عرف الأسبوع الماضي حركية سينمائية لافتة، توزعت بين مهرجانات، عروض أولى، جوائز، وبرامج صنعتها القاعات والمنصات والذاكرة الفيلمية. وبدا واضحا أن السينما لم تعد مجرد شاشة للفرجة، بل أصبحت مرآة لتحولات العالم، من الوثائقي إلى التحريك، ومن قضايا الهجرة واللجوء إلى صعود السينما الإفريقية والعربية داخل الفضاءات الدولية.
في المغرب، برز انطلاق الدورة السابعة عشرة من المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بأكادير، وهي محطة تؤكد أن الفيلم الوثائقي المغربي لم يعد هامشا صغيرا بجانب السينما الروائية، بل صار مختبرا للأسئلة الاجتماعية والإنسانية. حضور مخرجين وضيوف من المغرب والخارج يمنح أكادير موقعا مهما في خريطة السينما الوثائقية، خصوصا أن الوثائقي اليوم أصبح ذاكرة مضادة للنسيان، يلتقط ما لا تلتقطه الأخبار السريعة.
كما احتضنت الرباط أول دورة من مهرجان السينما الروسية بالمغرب، وهي مبادرة تحمل دلالة ثقافية ودبلوماسية واضحة. فالسينما هنا لا تقدم فقط أفلاما أجنبية لجمهور مغربي، بل تفتح نافذة للحوار بين صورتين حضاريتين مختلفتين. وفي الدار البيضاء، شكل العرض العالمي الأول لفيلم «سبعة كلاب» لحظة أخرى تؤكد أن المدينة ما تزال قادرة على احتضان الإنتاجات الكبرى والنجوم، وأن السينما التجارية المغربية والعربية تبحث عن لغة تجمع بين المتعة البصرية وحسابات السوق.
أما في العالم العربي، فقد اختتم مهرجان الفيلم العربي بروتردام دورته السادسة والعشرين، مقدما السينما العربية لجمهور أوروبي واسع. واللافت في هذه الدورة هو تخصيص حضور قوي لسوريا وفلسطين، بما جعل الشاشة مساحة للذاكرة والجراح والمنفى. إن قيمة هذا النوع من المهرجانات لا تكمن فقط في عرض الأفلام، بل في نقل الحكاية العربية إلى فضاء آخر، حيث تصبح الصورة وسيلة مقاومة ضد الاختزال والتشويه.
وتبدو أهمية مهرجان روتردام العربي في كونه يقدم السينما العربية بوصفها فنا متعدد الأصوات، لا بوصفها كتلة واحدة. هناك الفيلم الفلسطيني، والسوري، والمغاربي، والخليجي، والوثائقي، والروائي، والقصير. وكلها تشكل فسيفساء سينمائية تسائل الهوية والهجرة والحرب والحب والمدينة والمنفى.
في إفريقيا، واصل مهرجان «إنكاونترز» بجنوب إفريقيا حضوره كأحد أهم مهرجانات الفيلم الوثائقي في القارة، من خلال برنامج ضم عشرات الأفلام من بلدان مختلفة. هذا الحدث يؤكد أن الوثائقي الإفريقي صار يملك جرأة كبرى في مقاربة قضايا البيئة والعدالة والذاكرة والاستعمار الجديد. ولم تعد إفريقيا موضوعا مصورا من الخارج، بل أصبحت تنتج صورتها بنفسها وتعيد كتابة تاريخها البصري.
كما برزت مشاركة أفلام إفريقية في مهرجان ترايبيكا بنيويورك، وهو مؤشر جديد على أن السينما الإفريقية تتحرك بثقة نحو منصات عالمية كبرى. لم تعد المسألة مجرد تمثيل رمزي، بل تتعلق بظهور أسماء وتجارب قادرة على فرض حساسية جمالية جديدة. السينما الإفريقية اليوم تخرج من صورة الفقر والحرب، لتصنع خطابا فنيا حول الخيال والمدينة والجسد والمستقبل.
في الاتحاد الأوروبي، كان الحدث البارز هو احتفاء برنامج أوروبا المبدعة بالأفلام الأوروبية المدعومة التي توجت في مهرجان كان، وفي مقدمتها فيلم «فيورد» للمخرج الروماني كريستيان مونجيو. هذا التتويج يعكس قوة السياسة الثقافية الأوروبية التي لا تترك السينما لمصادفات السوق وحدها، بل تدعمها باعتبارها جزءا من الهوية المشتركة.
وفي إيطاليا، عاد مهرجان «السينما المستعادة» في بولونيا ليؤكد أن أرشيف السينما ليس مقبرة للأفلام القديمة، بل حياة ثانية لها. عرض أكثر من خمسمائة فيلم مرمم، وحضور جمهور شاب، يكشفان أن الأجيال الجديدة لا تهرب دائما إلى الصورة السريعة، بل تبحث أحيانا عن عمق الصورة الأولى، وعن سحر القاعة حين تتحول إلى ذاكرة جماعية.
وفي فرنسا، استعد مهرجان آنسي للتحريك لدورته الجديدة، بما يعزز مكانة التحريك كفن سينمائي كامل لا يخص الأطفال وحدهم. التحريك اليوم صار لغة للكبار أيضا، قادرا على معالجة القضايا البيئية والسياسية والنفسية بلغة بصرية طليقة. وهذا ما يجعل أوروبا تراهن عليه كقطاع فني وصناعي في آن واحد.
أما في أمريكا، فقد اختتم مهرجان ترايبيكا دورته بإعلان جوائزه، مؤكدا أن نيويورك لا تزال فضاء للسينما المستقلة والمغامرة. وفي مقابل ذلك، كشفت أخبار شباك التذاكر عن استمرار قوة الصناعة الهوليوودية في صناعة الحدث الجماهيري، خصوصا مع التوقعات المرتفعة لفيلم «قصة لعبة 5». كما شكّل انتقال فيلم «مشروع مريم السلام» إلى العرض عبر المنصات دليلا على أن العلاقة بين القاعة والمنصة لم تعد صراعا مباشرا فقط، بل أصبحت تبادلا في الأدوار.
خلاصة هذا الأسبوع أن السينما تتحرك في اتجاهات متوازية: ذاكرة تستعاد في أوروبا، وثائقي يتقدم في المغرب وإفريقيا، صوت عربي يبحث عن مكانه في العالم، وصناعة أمريكية تواصل الجمع بين القاعة والمنصة. وبين هذه الخرائط كلها، تبقى السينما فنا لا يكف عن طرح السؤال: من نحن، وأي صورة نريد أن نتركها للعالم؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق