الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يوليو 16، 2026

أصوات المهاجرين تكسر جدران الصمت الدولي: إعداد عبده حقي


 يشهد ملف الهجرة واللجوء خلال الأسابيع الأخيرة تطورات متسارعة تعكس تعقيد الظاهرة على المستويين الإنساني والسياسي. فبينما تواصل الحروب والنزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية دفع ملايين الأشخاص إلى مغادرة أوطانهم، تتجه دول عديدة، ولا سيما في أوروبا، إلى تشديد سياساتها الحدودية وإعادة صياغة أنظمة اللجوء. وفي المقابل، تواصل المنظمات الدولية التحذير من أن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة واحدة من أكبر القضايا الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. 

وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة (International Organization for Migration – المنظمة الدولية للهجرة) في أحدث تقاريرها أن عدد المهاجرين الدوليين بلغ نحو 304 ملايين مهاجر بحلول منتصف عام 2024، أي ما يعادل نحو 3.7 في المائة من سكان العالم، مع استمرار ارتفاع أعداد العمال المهاجرين واتساع دور الهجرة في الاقتصاد العالمي. ويشير تقرير الهجرة العالمي 2026 (World Migration Report 2026 – تقرير الهجرة العالمي 2026) إلى أن الهجرة لم تعد مجرد انتقال للأفراد بين الدول، بل أصبحت عاملاً رئيسياً في التنمية الاقتصادية وسوق العمل والتحولات الديموغرافية، الأمر الذي يفرض سياسات أكثر توازناً بين حماية الحدود وصون حقوق الإنسان. 

وفي السياق نفسه، أوضحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (United Nations High Commissioner for Refugees – المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) في أحدث بياناتها أن العالم يشهد مستويات غير مسبوقة من النزوح القسري، إذ بلغ عدد اللاجئين مع نهاية عام 2025 نحو 41.6 مليون لاجئ، فيما اضطر أكثر من 5.4 ملايين شخص إلى الفرار خارج بلدانهم خلال العام نفسه. كما تشير المفوضية إلى أن سبعة من كل عشرة لاجئين ينحدرون من ست دول فقط، وهو ما يعكس استمرار النزاعات الكبرى في تشكيل خريطة اللجوء العالمية.

وتبرز منطقة البحر الأبيض المتوسط مرة أخرى باعتبارها أحد أخطر مسارات الهجرة غير النظامية. فوفق بيانات مشروع المهاجرين المفقودين (Missing Migrants Project – مشروع المهاجرين المفقودين) التابع للمنظمة الدولية للهجرة، يواصل آلاف الأشخاص سنوياً محاولة عبور البحر انطلاقاً من شمال إفريقيا وتركيا نحو أوروبا، بينما ينتهي كثير من هذه الرحلات بمآسٍ إنسانية نتيجة الغرق أو الاختفاء. وتؤكد تقارير حديثة أن الأشهر الأولى من عام 2026 شهدت ارتفاعاً مقلقاً في أعداد المفقودين، وسط صعوبات متزايدة في توثيق الحوادث بسبب نقص المعلومات والقيود المفروضة على عمليات البحث والإنقاذ. 

وتنسجم هذه التطورات مع ما تنشره شبكة الهجرة المختلطة (Mixed Migration Centre – مركز الهجرة المختلطة) ومركز الهجرة المختلطة لشمال إفريقيا (Mixed Migration Hub – مركز الهجرة المختلطة) اللذان يشيران إلى أن طرق الهجرة أصبحت أكثر تعقيداً وخطورة، حيث تتداخل الهجرة الاقتصادية مع اللجوء والنزوح القسري والاتجار بالبشر والتهريب. كما توضح البيانات أن كثيراً من المهاجرين يغيرون وجهاتهم عدة مرات أثناء الرحلة تبعاً للتطورات الأمنية والسياسية في دول العبور.

