الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يونيو 21، 2026

حصيلة الأسبوع الموسيقي بين المغرب والعالم بقلم: عبده حقي


بدت الموسيقى خلال الأسبوع الماضي وكأنها تعيد رسم خريطة العالم على إيقاعات متعددة، تمتد من منصات الرباط والصويرة إلى شوارع باريس، ومن فضاءات الموسيقى العربية في أوروبا إلى المبادرات الإفريقية الجديدة، وصولاً إلى المهرجانات الأمريكية التي تواصل الاحتفاء بالتنوع الثقافي. وبين هذه المحطات المختلفة تتجدد قناعة قديمة مفادها أن الموسيقى ليست مجرد ترفيه، بل هي أيضاً ذاكرة وهوية واقتصاد وثقافة وحوار بين الشعوب.

في المغرب، استأثر مهرجان موازين ـ إيقاعات العالم باهتمام واسع خلال الأسبوع الماضي، مع انطلاق دورته الحادية والعشرين في الرباط. وقد واصلت وسائل الإعلام العربية والدولية متابعة هذا الحدث الذي تحول منذ سنوات إلى أحد أكبر المهرجانات الموسيقية في العالم العربي وإفريقيا. وتجمع برمجة هذه الدورة بين نجوم الأغنية العربية والإفريقية والعالمية في محاولة لصناعة فضاء موسيقي متعدد الثقافات. ويبدو لافتاً أن المهرجان استطاع المحافظة على جاذبيته رغم التحديات الاقتصادية والتحولات التي يعرفها قطاع الحفلات الحية في العالم. فموازين لم يعد مجرد مهرجان غنائي، بل أصبح واجهة ثقافية تعكس صورة المغرب المنفتح على مختلف التعبيرات الموسيقية.

وفي السياق المغربي نفسه، تتجه الأنظار إلى الدورة السابعة والعشرين لمهرجان كناوة وموسيقى العالم بمدينة الصويرة. فهذا الموعد الفني لم يعد مجرد احتفال بموسيقى كناوة، بل أصبح مختبراً عالمياً للتلاقح الموسيقي بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين. وما يميز هذا المهرجان أنه يحافظ على جذوره الروحية والتراثية في الوقت الذي يفتح فيه أبوابه أمام التجريب والحوار الفني. ولذلك تحول إلى نموذج ناجح لكيفية تحويل التراث المحلي إلى لغة كونية يفهمها العالم بأسره.

أما في العالم العربي، فقد شهد الأسبوع الماضي استمرار الإعلان عن مشاريع ومهرجانات موسيقية عربية في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تستعد مدن عديدة لاستقبال عروض لفنانين عرب خلال صيف 2026. ويعكس هذا الحضور المتزايد انتقال الموسيقى العربية من دائرة الجاليات العربية فقط إلى جمهور عالمي أكثر تنوعاً. لقد أصبحت الأغنية العربية الحديثة، بمختلف أشكالها، قادرة على إيجاد مكان لها داخل فضاءات موسيقية كانت حكراً على أنماط أخرى.

وفي هولندا، يستعد مهرجان "سوق أمستردام العربي" للاحتفال بعشرين سنة من العروض الموسيقية العربية، بمشاركة أسماء بارزة من مختلف البلدان العربية. ويكتسي هذا الحدث أهمية خاصة لأنه يربط الموسيقى العربية بالحوار الثقافي الأوروبي، ويجعل الأغنية والعود والشعر والرقص وسائط للتواصل بين حضارتين. وتكشف مثل هذه المبادرات أن الموسيقى العربية أصبحت جزءاً من المشهد الثقافي الأوروبي نفسه، لا مجرد ضيف عابر عليه.

وفي إفريقيا، برز خلال الأسبوع الماضي إعلان مؤسسة "فيم ويك إفريقيا" عن إطلاق "أسبوع الموسيقى الإفريقية" بمدينة كيب تاون، وهي مبادرة جديدة تهدف إلى جمع الفنانين والمنتجين وشركات الصناعة الموسيقية تحت منصة واحدة. وتبدو هذه الخطوة مؤشراً على نضج متزايد في صناعة الموسيقى الإفريقية التي لم تعد تكتفي بإنتاج المواهب، بل تسعى أيضاً إلى بناء مؤسسات اقتصادية قادرة على دعم هذا القطاع.

ويعكس هذا التطور المكانة المتنامية للموسيقى الإفريقية في الأسواق العالمية. فمن الأفروبيت إلى موسيقى جنوب إفريقيا وشرق القارة وغربها، لم تعد إفريقيا مجرد مصدر للإلهام الموسيقي، بل أصبحت قوة إنتاجية حقيقية في الصناعة الموسيقية الدولية. واللافت أن العديد من الفنانين الأفارقة باتوا يحققون نجاحات عالمية دون الحاجة إلى المرور عبر المؤسسات التقليدية في أوروبا أو أمريكا.

وفي الاتحاد الأوروبي، تصدرت احتفالات "عيد الموسيقى" المشهد الثقافي خلال الأسبوع الماضي. فقد استعدت باريس لاستقبال أكثر من مليوني شخص في الشوارع والساحات العامة للاحتفاء بالموسيقى في نسختها الخامسة والأربعين. وتؤكد هذه التظاهرة أن الموسيقى ما تزال قادرة على تحويل المدن إلى فضاءات مفتوحة للفرح الجماعي. كما أن استمرار هذا التقليد الفرنسي منذ أكثر من أربعة عقود يعكس نجاح السياسات الثقافية الأوروبية في جعل الثقافة جزءاً من الحياة اليومية للمواطن.

كما شهدت أوروبا زخماً لافتاً في المهرجانات الصيفية الكبرى، من برشلونة إلى أمستردام وبرلين وكوبنهاغن. وتكشف هذه الفعاليات عن استمرار القارة الأوروبية في لعب دور محوري داخل الاقتصاد الموسيقي العالمي. فالمهرجانات الأوروبية لم تعد مجرد مناسبات فنية، بل أصبحت صناعة متكاملة تساهم في السياحة والاقتصاد المحلي والتبادل الثقافي.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد استمرت المهرجانات الموسيقية المستقلة في استقطاب الاهتمام، ومن بينها مهرجان "لوريل كوف" الذي احتفى بالموسيقى الريفية والفولكلورية الأمريكية في ولاية كنتاكي. ويعكس هذا النوع من المهرجانات رغبة الجمهور الأمريكي في العودة إلى الجذور الموسيقية المحلية وسط هيمنة الصناعات الموسيقية الضخمة والمنصات الرقمية.

كما شهدت الساحة الموسيقية الأمريكية استمرار النشاط المرتبط بمهرجانات الجاز والموسيقى البديلة والعروض الحية في العديد من الولايات. وتبقى الولايات المتحدة مختبراً مفتوحاً لمختلف الأنماط الموسيقية، حيث تتجاور التقاليد القديمة مع أحدث التجارب الإلكترونية والرقمية. ومن هنا تستمد الموسيقى الأمريكية قدرتها الدائمة على التجدد والتأثير العالمي.

إن الحصيلة الموسيقية للأسبوع الماضي تكشف عن عالم يعيش على إيقاعات متعددة، لكنها تلتقي جميعاً عند فكرة واحدة: الموسيقى ما تزال قادرة على بناء الجسور بين الثقافات. ففي المغرب نجد التراث يتحاور مع العالم، وفي العالم العربي تتوسع دوائر الحضور الدولي، وفي إفريقيا تتشكل صناعة موسيقية واعدة، بينما تواصل أوروبا وأمريكا تطوير فضاءاتهما الموسيقية الكبرى. وبين هذه المشاهد المختلفة تظل الموسيقى إحدى أكثر اللغات الإنسانية قدرة على مقاومة الانقسام وصناعة الأمل.



0 التعليقات: