لا يبدو الصيف في المؤسسات الثقافية الكبرى مجرد فترة استراحة أو توقف مؤقت للأنشطة، بل أصبح موسمًا لاختبار قدرتها على البقاء حاضرة في الوعي الجماعي خارج جدرانها. ومن هذا المنطلق، أطلق معهد العالم العربي في باريس مبادرته الصيفية الجديدة تحت شعار «معهد العالم العربي معكم أينما كنتم»، وهي مبادرة تتجاوز فكرة الترويج للكتب أو البودكاست لتكشف عن تصور متكامل لدور الثقافة العربية في الفضاء الأوروبي، حيث لم تعد المعرفة حبيسة قاعات العرض، بل صارت ترافق القارئ والمستمع في السفر، وعلى الشاطئ، وفي القطار، وفي مختلف تفاصيل الحياة اليومية.
تقوم المبادرة على ركيزتين أساسيتين: الأولى هي اختيارات مكتبة المعهد من الروايات وأدب الرحلات والدراسات الفكرية وكتب العلوم الإنسانية، والثانية هي إتاحة رصيد واسع من البودكاستات الثقافية التي تضم لقاءات مع كتاب ومفكرين، ونقاشات فكرية، وبرامج موسيقية وروحية، وسرديات إذاعية معاصرة. ومن خلال الجمع بين القراءة والاستماع، يسعى المعهد إلى توسيع دائرة التلقي، مستجيبًا للتحولات التي طرأت على عادات الجمهور، والتي أصبحت تميل إلى المعرفة المحمولة والمرنة، أكثر من اعتمادها على الحضور الفيزيائي التقليدي.
ولا يمكن النظر إلى هذه المبادرة باعتبارها برنامجًا موسميًا عابرًا، لأن ما يلفت الانتباه فيها هو انتقال المؤسسة من مفهوم المكان الثقافي إلى مفهوم الفضاء الثقافي المفتوح. فالمعهد لم يعد ينتظر الزائر حتى يعبر أبوابه في الدائرة الخامسة من باريس، وإنما أصبح يرافق جمهوره حيث يوجد، عبر الكتاب الرقمي، والكتاب الورقي، والمحتوى الصوتي، والمنصات الإلكترونية. وهنا تكمن إحدى أهم سمات المؤسسات الثقافية في القرن الحادي والعشرين، وهي قدرتها على إنتاج الحضور دون الحاجة إلى الحضور الجسدي.
ومن أبرز محاور البرنامج الصيفي تسليط الضوء على سلسلة «الأفكار العربية المعاصرة»، التي تضم ترجمات فرنسية لنصوص عربية مرجعية في التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع والفلسفة والعلوم الإنسانية. وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة لأنها تعالج إحدى أقدم الإشكالات التي واجهت الفكر العربي في أوروبا، وهي ضعف تداول النصوص العربية في اللغات الأوروبية. فالترجمة هنا لا تؤدي وظيفة لغوية فحسب، بل تتحول إلى أداة لإعادة بناء صورة الفكر العربي داخل الجامعات ومراكز البحث والرأي العام الأوروبي، بعيدًا عن الاختزال الذي كثيرًا ما ربط الثقافة العربية بقضايا الأمن والهجرة والصراعات السياسية.
ويبرز كذلك اختيار كتالوج معرض مدينة جبيل اللبنانية بوصفه أحد أبرز الإصدارات الموصى بها خلال هذا الصيف. فالمدينة التي تمتد جذورها لأكثر من تسعة آلاف سنة ليست مجرد موقع أثري، بل تمثل إحدى العلامات المؤسسة للحضارة المتوسطية. واستحضار جبيل في هذا السياق يحمل رسالة ثقافية واضحة مفادها أن العالم العربي ليس مجرد حاضر سياسي مضطرب، بل هو أيضًا تاريخ طويل من الإبداع والعمران والتبادل الحضاري. ومن خلال هذا الاختيار، يعيد معهد العالم العربي توجيه بوصلة الاهتمام نحو العمق الحضاري الذي كثيرًا ما يغيب عن التغطيات الإعلامية اليومية.
أما الرهان الآخر الذي يبدو أكثر انسجامًا مع التحولات الرقمية، فيتمثل في الاستثمار المتزايد في البودكاست الثقافي. ففي السنوات الأخيرة، تحول هذا الوسيط إلى أحد أكثر أشكال المعرفة انتشارًا، خصوصًا بين الأجيال الجديدة التي تفضل الاستماع أثناء التنقل أو ممارسة الأنشطة اليومية. وإدراكًا لهذه التحولات، وسّع المعهد من حضوره السمعي عبر حلقات تناقش الأدب، والفكر، والروحانيات، والموسيقى، والهوية، والهجرة، والحوار بين الثقافات. وبذلك لا يكتفي بإنتاج محتوى ثقافي، بل يساهم في إعادة تشكيل طرق تلقي الثقافة العربية في العصر الرقمي.
ويكشف البرنامج أيضًا عن رؤية متوازنة تجمع بين التراث والحداثة. فإلى جانب الكتب التاريخية والفكرية، يوصي المعهد بحضور الحفل الموسيقي «KORE – RAÏ N'B FEVER»، الذي يمزج موسيقى الراي بالإيقاعات الحضرية الحديثة. وهذا الاختيار ليس تفصيلاً فنّيًا، بل يعكس إدراكًا بأن الثقافة العربية لا تعيش فقط في المخطوطات والمتاحف، وإنما تتجدد أيضًا عبر الموسيقى والشباب والابتكار الفني. ومن ثم، تصبح الثقافة العربية أكثر قدرة على مخاطبة الأجيال الأوروبية الجديدة بلغتها الفنية المعاصرة، دون أن تتخلى عن جذورها.
ومن منظور أوسع، تندرج هذه المبادرة ضمن ما يُعرف اليوم بـ الدبلوماسية الثقافية، أي استخدام الثقافة بوصفها وسيلة لبناء الثقة والتفاهم بين الشعوب. ففي عالم يشهد تصاعدًا في النزعات الشعبوية، وتزايدًا في الصور النمطية المرتبطة بالعرب والمسلمين، تكتسب المؤسسات الثقافية دورًا يتجاوز تنظيم المعارض والندوات، لتصبح فاعلًا حقيقيًا في صناعة الحوار الحضاري. ومن هنا، فإن الكتاب، والبودكاست، والمعرض، والحفل الموسيقي، تتحول جميعها إلى أدوات هادئة لمقاومة الجهل المتبادل، وبناء معرفة أكثر توازنًا بالآخر.
ولا يخفى أن معهد العالم العربي، منذ تأسيسه في باريس، أدى دورًا محوريًا في التعريف بالإبداع العربي، سواء في الأدب أو السينما أو الفنون التشكيلية أو الموسيقى أو التراث. غير أن المرحلة الراهنة تفرض عليه تحديات جديدة تتمثل في المنافسة الرقمية، وتغير أنماط القراءة، وتراجع الإقبال على المؤسسات الثقافية التقليدية. ولذلك تبدو المبادرة الصيفية الحالية بمثابة استجابة عملية لهذه التحولات، إذ تنقل المؤسسة من منطق انتظار الجمهور إلى منطق ملاحقته بالمحتوى الثقافي حيثما وجد.
كما تكشف هذه المبادرة عن تحول مهم في مفهوم القوة الناعمة العربية داخل أوروبا. فبدل أن تعتمد هذه القوة على الخطاب السياسي أو الإعلامي، أصبحت تستند بصورة متزايدة إلى الإنتاج الثقافي، والترجمة، والفنون، والمعرفة المشتركة. وفي هذا السياق، يغدو الكتاب سفيرًا، ويصبح البودكاست وسيلة للحوار، ويتحول المعرض إلى مساحة للتفاهم، بعيدًا عن منطق الدعاية أو الخطابات الأيديولوجية.
ومن جهة أخرى، تطرح المبادرة سؤالًا مهمًا أمام المؤسسات الثقافية العربية نفسها: هل تستطيع أن تطور استراتيجيات مماثلة تجعل الثقافة حاضرة خارج حدود المبنى والمؤسسة؟ لقد أثبتت التجربة أن الرقمنة ليست مجرد وسيلة تقنية، بل هي أيضًا فلسفة جديدة لإدارة الثقافة، تقوم على الوصول إلى الجمهور بدل انتظار قدومه، وعلى إنتاج محتوى مستمر يتجاوز حدود الزمان والمكان.
في المحصلة، لا يقدم معهد العالم العربي هذا الصيف مجرد قائمة كتب أو مجموعة من الحلقات الصوتية، بل يقترح تصورًا جديدًا للعلاقة بين الثقافة العربية وجمهورها الأوروبي. إنها دعوة إلى القراءة، والاستماع، والتأمل، وإعادة اكتشاف العالم العربي من خلال الأدب والفكر والموسيقى والتاريخ. كما أنها تؤكد أن الثقافة، في زمن الأزمات والانقسامات، تظل اللغة الأكثر قدرة على بناء الجسور، والأداة الأكثر فعالية في ترميم صور الشعوب لدى بعضها البعض.
وهكذا، يثبت معهد العالم العربي مرة أخرى أن الدبلوماسية الثقافية ليست نشاطًا بروتوكوليًا، بل مشروعًا معرفيًا طويل النفس، يراهن على الكتاب بدل الشعارات، وعلى الحوار بدل الصدام، وعلى المعرفة بدل الأحكام المسبقة. وفي زمن تتنافس فيه الدول على النفوذ السياسي والاقتصادي، يظل الاستثمار في الثقافة أحد أكثر أشكال الحضور تأثيرًا واستدامة، لأنه يخاطب العقول قبل المصالح، والوجدان قبل الحسابات الآنية، ويترك أثرًا يتجاوز حدود اللحظة إلى المستقبل.








0 التعليقات:
إرسال تعليق