وفي أوروبا، دخل ميثاق الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء (EU Pact on Migration and Asylum – ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء) مرحلة التنفيذ، وهو ما اعتبرته المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فرصة للانتقال من إدارة الأزمات إلى نظام أكثر انتظاماً وعدالة في توزيع المسؤوليات بين الدول الأوروبية. غير أن منظمات حقوقية عديدة ترى أن نجاح هذا الميثاق سيظل رهيناً بمدى احترامه للمعايير الدولية الخاصة بحماية اللاجئين وضمان الوصول العادل إلى إجراءات اللجوء. 

أما الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (Frontex – فرونتكس) فتواصل نشر بياناتها حول تدفقات الهجرة عبر الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتظهر الإحصاءات استمرار وصول مهاجرين من دول شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء إلى السواحل الإسبانية والإيطالية واليونانية، رغم تشديد الرقابة البحرية والبرية. وتعكس هذه الأرقام أن شبكات التهريب ما تزال قادرة على إيجاد مسارات جديدة كلما أُغلقت طرق قديمة، وهو ما يزيد من صعوبة إدارة الظاهرة بالوسائل الأمنية وحدها. 

ومن جانب آخر، تواصل بوابة بيانات الهجرة (Migration Data Portal – بوابة بيانات الهجرة) تقديم قواعد بيانات محدثة تساعد الحكومات والباحثين على فهم اتجاهات الهجرة الدولية، مع التركيز على المؤشرات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية. وتشير هذه المنصة إلى أن اتخاذ قرارات فعالة في مجال الهجرة يتطلب الاعتماد على بيانات دقيقة بدلاً من الخطابات السياسية أو الانطباعات العامة، خاصة في ظل التغيرات السريعة التي تشهدها حركة السكان عبر العالم. 

وتحذر منظمة اللاجئون الدوليون (Refugees International – اللاجئون الدوليون) باستمرار من تدهور الأوضاع الإنسانية في عدد من مناطق النزاع، داعية إلى زيادة التمويل الدولي وتحسين آليات إعادة التوطين وتقاسم المسؤوليات بين الدول. كما تؤكد أن استمرار تقليص الموارد المالية المخصصة للعمل الإنساني يهدد قدرة المنظمات الدولية على تقديم الغذاء والرعاية الصحية والحماية القانونية لملايين اللاجئين والنازحين. 

وفي السياق الأوروبي، تواصل منصة إنفو ميغرانتس (InfoMigrants – إنفو ميغرانتس) متابعة أوضاع المهاجرين على طرق العبور المختلفة، مركزة على المستجدات المتعلقة بعمليات الإنقاذ وإجراءات اللجوء والتشريعات الجديدة، إضافة إلى نشر معلومات عملية تساعد المهاجرين على فهم حقوقهم القانونية في بلدان الاستقبال. كما تواصل منصة التعاون الدولي للمهاجرين غير النظاميين (Platform for International Cooperation on Undocumented Migrants – منصة التعاون الدولي للمهاجرين غير النظاميين) المعروفة اختصاراً باسم PICUM الدفاع عن حقوق المهاجرين غير الحاصلين على وثائق قانونية، والدعوة إلى ضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية دون تمييز.

وتبرز كذلك مساهمة معهد سياسات الهجرة (Migration Policy Institute – معهد سياسات الهجرة) في تحليل السياسات العامة المتعلقة بالهجرة، حيث يشدد خبراؤه على أن معالجة الظاهرة تتطلب الجمع بين التنمية الاقتصادية في بلدان المنشأ، وفتح مسارات قانونية للهجرة، وتعزيز التعاون الدولي، بدلاً من الاقتصار على الردود الأمنية قصيرة المدى.

وتخلص مجمل التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمراكز البحثية المتخصصة إلى أن الهجرة ستظل إحدى أبرز القضايا العالمية خلال السنوات المقبلة. فالأزمات الجيوسياسية، والتغير المناخي، واتساع الفجوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب، كلها عوامل تدفع ملايين البشر إلى البحث عن مستقبل أكثر أمناً. وفي المقابل، يبقى التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي هو إيجاد توازن حقيقي بين سيادة الدول على حدودها، واحترام الكرامة الإنسانية للمهاجرين واللاجئين، بما ينسجم مع القانون الدولي وقيم التضامن الإنساني. 



0 التعليقات: