لا تبدو أجندة معهد العالم العربي في باريس خلال صيف 2026 مجرد جدول تقني لمواعيد المعارض والورشات والزيارات، بل تظهر كأنها نص ثقافي مركب، تتجاور داخله آثار المدن القديمة مع جراح التاريخ الحديث، وتتقاطع فيه الذاكرة الفلسطينية والليبية واللبنانية والجزائرية مع أسئلة الفن والعلاج والهجرة والعبودية والهوية. فمن يتأمل البرنامج الحالي لا يجد مؤسسة تعرض مقتنيات جامدة خلف الزجاج، وإنما فضاءً يحاول إعادة إدخال العالم العربي في قلب النقاش الثقافي الأوروبي، لا بصفته موضوعًا غرائبيًا أو هامشًا جغرافيًا بعيدًا، بل باعتباره شريكًا أساسيًا في صناعة ذاكرة البحر الأبيض المتوسط وفي بلورة أسئلته المعاصرة.
ويعلن معهد العالم العربي أنه ينظم سنويًا نحو ألف وخمسمئة فعالية ونشاط ثقافي، تشمل المعارض والحفلات والورشات والمهرجانات والزيارات واللقاءات الفكرية. وهذه الكثافة العددية ليست تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل تؤشر إلى رغبة المؤسسة في تجاوز نموذج المتحف الصامت نحو مؤسسة متعددة الوظائف، تدمج العرض الفني بالتربية الثقافية، والبحث التاريخي بالنقاش السياسي، والفرجة بالمشاركة العائلية. وتكشف الأجندة الرسمية الحالية عن برنامج يمتد من المعارض الكبرى إلى الحكاية الموجهة للأطفال، ومن اكتشاف باريس العربية إلى استعادة تاريخ بيبلوس وليبيا وفلسطين ومستشفى البليدة النفسي.
بيبلوس... مدينة لبنانية تواجه خراب الحاضر بعمق التاريخ
يتصدر معرض «بيبلوس، مدينة لبنان الألفية» البرنامج الصيفي للمعهد، ويمتد من 24 مارس إلى 23 أغسطس 2026، فيما تستمر الزيارات المؤطرة للمعرض إلى غاية 16 أغسطس. ويصفه المعهد بأنه معرضه الحدث، وهي صفة تليق بمدينة لم تكن مجرد تجمع عمراني قديم، بل واحدة من أهم المحطات التي عبرت منها الأبجدية والتجارة والأساطير والديانات والسلع بين سواحل الشرق ومصر والفضاء المتوسطي.
تكمن الأهمية الثقافية لهذا المعرض في أنه يعيد تقديم لبنان خارج الصورة الإخبارية التي اختزلته طويلًا في الحرب والانهيار الاقتصادي والتوتر السياسي. هنا يعود لبنان بوصفه ذاكرة حضارية عميقة، ويستعيد اسمه من ضجيج الأزمات اليومية. إن استحضار بيبلوس في قلب باريس هو، في جوهره، دفاع رمزي عن قدرة البلدان العربية على إنتاج تاريخ عالمي، لا مجرد استقبال أزمات العالم أو تصدير صور الخراب.
لكن هذا النوع من المعارض يطرح أيضًا سؤالًا نقديًا حول طريقة تمثيل الحضارات القديمة في المتاحف الأوروبية. فهل يجري تقديم بيبلوس باعتبارها جزءًا من تاريخ إنساني مشترك، أم بوصفها حضارة بعيدة تُعرض داخل نظرة أوروبية مركزية؟ تبدو برمجة معهد العالم العربي أكثر وعيًا بهذه الإشكالية، لأنها لا تفصل الآثار عن سياقها الثقافي، بل ترافق المعرض بزيارات وورشات عائلية، في محاولة لتحويل المعرفة من عرض فوقي إلى تجربة تعليمية وحوارية.
«أركيولوجيا بيبلوس»... الطفل يتحول إلى مكتشف للتاريخ
بموازاة المعرض، يقترح المعهد ورشة عائلية تحمل عنوان «أركيو-بيبلوس»، تمتد من 9 إلى 25 يوليو 2026. ولا تقوم الفكرة على إلقاء محاضرة مبسطة للأطفال، بل على إشراكهم في تجربة تحاكي البحث الأثري واكتشاف تاريخ المدينة. كما ينظم المعهد نشاط «صندوق الحكايات: ساعة الحكاية في المتحف» من 11 يوليو إلى 29 أغسطس، بما يجعل المتحف مساحة للسرد والخيال، لا مكانًا للقطع الصامتة وحدها.
هذه الأنشطة تكشف تحولًا مهمًا في فلسفة المؤسسات الثقافية الأوروبية؛ فالمتلقي الصغير لم يعد يُعامل بوصفه زائرًا زائدًا أو مرافقًا لوالديه، بل باعتباره جمهورًا ثقافيًا مستقلًا. والطفل، داخل هذه الورشة، لا يحفظ تواريخ الملوك ولا أسماء الحضارات فقط، وإنما يكتشف أن الماضي يُبنى من الشظايا واللقى والأسئلة، وأن التاريخ ليس حقيقة جاهزة بل عملية بحث وتأويل.
وفي علاقتها بالمشهد العربي، تكشف الورشة عن فجوة واضحة بين مؤسسات تجعل الطفل شريكًا في المعرفة، ومتاحف عربية كثيرة ما تزال تعتمد العرض المغلق والخطاب المدرسي الجاف. إن القيمة النقدية لهذا النشاط لا تكمن في موضوعه اللبناني فقط، بل في نموذجه التربوي الذي يمكن للمؤسسات العربية استلهامه: أن يتحول التراث من مادة للحفظ إلى تجربة للاكتشاف، ومن خطاب تمجيدي إلى مختبر للفضول.
الفن بوصفه علاجًا في مستشفى البليدة
من أكثر المعارض إثارة للأسئلة معرض «محاولة الفن من أجل العلاج: في مستشفى البليدة-جوانفيل للأمراض النفسية خلال ستينيات القرن العشرين»، الممتد من 22 أكتوبر 2025 إلى 3 يناير 2027، مع زيارات مؤطرة متواصلة إلى 26 سبتمبر 2026. ويستعيد المعرض تجربة فنية وعلاجية ارتبطت بمستشفى البليدة في الجزائر، حيث تداخل الإبداع مع الرعاية النفسية في سياق تاريخي شديد التعقيد، أعقب الاستعمار والحرب والاستقلال.
لا يقدم هذا المعرض الفن بوصفه زينة جمالية أو ترفًا نخبويًا، بل باعتباره إمكانية لمقاومة الانهيار الداخلي واسترداد الصوت والذات. فالمريض النفسي الذي يرسم أو ينحت لا ينتج عملًا لكي يدخل سوق الفن، وإنما يحاول إعادة ترتيب عالم تشظى في داخله. ومن هنا تنفتح الأعمال على سؤال إنساني يتجاوز الجزائر: هل يستطيع الفن أن يرمم ما تكسره الحروب والاستعمارات والمؤسسات الاجتماعية؟
وتتضاعف أهمية المعرض لأن مستشفى البليدة ارتبط باسم الطبيب والمنظر فرانز فانون، الذي اشتغل على العلاقة بين الاستعمار والعنف والاضطراب النفسي. وحتى عندما لا يكون المعرض مخصصًا له وحده، فإن ظله الفكري يحضر في الخلفية، لأن الحديث عن العلاج النفسي في الجزائر الستينيات لا ينفصل عن آثار النظام الاستعماري في الجسد واللغة والوعي.
نقديًا، يواجه المعرض خطر تحويل آلام المرضى إلى مادة فنية للاستهلاك المتحفي. ولذلك ينبغي أن تظل أسماء أصحاب التجارب وكرامتهم الإنسانية في صدارة التلقي، وألا تتحول رسومهم إلى فضول بصري. غير أن إدراج هذا الملف ضمن متحف معهد العالم العربي يمثل خطوة مهمة في تفكيك الصورة النمطية التي تحصر تاريخ المنطقة في السياسة العسكرية، وتغفل تاريخ الطب والرعاية والتجارب الإنسانية البديلة.
«ليبيا، تراث منكشف»... إنقاذ الذاكرة من الحرب والنسيان
يستمر معرض «ليبيا، تراث منكشف» من 13 مايو إلى 20 أكتوبر 2026، مقدمًا التراث الليبي في لحظة تبدو فيها البلاد في المخيلة الإعلامية الأوروبية مرادفة للانقسام والحرب والهجرة غير النظامية. (
يكتسب هذا المعرض بعدًا سياسيًا غير مباشر، لأنه يعيد تسمية ليبيا خارج مفردات الفوضى. فالبلاد ليست ممرًا للمهاجرين ولا ساحة لصراع الجماعات المسلحة فقط، بل فضاء حضاري تشكل من تعاقب الثقافات الأمازيغية والفينيقية والإغريقية والرومانية والعربية والإفريقية. وكل قطعة أثرية يعرضها المتحف تصبح اعتراضًا صامتًا على الاختزال الإعلامي.
إن عبارة «تراث منكشف» توحي أيضًا بأن ثمة ذاكرة كانت محجوبة أو مهددة، وأن وظيفة المعرض هي إعادة إظهارها. غير أن الكشف المتحفي لا يكفي وحده إذا لم يقترن بحماية المواقع داخل ليبيا، وتكوين الكفاءات المحلية، ومواجهة شبكات تهريب الآثار. فالمتاحف الأوروبية تستطيع لفت الانتباه، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن حق المجتمعات الأصلية في إدارة تراثها واستعادته.
ويفتح المعرض من جهة أخرى نقاشًا أوروبيًا حول مسؤولية القوى الدولية في المآلات الليبية الراهنة. إن عرض الحضارة الليبية في باريس، بعد سنوات من تدخلات سياسية وعسكرية ساهمت في تفكيك الدولة، يحمل مفارقة أخلاقية لا ينبغي إغفالها. فالثقافة لا تعوض الخراب السياسي، لكنها تستطيع على الأقل أن تمنع اكتمال الجريمة الرمزية المتمثلة في محو ذاكرة البلد.
عبودية المتوسط... ذاكرة لا تسمح بالبراءة
اختتم في 19 يوليو 2026 معرض «عبيد في البحر الأبيض المتوسط خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر»، بعد أن انطلق في 31 مارس. وعلى الرغم من انتهاء عرضه في تاريخ إعداد هذا التقرير، فإن حضوره في الأجندة يستحق القراءة لأنه اقترب من ملف غالبًا ما يجري تناوله بانتقائية قومية أو أوروبية أو دينية.
تكمن قوة الموضوع في نقله تاريخ العبودية من الأطلسي وحده إلى المتوسط، حيث تشابكت أعمال الأسر والاسترقاق والفدية والعمل القسري بين ضفاف متعددة. ولا يمكن معالجة هذه الذاكرة بضمير مرتاح لأي طرف، لأن العبودية لم تكن حكرًا على مجتمع واحد، بل نظامًا اقتصاديًا وعسكريًا وإنسانيًا شاركت فيه قوى متعددة.
لكن المساواة الشكلية بين جميع التجارب قد تصبح هي الأخرى نوعًا من التضليل، لأن أحجام الأنظمة العبودية وسياقاتها وامتداداتها لم تكن متطابقة. ولهذا يتطلب المعرض قراءة ترفض المنافسة بين الضحايا، وتبحث بدلًا منها في الآليات التي حولت الإنسان إلى سلعة. إن أهم دلالاته الأوروبية والعربية أنه يزعزع روايات البراءة الجماعية، ويدعو إلى كتابة متوسطية مشتركة لا تقوم على تمجيد الذات وشيطنة الآخر.
باريس العربية... المدينة تقرأ ما أخفته ذاكرتها
من الأنشطة اللافتة أيضًا «النزهة-المحاضرة: باريس العربية التاريخية»، وهي جولة ممتدة في البرنامج من 10 مايو 2025 إلى 17 أكتوبر 2026. وتخرج هذه المبادرة بالمعرفة من المتحف إلى الشارع، لتبحث عن الحضور العربي في أسماء الأماكن والعمارة والمؤسسات ومسارات الهجرة والتبادل الثقافي.
تكشف الجولة أن المدن الأوروبية ليست كيانات ثقافية نقية تشكلت بمعزل عن الآخرين، بل نصوص متعددة الطبقات، ساهم فيها المهاجرون والتجار والطلاب والفنانون والمنفيون. فباريس التي تُقدَّم عادة باعتبارها عاصمة للحداثة الفرنسية تحمل داخلها ذاكرة عربية صنعتها علاقات الاستعمار والهجرة والفكر والفن.
نقديًا، ينبغي ألا تتحول عبارة «باريس العربية» إلى مجرد مسار سياحي فولكلوري يكتفي بالمطاعم والمقاهي والزخارف. فالحضور العربي في المدينة ليس ديكورًا، بل تاريخ عمل ونضال وتمييز وإبداع ومقاومة. وكل جولة جادة مطالبة بإظهار هذا التعقيد، وربط الجمال المعماري بالأسئلة الاجتماعية التي صاحبت وجود العرب في فرنسا.
فلسطين بين الصورة والذاكرة وفضاء اللجوء
تستعد الأجندة الخريفية لاحتضان معرض «فلسطين بعدسة جوس دراي» من 19 سبتمبر إلى الأول من نوفمبر 2026. ويتزامن المعرض مع ورشة للقصص المصورة بعنوان «من ذاكرة لاجئ» ولقاء نقاشي حول ذاكرة الفلسطينيين في مخيمات اللجوء من خلال التصوير الفوتوغرافي والقصة المصورة، يوم 19 سبتمبر.
هذه البرمجة لا تتعامل مع فلسطين بوصفها خبرًا سياسيًا سريعًا، بل بوصفها ذاكرة إنسانية تحتاج إلى الصورة والسرد لحمايتها من المحو. فالصورة هنا ليست مجرد وثيقة، وإنما شهادة تقاوم اختفاء الأمكنة والأسماء والوجوه. أما القصة المصورة فتمنح اللاجئ وسيلة لتحويل التجربة الفردية إلى ذاكرة قابلة للتداول بين الأجيال.
غير أن تمثيل اللجوء يطرح دائمًا سؤال السلطة: من يصور؟ ومن يروي؟ ولمن تُعرض الصور؟ إن القيمة الأخلاقية لأي معرض فلسطيني تتوقف على قدرته على منح الفلسطينيين موقع الفاعل المتكلم، لا موضوعًا بصريًا للشفقة. وتبدو إضافة الورشة واللقاء النقاشي محاولة لتوسيع المعرض من التلقي الصامت إلى المشاركة والحوار.
في المشهد الأوروبي، تحمل هذه الفعاليات دلالة خاصة لأن الذاكرة الفلسطينية أصبحت ساحة صراع حول اللغة والتاريخ وحق التعبير. ولذلك يمثل إدراجها في مؤسسة كمعهد العالم العربي دفاعًا عن الثقافة باعتبارها فضاءً لحفظ الأصوات التي قد تُحاصر في المجال السياسي والإعلامي.
أيام التراث الأوروبي... المعهد داخل الذاكرة الأوروبية
يشارك معهد العالم العربي يومي 19 و20 سبتمبر 2026 في الدورة الثالثة والأربعين من أيام التراث الأوروبية، بالتوازي مع زيارات معمارية للمبنى وزيارات للمتحف خلال شهر سبتمبر.
إن مشاركة المعهد في هذه المناسبة تتجاوز فتح أبوابه للزوار؛ فهي تقول ضمنيًا إن التراث العربي ليس عنصرًا خارجيًا مضافًا إلى أوروبا، بل جزء من تاريخها الثقافي الحي. فالمعهد نفسه، بواجهته المعمارية التي تستلهم المشربيات العربية وتترجمها تكنولوجيًا، يجسد حوارًا بين الهندسة العربية والحداثة الفرنسية.
ويعيد هذا الحدث طرح سؤال الاندماج الثقافي بصورة أعمق: هل يُنظر إلى الثقافة العربية داخل أوروبا باعتبارها ثقافة مهاجرين فقط، أم باعتبارها مكونًا من مكونات الهوية الأوروبية المتعددة؟ إن إدراج المعهد ضمن أيام التراث يقدّم جوابًا رمزيًا واضحًا: لا يمكن كتابة ذاكرة باريس وأوروبا الحديثة من دون الحضور العربي والمتوسطي.
الحكاية والفلسفة والشعر... المواعيد التي تصنع الاستمرارية
إلى جانب المعارض الكبرى، يحتفظ المعهد بمواعيد دورية تمنح البرمجة استمراريتها، من بينها «ساعة الحكاية» للأطفال، و**«فلسفة»** المخصص للفلسفة العربية في أول ثلاثاء من كل شهر، و**«خميس المعهد»** الذي يناقش قضايا العالم العربي، و**«هنا والآن»** لمتابعة الراهن السياسي والثقافي، و**«سبت الشعر»** المخصص لإعادة اكتشاف الشعر العربي في أصالته وبعده الإنساني.
هذه المواعيد أقل صخبًا من المعارض الحدث، لكنها ربما أكثر أهمية على المدى البعيد. فالمؤسسة الثقافية لا تُقاس فقط بعدد الزوار الذين تستقطبهم مناسبة كبرى، بل بقدرتها على صناعة جمهور دائم وعلاقة منتظمة مع المعرفة. الحكاية تغرس الخيال، والفلسفة تعيد الاعتبار إلى تراث عقلي عربي غالبًا ما يُختزل أو يُهمش، والشعر يقاوم تسطيح اللغة، بينما تفتح اللقاءات النقاشية المجال أمام قراءة الحاضر خارج إيقاع الأخبار المتسارع.
أجندة تتجاوز العرض نحو مساءلة الذاكرة
ما يجمع بين بيبلوس والبليدة وليبيا وفلسطين وباريس العربية وعبودية المتوسط ليس وحدة الموضوع، بل وحدة السؤال: كيف يمكن للثقافة أن تمنع الذاكرة من التلاشي؟ وكيف يستطيع المتحف أن يتحول من مخزن للآثار إلى فضاء لمساءلة الحاضر؟
تبدو أجندة معهد العالم العربي قوية في انفتاحها على الموضوعات المركبة وفي جمعها بين الأثر القديم والقضية الراهنة، وبين الطفل والباحث، وبين المعرض والورشة والنقاش. وهي لا تقدم عالمًا عربيًا واحدًا متجانسًا، بل عوالم عربية متعددة، مشتبكة مع إفريقيا وأوروبا والبحر المتوسط.
ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو ألا يصبح العالم العربي مجرد مادة معروضة داخل مؤسسة أوروبية، مهما كانت نواياها الحوارية. فالمطلوب هو مزيد من الشراكات المتكافئة مع الفنانين والباحثين والمؤسسات العربية، ومزيد من الحضور للأصوات القادمة من المجتمعات التي تتناولها المعارض، لا الاكتفاء بالحديث عنها.
إن أهمية هذه الأجندة تكمن في أنها تضع الثقافة العربية داخل باريس، لكنها تصبح أكثر اكتمالًا عندما تجعل العرب أنفسهم شركاء في صياغة الرواية وفي اختيار ما يُعرض وكيف يُعرض. عندها فقط يتحول الجسر الثقافي من استعارة جميلة إلى ممارسة فعلية، ويغدو معهد العالم العربي مكانًا لا تعبر منه الصور والقطع والأفكار فحسب، بل تتقابل فيه الذاكرات على قدم المساواة، وتبدأ منه كتابة جديدة لعلاقة العرب بأوروبا، علاقة لا تستند إلى حنين استشراقي ولا إلى خصومة تاريخية مغلقة، بل إلى الاعتراف المتبادل والحق المشترك في إنتاج المعنى.







0 التعليقات:
إرسال تعليق