَسِيطِ.
وَتَبْقَى شَخْصِيَّةُ جُو غَارْجَرِي مِنْ
أَجْمَلِ شَخْصِيَّاتِ الْأَدَبِ، لِأَنَّهَا تُجَسِّدُ النُّبْلَ الْخَالِصَ،
بَيْنَمَا تُمَثِّلُ الْآنِسَةُ هَافِيشَامْ الْإِنْسَانَ الَّذِي أَسَرَهُ
الْمَاضِي، وَتُمَثِّلُ إِسْتِيلَا الْجَمَالَ الَّذِي حُرِمَ مِنَ
الدِّفْءِ الْإِنْسَانِيِّ.
أَصْبَحَتْ «الْآمَالُ الْعَظِيمَةُ» مَرْجِعًا أَسَاسِيًّا فِي دِرَاسَاتِ رِوَايَةِ
التَّكْوِينِ، وَأَثَّرَتْ فِي أَجْيَالٍ مِنَ الرُّوَائِيِّينَ وَالنُّقَّادِ.
وَقَدْ نُقِلَتْ إِلَى السِّينِمَا وَالْمَسْرَحِ
وَالتِّلْفَازِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، وَيَبْقَى فِيلْمُ «الْآمَالُ الْعَظِيمَةُ» الَّذِي أَخْرَجَهُ دِيفِيدْ لِينْ عَامَ أَلْفٍ
وَتِسْعِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ مِنْ أَشْهَرِ الِاقْتِبَاسَاتِ
السِّينِمَائِيَّةِ.
أَمَّا فَلْسَفِيًّا، فَقَدْ طَرَحَتِ الرِّوَايَةُ
قَضَايَا الْهُوِيَّةِ وَالطَّمُوحِ وَالضَّمِيرِ، وَأَكَّدَتْ أَنَّ الْإِنْسَانَ
لَا يُقَاسُ بِمَكَانَتِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، بَلْ بِأَخْلَاقِهِ.
يَقُولُ تْشَارْلْزْ دِيكِنْزْ عَلَى لِسَانِ بِيبْ:
«أَحْبَبْتُهَا ضِدَّ الْعَقْلِ، وَضِدَّ الْوَعْدِ،
وَضِدَّ السَّلَامِ، وَضِدَّ الْأَمَلِ، وَضِدَّ السَّعَادَةِ، وَضِدَّ كُلِّ مَا
كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَرُدَّنِي عَنْهَا.»
وَهُوَ مِنْ أَجْمَلِ مَا كُتِبَ فِي الْحُبِّ
الَّذِي يَتَجَاوَزُ الْمَنْطِقَ وَيُصَارِعُ الْقَدَرَ.
كُلَّمَا أَعَدْتُ قِرَاءَةَ «الْآمَالِ الْعَظِيمَةِ»، ازْدَدْتُ اقْتِنَاعًا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ رِوَايَةً عَنِ
الْفَقْرِ وَالْغِنَى، بَلْ عَنْ أَوْهَامِنَا الَّتِي نُشَيِّدُهَا
بِأَحْلَامِنَا، ثُمَّ نَقْضِي الْعُمْرَ نُحَاوِلُ تَصْحِيحَهَا.
إِنَّ دِيكِنْزْ لَا يُحَارِبُ الطُّمُوحَ، بَلْ
يُحَذِّرُ مِنْ أَنْ يُصْبِحَ الطُّمُوحُ سَبَبًا فِي نِسْيَانِ الْجُذُورِ
وَالْوَفَاءِ لِلَّذِينَ أَحَبُّونَا بِصِدْقٍ.
وَلِذَلِكَ أَرَى أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ
سَتَبْقَى مَا بَقِيَ الْإِنْسَانُ يَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهِ بَيْنَ أَحْلَامِهِ
وَوَاقِعِهِ.
الْخَاتِمَةُ وَالتَّشْوِيقُ
لِلْحَلَقَةِ الْمُقْبِلَةِ
هُنَا تَنْتَهِي رِحْلَتُنَا مَعَ «الْآمَالِ
الْعَظِيمَةِ»،
الرِّوَايَةِ الَّتِي أَثْبَتَتْ أَنَّ أَكْبَرَ انْتِصَارٍ لَا يَكُونُ عَلَى
الْآخَرِينَ، بَلْ عَلَى أَوْهَامِنَا نَحْنُ.
فِي الْحَلَقَةِ الْمُقْبِلَةِ، سَنَفْتَحُ مَعًا
صَفْحَةً جَدِيدَةً مِنْ رَوَائِعِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ
عَالَمًا آخَرَ تَتَقَاطَعُ فِيهِ الْفَلْسَفَةُ وَالسَّرْدُ وَالْإِنْسَانُ.
إِلَى أَنْ نَلْتَقِي، تَقَبَّلُوا أَطْيَبَ
التَّحِيَّاتِ، وَكَانَ مَعَكُمْ الْكَاتِبُ الْمَغْرِبِيُّ عَبْدُو حَقِّي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق